
نازحو النيل الأزرق غارقون في أمطار “خريف السودان”
عثمان الأسباط، صحفي سوداني – يستقبل آلاف النازحين في ولاية النيل الأزرق فصل الخريف وسط أوضاع صعبة وقاسية، إذ تعيش الأسر في مواقع تجمعات غير رسمية ومناطق مفتوحة، وكذلك في مساكن طارئة مثل الخيام الموقتة التي لا تتحمل ظروف التقلبات المناخية وتتضرر باستمرار في مواسم الأمطار، فضلاً عن الحاجة لمطالب يومية من الغذاء والدواء ووسائل التدفئة.
وفي ظل تصاعد وتيرة المعارك بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” وحليفتها الحركة الشعبية شمال في الإقليم، يستمر تدفق النازحين بصورة جماعية من محليات الكرمك وباو وقيسان نحو الدمازين التي تتحمل وحدها العبء الأكبر باستقبال نحو 31035 نازحاً، وفقاً لإحصاءات منظمة الهجرة الدولية.
أوضاع كارثية
يقول سراج الطيب، وهو أحد النازحين في منطقة الروصيرص إنهم “تغلبوا على الظروف العادية، على رغم تفاقم الأزمات، لكن مع هطول الأمطار وزيادة معدلاتها المتوقعة، يصبح كل شيء على حافة الخطر، بخاصة في ظل وجود مئات الأسر تحت ظلال الأشجار، وآخرون لا يزالون في العراء نتيجة عدم توافر مواد الإيواء”.
وأضاف النازح السوداني أن “غالبية المساكن تصنع من مواد آوية موقتة، وهي عبارة عن منازل القش (القطاطي)، والخيام وبيوت جولات الخيش وفروع الأشجار، ومن ثم لا تستطيع مقاومة الظروف المناخية القاسية خلال فترة طويلة، وتنهار مع أول عواصف مطرية”.
ونوه الطيب بضرورة “توفير معونات إغاثية عاجلة تشمل مواد غذائية وأدوية ومشمعات وناموسيات، نظراً إلى وجود نساء ورجال يعانون أمراضاً مزمنة وسوء تغذية، في وقت تفتقر فيه مراكز الإيواء للعيادات الدائمة لمتابعة الحالات الحرجة”.
أزمات متعددة
من جانبه أشار إبراهيم حامد، أحد النازحين بمنطقة التضامن إلى أن “الآلاف في حاجة ماسة إلى المأوى والغذاء والإمدادات الطبية بصورة عاجلة، خصوصاً بعد دخول العشرات في حالات من الإعياء التام استدعت نقلهم فوراً إلى المراكز الصحية لتلقي الإسعافات والعلاج”.
ولفت النازح إلى أن “المئات يعيشون بلا خيام، ولا يزال هناك نازحون في العراء نتيجة عدم توافر مواد الإيواء وهم الأكثر عرضة للإصابة بالأمراض في هذه الأيام، ومع استمرار تدفقات الفارين من جحيم القتال فإن الوضع يتطلب حلولاً عاجلة وجهوداً دولية ولا يحتمل التأخير”.
ويرى حامد أن “تدخلات المنظمات الوطنية لا تلبي حاجات النازحين الجدد الذين يفتقرون إلى أدنى مقومات الحياة من غذاء وعلاج، فضلاً عن أدوات الطبخ والملابس والصابون ومواد الصرف الصحي، إلى جانب الدعم النفسي”.
ظروف قاسية
في السياق أوضح عضو مبادرة المجتمع المدني بولاية النيل الأزرق علي هجو أن “أكثر من 150 ألف شخص نزحوا من المحافظات الجنوبية بالإقليم إلى مدن الدمازين والروصيرص وقنيص شرق وود الماحي ومناطق أخرى، نتيجة استمرار المعارك في مناطقهم”.
ونوه عضو مبادرة المجتمع المدني بأن “آلاف النازحين من محلية قيسان والقرى المجاورة إلى الحدود الإثيوبية يواجهون ظروفاً إنسانية بالغة القسوة في ظل نقص الغذاء والدواء ومياه الشرب، وكذلك دخول فصل الخريف”.
ويؤكد هجو أن “النازحين يفترشون العراء، ويواجه الأطفال والنساء ظروفاً بالغة التعقيد، بخاصة في ظل غياب المساعدات ونقص الغذاء والمياه والرعاية الصحية”.
وحث عضو مبادرة المجتمع المدني المجتمعين الدولي والإقليمي على العمل من أجل الضغط الجاد على أطراف الحرب، للتوصل إلى “وقف فوري لإطلاق النار أو إقرار هدنة إنسانية عاجلة وشاملة تتيح إيصال المساعدات الإنسانية إلى المتضررين وتخفف من معاناة المدنيين”.
حاجات ماسة
من جانبه، كشف وزير الصحة بالإقليم جمال ناصر عن أن “الوضع في النيل الأزرق يتطلب تدخلاً فورياً لتقديم المساعدات اللازمة للنازحين وعلى رأسها الخدمات الصحية، وأن الحاجات الماسة والإيوائية تفوق طاقة حكومة الإقليم”.
وطالب الوزير المنظمات الدولية والإقليمية والوطنية بتدخلات عاجلة لتوفير مطلوبات متكاملة لإيواء للنازحين مع دخول موسم الأمطار، مبيناً أن “الهجمات والاشتباكات، وبخاصة في الكرمك الاستراتيجية، اضطرت السكان إلى إخلاء مناطقهم وقراهم خوفاً من انتهاكات الميليشيات المتمردة”.
وأوضح ناصر أن “الإقليم يستضيف 10 معسكرات للنازحين حول مدينة الدمازين قبل أحداث الكرمك، إلى جانب فارين سابقين من الحرب في ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار، ونازحين قدامى منذ حروب السنوات السابقة بالمناطق الغربية، بمن فيهم عائدون ضمن برامج العودة الطوعية من دول الجوار بكل من إثيوبيا وجنوب السودان”.
غياب الحماية
على صعيد متصل كشفت منظمة الهجرة الدولية عن إقامة 72 في المئة من النازحين الجدد في إقليم النيل الأزرق بمواقع تجمعات غير رسمية ومناطق مفتوحة، وأشارت إلى أن “الأشخاص المقيمون في مواقع التجمع غير الرسمية يفتقرون إلى الحماية والقرب من مصادر المياه ومرافق الرعاية الصحية، مما يعرض النساء والفتيات لمخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي والاستغلال، بخاصة أنهن يشكلن 53 في المئة من النازحين.
ولفتت المنظمة الدولية إلى أن “24 في المئة من النازحين تتراوح أعمارهم بين ست سنوات و17 سنة، و53 في المئة بين 18 و59 سنة، فيما تبلغ نسبة الأطفال دون السادسة 12 في المئة”.
جوع ووفيات
على نحو متصل حذر المتطوع في معسكرات النازحين بولاية النيل الأزرق حسن عبود من أن “الجوع يداهم سكان مراكز الإيواء الذين يعيشون ظروفاً في غاية الصعوبة في ظل شح المواد الغذائية وارتفاع أسعارها بصورة جنونية، وسط مخاوف من تزايد تفشي الأوبئة الفتاكة مع تواصل فصل الخريف”.
وأضاف المتطوع أن “معظم الأسر باتت تكتفي بوجبة واحدة في اليوم، الأمر الذي أدى إلى بلوغ حالات سوء التغذية مستويات غير مسبوقة، وحدثت وفيات لأطفال ومرضعات وحوامل، إضافة إلى مسنين ومرضى”.
وأردف عبود “هناك عدد من النازحين اضطروا لمغادرة المدارس والمباني التي تعاني تشققات وتصدعات خطرة خشية انهيارها، ومن ثم فإن هطول الأمطار بغزارة خلال الأيام المقبلة يجبرهم على البقاء في العراء، مما يفاقم من معاناتهم”.
نزوح متزايد
ومع توسع المواجهات ارتفعت أعداد النازحين في إقليم النيل الأزرق بنسبة 21 في المئة عن مايو (أيار) الماضي، إذ بلغ عددهم، وفق منظمة الهجرة الدولية نحو 59742 شخصاً خلال الفترة من الـ11 من يناير (كانون الثاني) الماضي إلى الـ21 من مايو (أيار)، نصفهم من الأطفال دون الـ18، بينما تمثل النساء نسبة 53 في المئة مقابل 47 في المئة من الرجال.
وأوضحت المنظمة أن 30025 نازحاً فروا من مناطق بمحليات الكرمك، و19507 من محلية باو، و10210 من محلية قيسان، وتوزعوا على سبع محليات داخل الولاية، بينما استقبلت محلية الدمازين 31035 نازحاً.
عثمان الأسباط – اندبندنت عربية
