خرطوم الحرب تنبش موتاها.. 200 رفاة تغادر “ميدان المايقوما”

الخرطوم، الغد السوداني – في مشهد يلخص الكلفة الإنسانية الثقيلة للحرب السودانية، بدأت السلطات في ولاية الخرطوم إزالة المقابر الاضطرارية التي انتشرت داخل الأحياء والأسواق والساحات العامة، بعد أشهر طويلة دفن خلالها السكان موتاهم على عجل تحت القصف وانهيار الخدمات.

وكشفت محلية الخرطوم، الثلاثاء، عن اكتمال نبش ونقل 200 رفاة جرى دفنها اضطرارياً في ميدان حي المايقوما بمنطقة الديوم الشرقية، في واحدة من أكثر العمليات حساسية منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

وبحسب ما أوردته وكالة الأنباء الرسمية «سونا»، فإن لجنة نبش ونقل رفاة الحرب بالمحلية، بالتنسيق مع إدارة الطب العدلي، بدأت أعمالها منذ الثامن من ديسمبر 2025، مستهدفة المقابر المؤقتة التي ظهرت داخل الأحياء السكنية والمرافق العامة خلال ذروة المعارك والانهيار الأمني.

وقالت اللجنة إن عمليات الحصر كشفت وجود 2023 قبراً اضطرارياً داخل الأحياء والأسواق والمرافق العامة بمحلية الخرطوم وحدها، تم حتى الآن نقل 631 منها إلى المقابر الرئيسة، فيما تولت إدارة الطب العدلي نقل نحو 10 آلاف قبر شرق جامعة أفريقيا إلى مواقع الدفن النهائية.

وخلال زيارة ميدانية إلى موقع العمل، وقف المدير التنفيذي لمحلية الخرطوم عبد المنعم البشير على سير عمليات نقل الرفات، مؤكداً استمرار الحملة بعد عطلة عيد الأضحى بهدف استكمال إزالة المقابر الاضطرارية قبل حلول فصل الخريف، الذي يهدد بتفاقم الأوضاع الصحية والبيئية في العاصمة.

وتقول السلطات إن عمليات النبش وإعادة الدفن جرت وفق إجراءات قانونية شملت فتح بلاغات رسمية، وإخطار ذوي المتوفين بمواعيد إعادة النبش، إضافة إلى تخصيص مقابر لمجهولي الهوية الذين سقطوا خلال الحرب ولم يتم التعرف إليهم.

وخلفت الحرب السودانية، التي اندلعت في أبريل 2023، مشاهد غير مسبوقة داخل الخرطوم، حيث اضطر سكان إلى دفن أقاربهم في الحدائق والساحات ومحيط المنازل بعد تعذر الوصول إلى المقابر الرسمية بسبب الاشتباكات وانهيار خدمات النقل والإسعاف.

ويقول مراقبون إن انتشار المقابر الاضطرارية داخل العاصمة يعكس عمق الانهيار الإنساني الذي عاشته المدينة خلال شهور الحرب، خصوصاً مع تعطل المستشفيات وخروج أجزاء واسعة من الخرطوم عن الخدمة.

وترى السلطات المحلية أن إزالة آثار الدفن العشوائي تمثل جزءاً من خطة أوسع لتهيئة البيئة المناسبة لعودة المواطنين إلى الخرطوم، بعد موجات نزوح ضخمة دفعت ملايين السودانيين إلى مغادرة منازلهم.

لكن بالنسبة لكثير من السكان، فإن مشاهد نبش القبور ونقل الرفات تعيد فتح جراح الحرب مجدداً، وتقدم تذكيراً قاسياً بحجم المأساة التي عاشتها العاصمة السودانية، حيث تحولت الميادين العامة ذات يوم إلى مقابر مؤقتة تحت نيران المعارك.