جبال النوبة.. تحالفات متغيرة وحياة تحت القصف

الغد السوداني ،وكالات – في جبال النوبة بجنوب كردفان تتداخل الحرب مع النزوح والتحالفات العسكرية المتغيرة، ما يخلق واقعًا إنسانيًا معقدًا تتشابك فيه الجغرافيا بالصراع والسياسة والاحتياجات الإنسانية في ظل غياب الاستقرار وتفاقم الأزمات.
جلس حسن كوكو على سريرٍ خشبيٍّ بسيط أمام تلال جبال النوبة في جنوب كردفان، السودان. وعلى الرغم من هدوء المكان، لا يخفي مظهره حالة التوتر التي يعيشها.
في 29 نوفمبر/شباط، كان عاملُ الصحة المجتمعية، البالغ من العمر خمسين عامًا، قد أنهى لتوّه دورةً تدريبية وجلس يحتسي كوبًا من الشاي المُحلّى. غير أن لحظة الهدوء تلك لم تدم طويلًا؛ إذ ظهرت فجأةً طائرةٌ مُسيّرة في الأجواء، وما إن نفّذت غارتها حتى أسفرت عن مقتل عدد من زملاء كوكو.
يروي كوكو ما حدث قائلًا إن الطائرة المُسيّرة ضربت مرةً واحدة، ثم عادت من جديد، مستهدفةً الأشخاص الذين كانوا قد أُصيبوا بالفعل.
ورغم نجاته من الهجوم، فإن آثاره تركت ندوبًا عميقة، لا سيما على جسده. وبعد مرور ثلاثة أشهر، يشير كوكو إلى ركبته اليسرى، حيث لا يزال جسمٌ معدني حاد مغروسًا فيها، وظاهرًا بوضوح، شاهدًا دائمًا على ذلك اليوم.
ويضيف جلال: كانت عائلتي سعيدة بنجاتي، إذ كانوا يعتقدون أنني سأموت. ومع ذلك، لم تعد حياتي كما كانت من قبل. أحيانًا أذهب سيرًا على الأقدام إلى السوق القريب، لكنني في أغلب الأحيان أبقى في البيت ولا أخرج.
تحالف متغيّر باستمرار

على مدى عقود، تعرضت جبال النوبة، التي تسيطر عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، لهجمات عنيفة ومتكررة من القوات المسلحة السودانية. ويعود الصراع الحالي إلى عام 2011، عندما تصاعد القتال عقب استبعاد المنطقة من الاتفاق السياسي الذي مهّد لاستقلال جنوب السودان، ما فاقم المظالم التاريخية لدى سكان النوبة.
يضم إقليم جبال النوبة أكثر من 50 جماعة عرقية. وفي عام 2011، تأسست الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال للدفاع عن مطالب سكان المنطقة بالحكم الذاتي.
غير أن فبراير/شباط 2025 مثّل نقطة تحوّل بارزة. فمع تصاعد الحرب في السودان، التي اندلعت عام 2023 وأدّت إلى ما يُوصَف بأسوأ أزمة إنسانية في العالم، مع تقديرات تشير إلى أكثر من 150 ألف قتيل، قررت الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال توحيد قواها مع قوات الدعم السريع شبه العسكرية.
وأثار هذا التحالف ردود فعل واسعة، واعتبره كثيرون خطوة خطيرة ومثيرة للجدل، لا سيما أن قوات الدعم السريع، المنحدرة من مليشيات الجنجويد، كانت قد شاركت في الماضي، إلى جانب الجيش السوداني، في هجمات استهدفت مناطق النوبة. واليوم، يجد الطرفان نفسيهما مضطرين للعمل معًا بشكل وثيق.
ويقول جلال غيتاشيو بيرو، كبير محللي شؤون شرق أفريقيا في مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED)، إن هذا التحالف ينبغي فهمه بوصفه خطوة عملية تعكس تقاطع مصالح الطرفين ورغبتهما في الدفع نحو إقامة نظام فيدرالي في السودان مستقبلًا. ويضيف أن هذه المصلحة المشتركة تتمثل في هذه المرحلة، أساسًا، في مواجهة القوات المسلحة السودانية.
اكتظاظ اللاجئين الحربيين
في المدن الكبرى بجبال النوبة، أصبح وجود جنود قوات الدعم السريع أمرًا مألوفًا. يتنقلون من دون زيّ رسمي، ويجلسون بهدوء في المقاهي، ويتجولون في الأسواق المزدحمة، حيث تُعرض سلع يُعتقد أنها نُهبت مؤخرًا من مناطق مختلفة في السودان، مثل السيارات، والأسرّة، والوقود، والأسمدة، والأجهزة الإلكترونية. لكن جنود قوات الدعم السريع ليسوا وحدهم ممن وصلوا مؤخرًا إلى جبال النوبة.
ففي قرية كاودا، مقرّ الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، يجلس جلال عبد الكريم داخل مكتب حكومي بسيط، وتبدو عليه علامات التعب والقلق. ويشغل عبد الكريم منصبًا في الجناح الإنساني للحركة، المسؤول عن تنظيم شؤون النازحين فيما يُعرف بـ”المناطق المحرّرة”.
ولا يخفي عبد الكريم حجم الضغوط الكبيرة التي تواجهها الحركة. يرفع ورقةً لاصقة كتب عليها الرقم 2,885,393، موضحًا أنه يمثّل عدد النازحين الذين وصلوا إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة منذ بداية الحرب في السودان.
ويشرح أن تمويل برامج دعم النازحين يعتمد بشكل أساسي على المنظمات غير الحكومية الدولية ووكالات الأمم المتحدة، إلا أن هذه الجهات تعاني بدورها من نقص حاد في التمويل. وبعد إغلاق إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب لوكالة التنمية الدولية الأميركية (USAID) العام الماضي، لم يعد التمويل كافيًا لتأمين الغذاء والمياه والمأوى وخدمات الصرف الصحي للوافدين الجدد.
ويقول أحد مسؤولي الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال: “إذا كانت إحدى المنظمات غير الحكومية تقدم سابقًا مليون أو مليوني دولار، فإن دعمها اليوم لا يتجاوز 500 ألف أو حتى 200 ألف دولار، وهذا أحد أكبر التحديات التي نواجهها”.
وبحسب تقديرات المنظمة الدولية للهجرة، تستضيف منطقة كردفان أكثر من مليون نازح داخلي. غير أن غياب وجود فعلي للأمم المتحدة في المنطقة، إلى جانب تعليق معظم المنظمات الدولية لأنشطتها أو تقليصها بشكل كبير، يجعل هذه الأرقام غير مؤكدة بشكل كامل.
مخيمات مؤقتة في جبال النوبة
وسط تضاريس جبال النوبة الوعرة، يمتد مخيم أم دولو للاستقبال فوق أرض جافة، حيث تحوّل إلى إحدى محطات النزوح المؤقتة التي باتت، مع مرور الوقت، واقعًا دائمًا لعشرات آلاف النازحين. وتعكس الملاجئ المشيّدة من العصي والبلاستيك، وغالبًا تحت ظلال أشجار السنط، من جهةٍ ندرة الموارد، ومن جهة أخرى طبيعة النزوح القسري الممتد.
وعند الطرف البعيد من المخيم، في المنطقة 12 التي تؤوي أكثر من 34 ألف شخص، يُستقبل الوافدون الجدد، وهم في الغالب من بين الأكثر تضررًا من موجات العنف الأخيرة.
هناك، لا تسترجع فاطمة عيسى كوكو، البالغة من العمر 76 عامًا، ذكرياتها بوصفها حنينًا إلى الماضي، بل كامتداد مباشر لتجربة عنف لم تنقطع، بدأت في كادوقلي، عاصمة جنوب كردفان.
وتقول: “لم أكن أستطيع النوم. كانت أصوات الرصاص لا تتوقف طوال الليل”.
ورغم أن مخيم أم دولو وفّر لها مأوىً مؤقتًا، فإن إحساس الأمان لا يزال هشًا، خاصة بعد اختفاء إخوتها الثلاثة في ظروف غامضة.
وتضيف: “جاؤوا قبل طلوع الشمس، ولم أرَ إخوتي منذ ذلك الحين. لا أعرف من كانوا”.
تحفّظ تجاه النازحين الجدد
رغم أن سكان جبال النوبة لا يعبّرون عن ذلك صراحة، فإن حالة التوتر تبدو واضحة. فنادرًا ما تندمج قوات الدعم السريع مع المجتمع المحلي، ويبدو وجودها وكأنه يضيف طبقة جديدة من القلق إلى سنوات طويلة من الخوف وعدم الاستقرار.
كما أن دخول حليف جديد على خط الصراع، متمثلًا في التحالف بين قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، جعل المستشفيات والأسواق تبدو أهدافًا محتملة للحرب.
وبحسب جلال غيتاشيو بيرو، لا تزال تفاصيل الاتفاق العسكري بين الطرفين غير واضحة، رغم تقارير تفيد بأن قوات الدعم السريع أنشأت معسكرات تدريب داخل مناطق سيطرة الحركة.
ومع ذلك، لا تبدو بيرو مقتنعة باستدامة هذا التحالف، مشيرةً إلى تبادل الاتهامات بين الطرفين بعد فك الحصار عن كادوقلي في وقت سابق من هذا العام.
“أريد أن أعيش في جبال النوبة إلى الأبد”
في مستشفى أم الرحمة، أكبر منشأة صحية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحركة الشعبية – شمال، نقل ثلاثة جنود جرحى من قوات الدعم السريع أسرّتهم إلى خارج المبنى هربًا من الحر.
ويقول حسن حميد، أحد مقاتلي قوات الدعم السريع:
“نحن نقاتل لأن الحكومة في السودان لا تقوم بما يكفي. لا توجد مستشفيات كافية، ولا بنية تحتية، ولا مدارس”.
ويضيف: “أريد أن أبقى هنا. أريد أن أعيش في جبال النوبة إلى الأبد

المصدر : DW