جنرال فخري من القصر الرئاسي.. جنوب السودان يكافئ ضابط الموساد الذي دعم تمرد “أنيانيا” ضد الخرطوم

لم يكن المشهد عادياً في جوبا، الخميس. ففي القصر الرئاسي لجنوب السودان، وقف رجل تجاوز الثمانين من عمره يتلقى أحد أعلى الأوسمة العسكرية في البلاد، وسط تصفيق مسؤولين وقادة عسكريين. الرجل لم يكن جنرالاً جنوب سودانياً، ولا أحد أبطال حرب الاستقلال المعروفين، بل ضابط استخبارات إسرائيلي سابق يدعى ديفيد أوري بن عوزيل.

بقرار من الرئيس سلفا كير ميارديت، مُنح بن عوزيل رتبة جنرال فخرية في قوات الدفاع الشعبي لجنوب السودان وأُدرج ضمن قوات الاحتياط، في خطوة أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر الصفحات إثارة للجدل في تاريخ العلاقة بين إسرائيل والحركات المسلحة في جنوب السودان.

من غابات التمرد إلى منصة التكريم

بالنسبة إلى كثير من السودانيين، يرتبط اسم حركة “أنيانيا” ببدايات التمرد المسلح في جنوب البلاد ضد الحكومة المركزية في الخرطوم خلال ستينيات القرن الماضي. أما بالنسبة إلى ديفيد بن عوزيل، فكانت تلك الحركة بوابته إلى واحدة من أطول المهمات السرية في مسيرته المهنية.

وصل الضابط الإسرائيلي إلى جنوب السودان عام 1969 ضمن مهمة سرية أوكلها إليه جهاز الموساد، بهدف دعم مقاتلي “أنيانيا” الذين كانوا يخوضون حرباً ضد الحكومة السودانية آنذاك. وفي تلك السنوات، لم يكن الصراع مجرد معارك متفرقة، بل حرباً مفتوحة رسمت ملامح مستقبل السودان لعقود لاحقة.

وفق روايات إسرائيلية وأخرى جنوب سودانية، أشرف بن عوزيل على إنشاء مهابط طائرات بدائية وسط الغابات الكثيفة، لتسهيل عمليات إسقاط الأسلحة والإمدادات الطبية واللقاحات بالمظلات. كانت الطائرات تنطلق من قواعد في كينيا، بينما يتولى المتمردون نقل الشحنات عبر مسارات وعرة يصعب الوصول إليها.

حين كان سلفا كير مقاتلاً ميدانياً

في تلك الفترة، لم يكن سلفا كير رئيساً لدولة مستقلة، بل مقاتلاً شاباً ضمن صفوف التمرد الجنوبي. وتقول مصادر تاريخية إن بن عوزيل عمل عن قرب مع عدد من القادة العسكريين الذين أصبحوا لاحقاً رموزاً للحركة الجنوبية، من بينهم سلفا كير نفسه.

ذلك التقاطع المبكر بين الرجلين تحوّل مع مرور الزمن إلى علاقة سياسية وتاريخية امتدت لعقود. فبينما واصل كير صعوده داخل الحركات المسلحة الجنوبية، بقي بن عوزيل واحداً من أبرز الوجوه الإسرائيلية المرتبطة بالقضية الجنوبية.

دعمٌ غيّر مسار الصراع

يرى مؤرخون أن الدعم الإسرائيلي للمتمردين الجنوبيين لم يكن مجرد عملية استخباراتية محدودة، بل جزءاً من استراتيجية إقليمية أوسع هدفت إلى إضعاف الحكومات العربية المحيطة بإسرائيل خلال تلك المرحلة.

ورغم أن اتفاقية أديس أبابا عام 1972 أنهت الحرب الأهلية الأولى ومنحت الجنوب حكماً ذاتياً واسعاً، فإن جذور الصراع لم تختفِ. وبعد سنوات اندلعت الحرب مجدداً، قبل أن تنتهي بتوقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005، التي مهدت لاستفتاء تقرير المصير واستقلال جنوب السودان رسمياً عام 2011.

في جوبا، ينظر كثيرون إلى شخصيات مثل بن عوزيل باعتبارها جزءاً من تاريخ النضال الجنوبي. أما في السودان، فيُنظر إلى الدور ذاته بوصفه دعماً خارجياً لحركة تمرد حملت السلاح ضد الدولة وأسهمت في تفكيك أكبر دولة أفريقية من حيث المساحة آنذاك.

من رجل استخبارات إلى ممثل دبلوماسي

المفارقة أن الرجل الذي عمل سراً في الغابات قبل أكثر من خمسة عقود عاد لاحقاً إلى المشهد بشكل رسمي وعلني. فبعد استقلال جنوب السودان، جرى تعيين ديفيد بن عوزيل ممثلاً دبلوماسياً للدولة الجديدة في إسرائيل، في خطوة عُدت اعترافاً بالدور الذي لعبه منذ سنوات الحرب الأولى.

واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن على أول مهمة له في جنوب السودان، عاد بن عوزيل مجدداً إلى جوبا، لكن هذه المرة ليس كمستشار عسكري أو رجل استخبارات، بل كضيف شرف يتلقى وساماً عسكرياً من رئيس الدولة.

رسالة سياسية تتجاوز التكريم

لا يقتصر معنى التكريم على شخص ديفيد بن عوزيل وحده. فالخطوة تحمل رسائل سياسية واضحة تعكس عمق العلاقة بين جنوب السودان وإسرائيل، وهي علاقة بدأت في الخفاء خلال سنوات الحرب وتحولت لاحقاً إلى شراكة معلنة بين دولتين.

وبينما يرى مسؤولون في جوبا أن التكريم يمثل وفاءً لمن ساعدوا الحركة الجنوبية في أصعب مراحلها، يفتح الحدث مجدداً نقاشاً واسعاً حول الأدوار الخارجية التي ساهمت في تشكيل تاريخ السودان الحديث، وحول الكيفية التي ما تزال بها حروب الأمس تلقي بظلالها على سياسات المنطقة حتى اليوم.

بعد أكثر من خمسين عاماً، لم تعد الطائرات تهبط سراً في الغابات، ولم يعد المتمردون يختبئون بين الأشجار. لكن الأسماء التي صنعت تلك المرحلة ما زالت حاضرة، وبعضها يعود إلى الواجهة من بوابة التكريم الرسمي، ليذكر السودانيين والجنوبيين معاً بأن التاريخ لا يختفي، بل يعود بأشكال مختلفة كلما سنحت له الفرصة.