هل صار “شباك التذاكر” صكاً للوطنية؟.. رد على محاكمة نانسي عجاج

بقلم/ زهير عثمان – طالعنا احدهم وهو من جريدة الالكترونية آكشن سبورت” بمقال يحاول تقييم مسيرة الفنانة نانسي عجاج من منظور لا علاقة له بالفن، بل هو استمرار لنهج “محاكمات التفتيش” التي يتعرض لها المبدعون السودانيون منذ اندلاع الحرب.

لقد حاول المقال ربط الحضور الجماهيري في حفلٍ بالقاهرة بمواقف الفنانة السياسية، وهو قياسٌ يعوزه المنطق وتغيب عنه الموضوعية.

1. متى كان الحضور الجماهيري معياراً لـ “صواب” الموقف؟

منذ متى صار عدد الحضور في قاعة أو مسرح هو الميزان الذي يقيس “وطنية” الفنان أو “صحة” مواقفه؟ الفن رسالة، والمبدع الحقيقي هو من يمتلك شجاعة التعبير عن ضميره، حتى لو خالفه السواد الأعظم في لحظة عاطفية مشحونة. إن ربط جماهيرية نانسي بموقفها الرافض للحرب هو مغالطة تهدف إلى “تأديب” الفنان، وكأن المطلوب منه أن يبيع ضميره مقابل تذكرة دخول.

2. ظروف القاهرة.. والجمهور الغائب

يتجاهل المقال بذكاء شديد الظروف الموضوعية التي يمر بها السودانيون في القاهرة؛ من أزمات اقتصادية طاحنة، إلى حالة الإنهاك النفسي، وصولاً إلى تعقيدات التنظيم في بلدٍ يعيش فيه السودانيون ظروفاً استثنائية. أن نختزل جماهيرية فنانة بحجم نانسي عجاج في “عدد مقاعد مشغول” في حفلٍ بالقاهرة , هو تبسيط مخل لا يخدم الحقيقة، بل يخدم أجندة “حملات المقاطعة” التي تفتخر بتمزيق النسيج الثقافي السوداني.

3. “نانسي عجاج” ليست بحاجة لاختبار

يقول المقال إن نانسي تحاول “اختبار حضورها”؛ والحقيقة أن نانسي عجاج، عبر سنوات من العطاء النوعي، لم تعد بحاجة لاختبار.

هي فنانة اختارت أن تبقى وفية لجماليات الغناء السوداني ولصوت العقل، وهذا في حد ذاته مكسب للثقافة السودانية.

أما من يتربصون بـ “كاميرات الحفل” ليوثقوا حضوراً أو غياباً، فهم يمارسون دور “الرقيب السياسي” الذي يغطي على عجزه عن تقديم فنٍّ حقيقي بمحاولة اغتيال شخصية الفنان.

4. الفن والمواقف

إننا ندعو هؤلاء “الصحفيين الرياضيين” للتركيز على ملاعبهم، فالفن يظل حراً من قيود التخوين. إن نانسي عجاج بمواقفها الرافضة للحرب، إنما تعبر عن تيار عريض يرى أن صوت البندقية يجب أن يصمت ليغني صوت الحياة. وإذا كانت الجماهيرية تُقاس بمواقف الفنان الحرة، فإن نانسي تمتلك أرصدة من الاحترام في قلوب من يقدرون الفن كقيمة إنسانية، لا كأداة في معارك السياسة.

كلمة أخيرة أود قولها لكم , التاريخ لن يذكر “الصحفيين” الذين عدّوا الكراسي الفارغة في حفلات الفنانين، بل سيذكر الفنانين الذين صدحوا بكلمة حق حين صمت الجميع أو صفقوا للحرب.

نانسي عجاج ليست في حاجة لتبرير مواقفها، بل نحن في حاجة لاستعادة قدرتنا على الاختلاف مع المبدع دون أن نسعى لهدمه.