تفعيل اليوان يربك الدولار ويفتح مساراً تجارياً جديداً

الخرطوم / الغد السوداني – أمين محمد الأمين
​في خطوة استراتيجية تعكس تحولاً ملموساً في هندسة المعاملات المالية الخارجية للبلاد، اتجه القطاع المصرفي السوداني نحو تعزيز علاقاته المباشرة مع الاقتصاد الصيني لتجاوز تعقيدات التحويلات المراسلة والضغوط الدولارية. وتأتي هذه التحركات وسط تطلع قطاعات الأعمال والمستوردين إلى تيسير حركة التجارة الثنائية وخفض تكاليف الاستيراد. وفي هذا التقرير، يقدم خبراء اقتصاديون ومصرفيون قراءة تحليليّة شاملة لأبعاد تفعيل التعامل المباشر باليوان، وانعكاساته المتوقعة على سوق الصرف، ومتطلبات تحويل هذه الخطوة إلى نموذج مالي مستدام.

إحاطة دبلوماسية
​يذكر أن القنصلية العامة للسودان بمدينة قوانجو الصينية، نظمت أمس بالتعاون مع الجالية، لقاءً تنويرياً لرجال الأعمال السودانيين مع وفد “بنك أم درمان الوطني”، الذي ضم مدير العلاقات الخارجية يوسف عبد الرحمن ومدير العمليات المصرفية الخارجية معاوية بانقا. وناقش اللقاء آليات إجراء التحويلات المالية المباشرة بين البلدين بالجنيه السوداني واليوان الصيني، عقب فتح بنك أم درمان حساباً جارياً لدى “بنك الصين”؛ وهي خطوة تهدف لتسهيل التعاملات التجارية للشركات وتذليل عقبات المعاملات المالية للطلاب والمقيمين.

​تقليل الوساطة
وصف الخبير الإداري والاقتصادي، الأستاذ محمد نور كرم الله، خطوة “بنك أم درمان الوطني” بتفعيل التحويلات المباشرة باليوان الصيني عبر فتح حساب جارٍ لدى “بنك الصين” بالإيجابية والمهمة؛ مشيراً إلى أنها تستهدف تذليل العقبات المالية أمام الشركات التجارية، والطلاب، والمقيمين. وأوضح أن التحويل المباشر يُسهم بفاعلية في تقليص الممرات والبنوك الوسيطة، وخفض رسوم المعاملات، واختصار الزمن الإجرائي، فضلاً عن تسهيل عمليات الاستيراد وسداد المصروفات الدراسية.

تخفيف الضغط
ولفت كرم الله إلى أن هذه الآلية تمنح السوق المحلي متنفساً عبر الحد من الحاجة الملحة لشراء الدولار في المعاملات التجارية مع الصين؛ مؤكداً أن الاعتماد على اليوان سيؤدي إلى امتصاص جزء مقدر من الطلب على النقد الأجنبي وتخفيف الضغط على سوق الصرف، شريطة أن تتسع مظلة هذه الخدمة لتشمل بقية المصارف، مع ضمان البنوك لتوفير سيولة كافية من اليوان وتقديم أسعار صرف تنافسية للمتعاملين.

​منظومة التسويات
واقترح الخبير الاقتصادي أن تتجه الدولة في خطوتها القادمة نحو بناء منظومة تسويات تجارية شاملة بالعملات المحلية، لا تقتصر على الصين فحسب، بل تمتد لتشمل الشركاء التجاريين الرئيسيين كالسعودية، والإمارات، ومصر، وتركيا، والهند. ودعا إلى تحديد حجم التجارة الخارجية القابلة للإخراج الفعلي من “دائرة الدولار” سنوياً، وصياغة جدول رقمي دقيق يقيس حجم التبادل مع كل دولة، ونسبة التجارة الممكن تسويتها بالعملة المحلية، للوقوف على حجم الوفر المتوقع في الطلب على الدولار.

توسيع المقاصة
واختتم كرم الله إفادته بالشد على أن هذه الخطوة، رغم قيمتها الاقتصادية، تظل بحاجة إلى تعميمها على البنوك الوطنية المقتدرة ذات الانتشار الجغرافي الواسع في مختلف الولايات لتوسيع قاعدة التحويل المباشر من الجنيه إلى اليوان. كما حث الجانب الصيني على توسيع المقاصة الإلكترونية عبر الفروع الداخلية لـ “بنك الصين”، والاستفادة من نظام المدفوعات الدولي الصيني (CIPS) وتعميم تجربته كما هو الحال في تعاملاته مع ليبيا وعدة دول أخرى.

​كسر الحصار
وفي السياق ذاته، وصف الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور هاشم عبد الله رحمة، خطوة “بنك أم درمان الوطني” بالتعامل المباشر بين العملتين الصينية والسودانية بالإنقاذية والمتميزة، مشيراً إلى أنه حال نجاح هذه التجربة، فإنها ستشكل قفزة إيجابية في المسار المالي الصحيح. وأكد د. رحمة أن هذه الخطوة من شأنها كسر حاجز العزلة والحصار المالي المفروض على البلاد منذ سنوات طويلة، والذي أعاق إجراء التحويلات المصرفية الطبيعية مع العالم الخارجي؛ لافتاً إلى أن الصين تُعد قوة اقتصادية عظمى تمتلك عملة قوية وفرضت حضورها في مشهد الاقتصاد العالمي.

​مبادرة رسمية
ويرى الخبير المصرفي أن هذا الإجراء، رغم تأخره، يفتح آفاقاً جديدة للمنظومة المالية، داعياً بنك السودان المركزي إلى قيادة المبادرة والدخول في اتفاقيات قياسية مباشرة مع البنك المركزي الصيني لتسهيل المقاصة والتحويلات بين البلدين. وأوضح أن اتخاذ هذه الخطوة على المستوى الرسمي سيضمن للسودان منفذاً مالياً وتجارياً وآمناً مع دولة بحجم الصين، مما يعزز تبادل المنافع التجارية واستدامة التحويلات النقدية عبر العملتين المحليتين دون الحاجة للقيود الخارجية.

​تسهيل التجارة
وأكد د. رحمة أن تفعيل هذه النافذة البنكية سينعكس بصورة مباشرة وملموسة على تسهيل تحويلات الطلاب والمقيمين، إلى جانب تنشيط حركة التبادل التجاري للسلع والمنتجات بين الخرطوم وبكين. وأضاف أن هذه الآلية ستسهم في تسريع حركة دوران التجارة الخارجية، وانسياب الصادرات والواردات بيسر وسرعة، مؤكداً أن توسيع هذه الشراكات المالية يمثل مخرجاً استراتيجياً عملياً لتجاوز تداعيات الحصار الاقتصادي الممتد على البلاد.

​اختصار الزمن
إلى ذلك، أوضح الخبير المصرفي، الأستاذ وليد دليل، أن أثر التحويلات المباشرة باليوان على زمن وتكلفة الاستيراد ينبع من تقليص البنوك الوسيطة وتجنب هامش التحويل المزدوج للعملات؛ مبيناً أن المعاملات التقليدية كانت تمر عبر بنوك ثالثة في الخليج أو أوروبا لضمان تحويل الجنيه إلى دولار ثم إلى يوان، مما يرفع العمولات ويمدد المعالجة لأيام. وأكد أن فتح بنك أم درمان حساباً جارياً لدى بنك الصين يختصر هذا المسار إلى خطوة واحدة تضمن التحويل خلال ساعات في الحالات الاعتيادية، وتقي من فروق أسعار الصرف المتراكمة، مع الإشارة إلى أن الأثر المالي الفعلي مرهون بمدى حجم التعاملات التي ستمر مستقبلاً عبر هذه القناة الرسمية.

​تفاؤل محسوب
ويرى دليل أن احتمالية تخفيف الضغط على الدولار تُعد البُعد الأبرز في هذه الخطوة، مستدعية تفاؤلاً محسوباً؛ كون الصين أحد أكبر الشركاء التجاريين للسودان، وجزء رئيسي من الطلب على الدولار ينشأ من حاجة المستوردين لتمويل واردات المنتجات والمعدات الصينية. وأشار إلى أن تفعيل قناة باليوان يلبي نظرياً جزءاً من هذا الطلب دون المرور بالدولار، مما يخفف الضغط على السوق الموازية. وشدد على أن الأثر سيبقى جزئياً ما لم يقترن باتساع قاعدة المصدرين السودانيين المحصلين لعائداتهم باليوان لتوازن التدفقات المالية، وتوسيع النموذج ليشمل كافة البنوك السودانية لضمان تغطية حجم التجارة الثنائية.

​متطلبات التوسع
وحول الشروط المطلوبة لتعميم الآلية مع شركاء آخرين، حدد دليل ثلاثة متطلبات استراتيجية؛ أولها وجود بنوك مراسلة مستعدة لاجتياز إجراءات العناية الواجبة والامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال، وهي خطوة أكثر مرونة مع شركاء كالصين وروسيا ودول الخليج مقارنة بالغرب. أما الشرط الثاني فيتمثل في توفر حجم تبادل تجاري يبرر تكلفة تشغيل القناة المصرفية، فيما يكمن الشرط الثالث في انخراط بنك السودان المركزي في اتفاقيات مقاصة ثنائية وتسهيل تراخيص العملات الأجنبية البديلة، بما يقلل انكشاف واستجابة النظام المصرفي المحلي للقيود الدولارية.

​تيسير التعاملات
واختتم دليل إفادته بالتحليل الاستفادي لقطاعي الأعمال والمواطنين؛ مشيراً إلى أن المستوردين سيستفيدون من تبسيط فتح الاعتمادات وتسهيل تحويلات السداد وتقليص العمولات وسرعة وصول الشحنات. أما بالنسبة للطلاب والمقيمين في المدن الصينية مثل قوانجو ويوو، فإن النافذة تمنحهم بديلاً مصرفياً آمناً ومباشراً لتلقي المصروفات والرسوم الدراسية من ذويهم، حمايةً لهم من المخاطر التشغيلية والأمنية المرتبطة بالقنوات غير الرسمية التي اعتمدوا عليها سابقاً.

​مسار التعافي
​يُشكل تفعيل قنوات التعامل المصرفي المباشر باليوان خطوة عملية جادة لتنويع خيارات التمويل وتقليل الاعتماد المطلق على الدولار في المعاملات التجارية الخارجية. وتكتمل ثمار هذه التجربة بتضافر جهود السياسة النقدية الرسمية لتشجيع الصادرات الوطنية بالعملات البديلة، وتعميم الآلية على نطاق مصرفي أوسع يخدم التبادل التجاري الحقيقي، بما يكفل استقرار قيمة العملة الوطنية ويحمي المصالح الاقتصادية للبلاد.