“أشجار عمرها عقود تحولت إلى رماد”.. النار تلتهم 5 آلاف نخلة في جزيرة سرقد 

عبري/ الغد السوداني – في جزيرة سرقد الواقعة على ضفاف النيل شمال السودان، لم يستيقظ السكان،أمس، على صوت المياه أو حركة المزارعين المتجهين إلى حقولهم، بل على ألسنة لهب امتدت بسرعة بين أشجار النخيل، تاركة وراءها مشهداً أقرب إلى الكارثة.

خلال ساعات قليلة، تحولت آلاف الأشجار التي شكلت لعقود مصدر رزق وذاكرة جماعية لأهالي الجزيرة إلى رماد. ووفقاً للسلطات المحلية، أسفر الحريق عن احتراق ما لا يقل عن خمسة آلاف نخلة، إضافة إلى أضرار واسعة في المحاصيل الزراعية وشبكات الكهرباء والمياه ونفوق عدد من الحيوانات.

النخيل.. أكثر من مجرد شجرة

في الولاية الشمالية، لا يمثل النخيل محصولاً زراعياً فحسب، بل يعد العمود الفقري للاقتصاد المحلي ورمزاً لهوية المنطقة. وتعتمد آلاف الأسر على إنتاج التمور كمصدر رئيسي للدخل، فيما ترتبط حياة القرى والجزر النيلية ارتباطاً وثيقاً بمواسم الزراعة والحصاد.

لذلك، فإن فقدان خمسة آلاف نخلة لا يعني خسارة محصول موسم واحد فقط، بل خسارة استثمار استغرق سنوات طويلة حتى يبلغ مرحلة الإنتاج الكامل، ما يجعل التعافي من مثل هذه الكوارث عملية معقدة ومكلفة.

حرائق تتكرر.. والسيناريو نفسه

لا تعد مأساة سرقد الأولى من نوعها في الولاية الشمالية. فقد شهدت مناطق عدة خلال السنوات الماضية حرائق متكررة التهمت آلاف الأشجار والمزارع، خصوصاً خلال أشهر الصيف ومواسم الرياح القوية.

ويربط مختصون تكرار هذه الحوادث بعدة عوامل، من بينها الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وانتشار الحشائش الجافة بين المزارع، وضعف إمكانات الإطفاء في المناطق الريفية، فضلاً عن تأخر وصول فرق الدفاع المدني إلى بعض الجزر والمناطق النائية.

وفي كثير من الحالات، يتحول حريق محدود إلى كارثة واسعة بسبب طبيعة بساتين النخيل المتلاصقة، حيث تنتقل النيران بسرعة كبيرة بين الأشجار الجافة وسعف النخيل.

حكومة الولاية تتعهد بالدعم

وخلال تفقده موقع الحريق، أعلن ممثل والي الولاية الشمالية ومدير عام وزارة البنى التحتية المكلف، المهندس محمد سيد أحمد فقيري، التزام حكومة الولاية بتوفير عربة إطفاء لوحدة عبري الإدارية، إلى جانب تدريب الشباب على أساليب الاستجابة الأولية والوقاية من الحرائق.

وأكد المسؤول الحكومي أن السلطات شرعت في إعداد دراسة لحصر وتقدير حجم الخسائر تمهيداً لتقديم الدعم للمتضررين، في خطوة يأمل السكان أن تتجاوز التعهدات السابقة التي غالباً ما اصطدمت بمحدودية الموارد.

خسائر تتجاوز الأرقام

ورغم أن الإحصاءات الأولية تتحدث عن خمسة آلاف نخلة، فإن سكان المنطقة يرون أن الخسارة الحقيقية أكبر من ذلك بكثير.

فكل نخلة تمثل سنوات من العمل والرعاية، وكل مزرعة محترقة تعني دخلاً مفقوداً لأسرة بأكملها. كما أن تضرر شبكات المياه والكهرباء يضيف أعباء جديدة على قرى تعاني أصلاً من تحديات اقتصادية وخدمية متفاقمة.

وفي ظل الحرب التي أرهقت الاقتصاد السوداني وأضعفت قدرات المؤسسات الحكومية، تبدو الكوارث الزراعية المحلية أكثر قسوة من أي وقت مضى، إذ يجد المزارعون أنفسهم في مواجهة الخسائر بموارد محدودة ودعم بطيء.

ما بعد الحريق

في سرقد، انتهت ألسنة اللهب، لكن آثارها ستبقى لسنوات. فالأشجار التي احترقت لن تعود سريعاً، والمزارعون الذين فقدوا مصدر دخلهم سيحتاجون إلى وقت طويل لاستعادة ما فقدوه.

وبينما تتواصل عمليات حصر الأضرار، يطرح الحريق سؤالاً أوسع حول مستقبل القطاع الزراعي في الولاية الشمالية، ومدى جاهزية السلطات المحلية لمواجهة حرائق باتت تتكرر بصورة مقلقة، مهددةً أحد أهم الموارد الاقتصادية والاجتماعية في شمال السودان.

هناك، على ضفاف النيل، لا يحصي الناس عدد الأشجار التي احترقت فقط، بل يحصون أيضاً سنوات من العمر والعمل والذاكرة التهمتها النار في يوم واحد.