سرديات..

قالوا ما كان لقريشٍ حظٌ في الشعر إلى أن ظهر هو:

 

لذيذُ الخداع؛

عنيفٌ، ناعمُ القسوة..

ظريفٌ، طريفُ النزق..

ميرٌ في العشق والشعر..

 

هذا شاعر قريش ابن أبي ربيعة..

 

ثم..

كان مَن شهد له العالم الاسلامي بحسن تأويله لآيات محكم التنزيل:

 

ما سمعتُ شيئا قط؛ إلا رويتُه؛ وإني لأسمع صوتَ النائحةِ فأسدُّ أذني كراهةَ أن أحفظَ ما تقول!

 

هذا حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عم رسولنا الكريم؛ عبد الله بن عباس بن عبد المطلب* رضي الله عنهما يحدثنا عن قدرته على الاستيعاب ورويِّ ما يسمع..

 

 

وعنهما انساب الحديثُ زيزفوناً؛ عطراً وزهرا..

 

كفَرَ عليٌّ بالتحكيم؛ وابن ملجم محقٌّ في قتله..

 

هكذا نادى *الخوارج* حين قبِل رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب*؛ كرّم الله وجهه؛ بالتحكيم..

و ابن ملجم هو القاتل..

 

والامام المحتضِر (كرم الله وجهه) يقول لابنه الحسن:

 

أرفق يا ولدي بأسيرك (ويقصد قاتِلَه ابن الملجم) ، وارحمه واحسن اليه؛ اطعمه مما تأكله؛ واسقه مما تشرب؛ ولا تمثُل بالرجل فإني سمعت جدك رسول الله يقول:

إياكم و *المثلة* ولو بالكلب العقور..

والمُثْلَة؛ وتجمع مُثُلات ومُثْلات؛ تعني التنكيل بجدع الأنف او قطع الأذن!..فتأمل يا رعاك الله.

 

ثم كان زعيم الخوارج الأزارقة..

نافع بن الأزرق -وهو زعيم الخوارج الأزارقة- يقطع على ظهر دابته الصحراء العربية من العراق إلى مجلس عبد الله بن عباس في المدينة؛ ليسأله عن الحلال والحرام..سؤال يستولد سؤالاً..وابن عباس لا يكل ولا يمل..يجيبه عما يسأل..ولكن الخارجي يطلب المزيد ولا يتوقف عن السؤال؛ حتى أصاب ابن عباس الضجر والملل؛ وفي الأثناء يدخل مجلسه شاب منعّم..

هو شاعر قريش وفتاها..

قالت العرب ما لقريش حظ في الشعر حتى ظهر هو:

لذيذ الخداع؛

عنيف، ناعم القسوة؛

ظريف، طريف النزق؛

أمير في العشق والشعر..

 

هذا أمير شعر الغزل في العصر الأموي عمر بن ابي ربيعة..

 

يأخذ الفتى الشاعر مقعده بجانب ابن عباس؛ فيسأله هذا عن جديد ما قال من شعر..فيسمعه رائيتَه:

 

أمِن آلِ نُعْمٍ أنت غادٍ فمُبْكِرُ؛

غداةَ غدٍ أم رائحٌ فمُهَجِّرُ..

 

نمنمةُ القوافي تنال هوىً في نفس حَبْرِ الأمة، فيستزيده حتى اكمل الشاعر قصيدتَه..

 

هنا يشتاط الخارجي نافع بن الأزرق  غضباً:

 

يا ابن عباس؛

إنّا نضرِبُ أكباد الإبل (اي نقطع الفيافي والمفاوز) من أقاصي البلاد؛ نسألك عن الحلال والحرام؛ فتتثاقل عنا (أي تتوانى وتتباطأ عنا) ويأتيك غلامٌ قريشيٌّ مترَف؛ فتترك حديثَنا وتذهب إلى سفَهِ الكلام؟

قال ابن عباس: ما رأيت سفها فيما يقول الفتى!

الخارجي يرغي ويزبد فيسأل:

ألم يقل:

رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت فيخزى وأما بالعشي فيخسر؟..

 

يجيبه ابن عباس ما هكذا قال تالله..

الخارجي يسأل:

ماذا قال إذن؟

فيجيبه ابن عباس إنه يقول:

رات رجلا أما إذا الشمس عارضت

فيضحى وأما بالعشي  فيخصر..

 

الفرق بين ما ذهب اليه الخارجي والروي الصحيح؛ واضح..فالشاعر يعتد بنفسه ويقول على لسان فتاة؛ إنها رأت رجلا لا توقفه حرارة الشمس (أضحى أي برزت الشمس) ولا شدة البرودة (الفعل يخصر يعني يبرد) عن نيل مبتغاه..الخارحي يفهم المقصود، فيقول لابن عباس:

ما اراك إلا وقد حفظت البيت..

ابن عباس يرد عليه:

أجل؛ وإن شئت أن أنشدك القصيدةَ أنشدتُك إياها..

قال الخارجي: إني أشاء..

فأنشده القصيدةَ، التي سمعها لأول مرة؛ حتى أتى على آخرها..

فقال الخارجي:

ما رأينا أذكى منك!

فيرد عليه ابن عباس:

أما أنا؛ فلم أر أذكى من *علي بن أبي طالب  ولا أروى من عمر بن الخطاب!

 

رائية  عمر بن أبي ربيعة تعد من عيون شعر الغزل الحواري..

 

يستهل الشاعر قصيدتَه بذكر ملهمته نُعْم  وسؤالِ نفسه أمنصرفٌ عنها يوماً؟ ويذكر حاجته إليها وعجزه عن الصبر على لقائها..

 

احداث القصيدة الحوارية تقع في عتمة الليل بين أهلها إذ لم يستطع الشاعر مقابلتها لفترة طويلة..قافلة أهل الملهمة تعبر الصحراء العربية..في ليلة ما؛ في وسط الظلام والأهل نائمون؛ يتسلل الشاعر إلى مضارب القوم..ولكنه لا يدري مكان خبائها!

قلب الشاعر الولهان وعطر المحبوبة يدلانه على مكان الخباء..فيدخل..

الخوف يشل حركة المحبوبة..تخاف عليه من قومها..يهديء من روعها..ثم يتناجيان لساعات وساعات.. ثم أتت ساعة رحيل القوم..حادي ركب القوم يوقظ النائمين استعدادا للرحيل..هنا المشهد يبلغ ذروته..الحوار بين العاشق والمعشوق يتواصل حول الخروج من المأزق..تستشير المحبوبة أختيها لكي تساعدانها ..يتفقن على ان لا مخرج له إلا بتخفِّيه في ثياب إحداهن..فيفعل..فيرافقنه إلى أطراف مضارب القوم حتى يتمكن من الهروب دون أن يشعر بوجوده أحد..

 

وفي ذلك يقول:

 

فكان مجنّي دون مَن كنتُ أتَّقي؛

ثلاثُ شخوصٍ: كاعبان ومعصر..

 

And my shield against the one I dreaded to meet became;

 

Three figures: two fully fledged women and a young girl..

 

و  المجن هو الترس وفي قولنا: فلان قلب له ظهر المجن أي فلان انقلب ضد فلان وعاداه بعد مودة..والشاعر يقول إنه استتر من الرقباء بثلاث نسوة: كاعبان ومعصر؛ والكاعب المرأة التي نهِد ثديُها والمُعصِر هي التي دخلت في عصر الشباب!

شيء عجيب!

 

من حيث التحليل يمكن تقسيم هذه المسرحية الشعرية المكونة من خمسة وسبعين بيتاً إلى ثلاثة فصول:

 

الفصل الأول يبلغنا الشاعر فيه أنه الفتى المعشوق وليس العاشق..وهذا اعتداد بالنفس لحد بعيد ..ولكن لا غرو في ذلك؛ فالشاعر من أكبر قبائل قريش من حيث الثراء والمكانة الاجتماعية إلى جانب وسامته..يتحدث الشاعر هنا عن نيته على ترك ملهمته نُعْم؛ ويوضح مدى تعلقه بها..في الحوار بين العاشق والمعشوق نرى أن عدوى التحرر الدونجواني تنتقل من الشاعر إلى المرأة المتغزل بها؛ وهو الامر الذي يزيد من مخاوف أنصار القيم السائدة، من هذا الغازي المتمرد على القيم والقواعد الاجتماعية المرعية؛ كالعفة والشرف والثبات في العاطفة..

 

في الفصل الثاني من المسرحية يطلق الشاعر العنان لخياله فيحدثنا عن مغامراته الصبيانية المتخيلة وتجواله من بلد لآخر .. يحدثنا عن هيامه بفتاته وحواره معها في دور المعشوق لا العاشق..-وجه الشبه؛ بين الحوار هنا والقصة الشعرية لامرؤ القيس في معلقته؛ ظاهر:

قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل..

 

الفصل الأخير من المسرحية الشعرية والذي يتحدث فيه الشاعر عن ناقته؛ يتميز بلغة حوشية متقعرة؛ لم تالفها الأذن في العصر الأموي؛ وكأننا بالشاعر يريد أن يشير إلى قدرته على قول السهل من الكلام العذب كما في ابيات الفصلين الاول والثاني من مسرحيته؛ وعلى المامه بالحوشي من كلام أسلافه السابقين..

 

كان من الممكن بالطبع الاستشهاد ببعض ابيات من القصيدة لبيان قوة الحوار الشعري لدى ابن أبي ربيعة ولكن حالت دون ذلك؛ الخشية من الإطالة والملل..

 

عموماً تبقى رائية عمر بن أبي ربيعة مثالا رائعا للقصة الشعرية في العصر الأموي؛ مع اتفاق النقاد والشراح على أن الشاعر كان فاضحاً في غزله؛ حتى أنهم قالوا إنه في شيخوخته، كان يتحسر على شبابه السعيد العامر بكل الملذات والسرور..وقالوا إنه *كان يعتق رقبة كلما ثار فيه شيطان الغزل.

 

وهذا ما يجعلنا نتساءل : هل كان ابن ابي ربيعة فاسقاً في جبة قديس؟

 

لا أدري!

 

قبل أيام سعدت جدا بحديث شائق مع الأستاذ محمد محيسي؛ الموجود حاليا في هيوستن؛ حول القصة الشعرية كما صورها أبو الوأواء الدمشقي في رائعته:

وأسبلت لؤلؤا من نرجس وسقت وردا..

 

كان الأستاذ محيسي يشير؛ من وقت لآخر ؛ أثناء حديثه الماتع؛ إلى رائية (بن أبي ربيعة) كنموذج آخر، لجمال الشعر الحواري لدى العرب..ولولا تلك الاشارات والاضاءات الذكية، في حديث الأستاذ محيسي؛ لما كانت هذه السردية.. فللأستاذ محمد محيسي الشكر الجزيل على ثرائه المعرفي الذي أفادني كثيراً..

 

بعد حديثي معه تراءت لي في بداية الأمر؛ إمكانية المقارنة بين رائية ابن أبي ربيعة وقصيدة (قصة من ام درمان)  لشاعرنا الراحل الجميل صلاح أحمد ابراهيم؛ إلا أني؛ خشية الإطالة؛ آثرت أن افرد مقالا لقصيدة صلاح في مقبل الأيام؛ إن كانت في العمر بقية؛ واكتفي هنا بايراد ما كان بين حَبر الأمة وزعيم الخوارج الأزارقة وجانب من الغزل الحواري ممثلا برائية ابن ابي ربيعة…