إنا إلى الديمقراطية راجعون
زورق الحقيقة
ابوهريرة زين العابدين عبد الحليم يكتب ..
لقد ادلهمت على وطننا الخطوب، ولقد بكت عازة دموعا مدرارا دماً، قتلوها واغتصبوها ثم صلبوها في وضح النهار وفي ظلمات وراءها ظلمات وما زال اغلب السودانيين يرددون “عازة في هواك” فهواها في الفؤاد “ترعاه العناية”.
ونستعير كلمات مصطفى سند من البحر القديم
ما هداك العطف تمسح من خطاي الصبر
يا من شاهد الإنسان
يطامن رأسه المهزوم
حين يموت في أعماقه الإنسان
فقد مات في داخلنا الانسان، جوع ومسغبة ومسبحة وفي جوف الليل تردد ان ليلى جن ليلها وعشاقها داخلها وخارجها يتلون أناشيد الحب في صحراء الدماء المنهمرة بجهل. أطفال دعج العيون يبكون المسغبة عندما يوغل ليل جوعهم وأطفأ سراج الامل والتعليم بعد ان قهقهت ريح سوداء في خيمات المستقبل الأسود لديارنا.
وقال سند أيضا
قد جئت أحمل أوراق الهوى كتبا
وأحمل النيل ذا الجنات والثمر
وحمل أهلنا أوراق هواهم وحملوا النيل في داخلهم والجنات والثمر والحلم القديم لوطن يسع الجميع وهم في هيامهم في ارض الله. جهل اسود يجرهم نحو الاعمق بلا زورق رؤى، جنرلات يرتدون خمسة نجوم كراهية وصقر ظلم يجوبون الفيافي عطشى لمزيد من الدماء. فقد خنقوا عازة وقهروها ونامت ضحىً تبحث عن “صلاح الدين” وعن صلاح للدين الذي جعلوه سلعة في سوق ساسة يسوس.
ثلة من الاولين في القتل وثلة من الاخرين في السحل حتى بلغوا مئة مليشيا وكبيرهم يحشد في المزيد ولم يتعلموا حتى ضحى الغد، والمسلح في الطرف الآخر يحشد ويتوعد وعازة تئن ولا أحد يسمع الانين، بطونهم منتفخة من مال الدم وذهب السحت وصمغ عربي، والعرب قسموا بين معسكري الحرب ضد السودانيين مما استطال امد الكريهة.
كيف نخرج عازة من جحور الكآبة والبكاء، كيف نوقف الدماء المنهمرة المدلهمة المداهمة لمستقبل الأجيال. كيف نبدأ حيث انتهى الاخر الناجح فالاخرون ليسوا هم الجحيم دوما كما يقول سارتر، كيف نبني وطن ذبح من الوريد للوريد وباعوا دماء شعبه مقابل دراهم الذهب الدم.
كيف مضى الوطن مأخوذا وما زال يملأ خواطرنا عبقا وتحنان ومضينا نبحث عنه في سوق الأوطان ولم نجده، وقد ذهب مع الريح كريشة تحت المطر ونحن نسائل عن ديار لم تعد ديارا وعن بيوت نعق البوم في عرائشها وماتت عرائسها والفرح.
ونردد مع الطيب صالح “من أين اتى هؤلاء” فهؤلاء لا قبلهم قبل ولا بعدهم بعد كما يقال، انهم رجس من عمل البنادق وصناعة البيادق. ومع الهادي آدم “أغدا القاك يا خوف فؤادي من غد” فهل نلقى الوطن ونلتقيه، ام يلقانا، ام نلغيه من خاطرنا.
ونقول مع الفيتوري
في حضرة من أهوى عبثت بي الأشواق
حدقت بلا وجه ورقصت بلا ساق
فهام السودانيون وعبثت بهم الاشواق لعازة وهاموا في كل ارض بلقع كأنهم بلا وجوه ولا ساق وساقوهم الى حتفهم والمنافي تحت اسم “الكرامة” واي كرامة مع الموت والجوع والتشرد.
وننشد مع ود المكي “بعض الرحيق انا والبرتقالة انت” انت يا عازة فقد مصوا رحيقك وعبقك وسقوك دما قاني، فلا فرق بين جنرالات الخلاء ام جنرالات المنازل فكلهم في الدماء سواء. فلا فرق بين قطط المنازل وقطط الخلاء فكلهم في الافتراس سواء.
ادريس البنا في ليلة حالكة عند انقلاب كبيرهم ومعلمهم عام ٨٩ قال “رئيسنا ما نرويغا رئيسنا أبشع وأفظع” فهاهم تلاميذه ومن صنعهم لحمايته يواصلون سيره ومسيره ومسيرته، ولكن فجر الحرية والاحرار قادم في وطن بلا حرب بلا مليشيات بلا حكم العسكر، وطن يسع الجميع وترقص الحرية في نخيله وتهز الديمقراطية أغصانه ويرجع العسكر لثكناتهم. فهل يرجعون؟ فإنا إلى الديمقراطية راجعون.
