في السودان متطوعون يعملون على حفظ كرامة الموتى وسط وحشية الحرب

الخرطوم ، وكالات – في جدول بيانات ضخم، جمع علي جباي معلومات عن آلاف القتلى المجهولين جراء الحرب في السودان، مع صورهم ومواقع المقابر، في مهمة شاقة ومؤلمة، على أمل أن تجد العائلات المكلومة ذويها المفقودين يوما ما.ويقول جباي الذي يعمل مهندسا في الأصل، لوكالة فرانس برس، “نقوم بتصوير كل جثة ونبحث في جيوب الملابس عمّا قد يدل على هويتهم (القتلى). وعند الدفن، نضع علامة واضحة على كل قبر”.

 

قبل الدفن، ينتظر جباي 72 ساعة بعد أن ينشر صور القتلى على مواقع التواصل الاجتماعي عسى أن يتعرف عليهم أحد.

 

وأسفرت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع التي دخلت عامها الرابع، عن مقتل عشرات الآلاف، بالإضافة الى 11 ألف مفقود، وفقا لبيانات اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

 

ويقول نائب رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر في السودان خوسيه لويس بوزو جيل لوكالة فرانس برس “هذه التقديرات محبطة. لا يمكن تجاهل الصدمة وتأثيرها” على شعب “لا يعرف ماذا يحصل”.

 

ويروي علي جباي الذي دفن مع فريقه 7000 شخص، أن الجثث ملأت شوارع الخرطوم عند اشتداد المعارك. ويقول “خفنا أن تتعفّن” في العراء، فبدأ هذا العمل التطوعي “من أجل مجهولي الهوية”.

 

في غرفة المستشفى الصغيرة التي لا يبردها سوى جهاز تكييف والتي يستخدمها جباي كمشرحة، مُدّد جثمان امرأة على الأرض وقد غطّى ثوبها البني وجهها وجسمها.

 

في حال لم يتعرّف عليها أحد، سيتولى فريق المتطوعين تكفينها ودفنها في مكان قريب.

 

مرافق مدمرة

ولا توجد حصيلة دقيقة لضحايا الحرب، بسبب صعوبة الحركة وتوثيق البيانات. غير أن عاملي الإغاثة يقدّرون حصيلة أربع سنوات من الحرب الطاحنة بنحو مئتي ألف قتيل.

ولا توجد في أنحاء السودان مرافق للاحتفاظ بالموتى ولا وسيلة دقيقة لتعدادهم.

وكثيرا ما اضطر المسعفون، أثناء المعارك الأشدّ عنفا أو قصف المرافق كالمدارس والمستشفيات، إلى دفن القتلى بملابسهم أو في أكياس بلاستيكية، لعدم وجود أكفان كافية.

وقُتل كثيرون في قرى تفتقر إلى المرافق الطبية أو المشارح أو حتى السجلات الرسمية.

ويقول مدير الطب العدلي في وزارة الصحة هشام زين العابدين إن مشارح العاصمة كانت ممتلئة حتى قبل الحرب. وخرجت هذه المشارح من الخدمة بعد اندلاع الحرب، وفقا للجنة الدولية للصليب الأحمر.

ويروي جيل “عندما دخلنا مشرحة أم درمان، كان هناك الكثير من الجثث. وكانت الكهرباء مقطوعة منذ وقت طويل. يمكنك أن تتخيل الوضع”.

ويقول زين العابدين الذي زار المشرحة بعدما طرد الجيش قوات الدعم السريع من المنطقة إنها كانت “منهوبة ومدمّرة بالكامل”، وتُركت الجثث فيها لتتحلل.

ويركّز عمل الفريق الذي يشرف عليه زين العابدين على استخراج الجثث الملقاة “في الشوارع وفي مجاري المياه ونهر النيل” لتقليل المخاطر الصحية.

وبسبب الاشتباكات المستمرة والحصار وطلقات الرصاص والمدفعية الآتية من كل جانب، اضطرت آلاف العائلات لدفن موتاها في قبور مؤقتة وضحلة أمام المنازل وفي الساحات، ما حوّل الخرطوم إلى مقبرة مفتوحة.

ويقول زين العابدين “هذا يترك أثرا في المجتمع؛ فهو يحط من كرامة الإنسان ويطَبّع الموت”.

ولا يختلف الوضع في باقي أنحاء السودان بل قد يكون أكثر سوءا. ففي إقليم دارفور مثلا يمكن رؤية آثار أعمال القتل وبرك الدماء في صور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية. وفي ولاية الجزيرة، ألقيت الجثث في قنوات الري، فيما لا تكف المسيّرات عن حصد أرواح الناس في كردفان.

 

البحث عن المفقودين

ومنذ أعلن الجيش السيطرة على الخرطوم قبل عام، استخرجت السلطات “نحو 28 ألف جثة” كانت دفنت في مقابر مؤقتة، وفقا لزين العابدين.

 

وقد تعرّفت عائلات على جثث أبنائها، لكن عددا كبيرا من الجثث ظّل مجهول الهوية. وتحتفط السلطات بعينات من الشعر أو العظام على أمل أن يتمّ التعرّف عليهم في ما بعد، علما أنه لا توجد مختبرات لتحليل الحمض النووي في السودان حاليا.

ويقول جيل “نُدرك أن المصير المجهول للضحايا يترك جرحا مفتوحا لدى ذويهم. ولا بدّ من معالجة قضية المفقودين من أجل التعافي في المستقبل”.

ويبدي علي جباي صلابة وهو يقوم بعمله، لكن التأثر سرعان ما يطغى على ملامحه حين يذكر شابا ظلّ يبحث لأكثر من عام عن أبيه وعمه، وكيف انهار حين أبلغ بمقتلهما في الشارع في أول أيام الحرب.

لكن، على الأقل، بات بإمكان هذا الشاب أن يزور قبر أبيه الآن.

المصدر:فرانس برس