بين طموح “المالية” وتحذيرات الخبراء.. هل تنجح “روشتة” التعافي في إنعاش المعاش

الخرطوم ، الغد السوداني ، أمين محمد الأمين  – أكد خبراء وأكاديميون في الاقتصاد أن خطة التعافي الاقتصادي ومبادرة “إحلال الواردات” تمثل ركيزة أساسية لإعادة الإعمار، موضحين أن نجاح هذه الخطوة مرهون بـ”تصفير البيروقراطية” وتقديم حوافز حقيقية للمنتج الوطني، مع ضرورة الانتقال من تصدير المواد الخام إلى مرحلة “القيمة المضافة”. وأشاروا إلى أن استعادة الثقة في الاقتصاد تتطلب حزمة عاجلة من الضمانات، تشمل التمويل الميسر وتسهيل الإجراءات الجمركية، لضمان استدامة الإنتاج وتحسين ميزان المدفوعات في ظل الظروف الراهنة.

 

حلول عاجلة

وكان وزير المالية السوداني د. جبريل إبراهيم قد ترأس الاجتماع التأسيسي لفريق العمل المكلف بوضع حلول عاجلة لملف الصادرات والواردات، مشدداً على أن الهدف هو تحويل التحديات إلى فرص عبر خطة عملية ترتكز على أربعة محاور رئيسية هي: زيادة الإنتاج وإضافة قيمة مضافة للصادرات، ترشيد الواردات وإحلالها بمنتجات محلية، تسهيل حركة الصادر ومعالجة عوائقه، وفتح أسواق جديدة للمواد الخام بعد تصنيعها. كما وجه الوزير بضرورة التواصل الفعال مع القطاع الخاص وتكثيف الجهود لضبط المعابر وتنظيم تجارة الحدود بما يخدم الاقتصاد الوطني في مرحلة التعافي.

خطوة محورية

تضع عميدة كلية الاقتصاد بجامعة السودان العالمية الدكتورة ماجدة مصطفى صادق، القرارات الحكومية الأخيرة في إطار “المسار التصحيحي” للاقتصاد الوطني؛ معتبرة أنها تمثل خطوة محورية لمعالجة الاختلالات الهيكلية المزمنة في قطاع التجارة الخارجية، لاسيما في ظل ضعف الإنتاج المحلي والاعتماد المفرط على الواردات، مقابل صادرات محدودة تفتقر للقيمة المضافة.

اقتصاد إنتاجي
وترى د. ماجدة أن هذه القرارات تعكس توجهاً جاداً للتحول نحو اقتصاد إنتاجي قادر على الاندماج في “سلاسل القيمة” العالمية، عبر تعظيم العائد الاقتصادي للصادرات بدلاً من الاكتفاء بتصديرها كمواد خام. وتوضح أن استراتيجية “إحلال الواردات” المعلنة تهدف في جوهرها إلى تقليل الارتهان للخارج وتوسيع قاعدة الإنتاج الداخلي، بينما يشير التوجه نحو فتح أسواق جديدة إلى رغبة الدولة في تنويع الشركاء التجاريين لتقليل المخاطر المرتبطة بالارتباط بالأسواق التقليدية.

حوافز وضمانات

وفيما يتعلق بدور القطاع الخاص، تشير د. ماجدة إلى أن رؤية المنتجين والمصدرين تمثل ركيزة أساسية في إعادة تنشيط الاقتصاد؛ غير أن ترجمة هذه الرؤية تتطلب “حزمة عاجلة” من الضمانات والحوافز التي تعيد الثقة إلى قلب العملية الإنتاجية. وتأتي في مقدمة هذه الحوافز: توفير التمويل الميسر، وضمان استقرار مدخلات الإنتاج (وقود، طاقة، مواد خام)، إلى جانب تقديم إعفاءات وتخفيضات ضريبية مؤقتة على الصادرات ومدخلاتها، بما يخفف من كلفة الإنتاج ويعزز القدرة التنافسية للمنتج السوداني في الأسواق الإقليمية والدولية، خاصة في ظل تداعيات الحرب التي رفعت مستويات المخاطر وأثقلت كاهل القطاع الخاص.

معالجة العوائق

وفي سياق متصل، تؤكد د. ماجدة أن تسهيل حركة الصادر ومعالجة العوائق الإدارية والجمركية يظل شرطاً محورياً لانسياب التجارة؛ حيث تتصدر التحديات تعدد الرسوم غير المنسقة، وكثرة نقاط التفتيش، وتعقيد الإجراءات الجمركية. وتطرح د. ماجدة حلولاً تقنية تتلخص في تفعيل “النافذة الواحدة” للتجارة، وتطبيق أنظمة رقمية للتتبع، وإشراك القطاع الخاص في تشغيل الخدمات اللوجستية تحت إشراف الدولة، بما يعزز الشفافية ويرفع كفاءة التحصيل ويحمي موارد الدولة من الهدر.

 

التحدي الأبرز

ورغم تفاؤلها بالرؤية، تضع عميدة كلية الاقتصاد “مشرط التحليل” فوق التحديات؛ مؤكدة أن نجاح هذه التوجهات مرهون بتوفر بيئة إنتاجية مستقرة وبنية تحتية تدعم عمليات التصنيع والنقل. وتحذر د. ماجدة من أن التحدي الأبرز يظل هو “عقبة التنفيذ”، خاصة في ظل الظروف الأمنية والمعقدة، داعية إلى ضرورة التدرج والواقعية في التطبيق لتجنب حدوث أي اختلالات مفاجئة في السوق أو نقص في السلع الأساسية.

 

هدف استراتيجي

وعلى ذات الصعيد يرى الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي، أن التعافي الاقتصادي يمثل الركيزة الجوهرية ومنطلق قطار إعادة الإعمار؛ معتبراً أن الإصلاحات الاقتصادية العميقة ليست مجرد ترف فني، بل هي ضرورة حتمية للتقليل من مخاطر تكرار الصراع، عبر خلق فرص العمل، وتحفيز الاستثمار، واستعادة الثقة المفقودة في المؤسسات الاقتصادية. ويشدد “فتحي” على أن السياسات الاقتصادية في هذه المرحلة يجب أن تصوب نحو هدف استراتيجي واحد، وهو استعادة قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية، وبسط سيادة القانون، وتوفير الأمن الاقتصادي للمجتمع.

 

نهج شامل

وفي تقديره، فإن التعافي الحقيقي لا يتحقق عبر المسكنات أو الحلول قصيرة الأجل، بل يتطلب رؤية شاملة لإعادة بناء مستدامة وطويلة الأمد، ترتكز على تحديث المؤسسات، وتنفيذ إصلاحات هيكلية تعزز من قدرة الاقتصاد الوطني على التحمل والمواجهة. ويؤكد د. هيثم أن ملف “إحلال الواردات” يستوجب بالضرورة إعادة نظر جذرية في السياسات التجارية المحلية، ورسم مسارات اقتصادية قادرة على إحداث تغيير ملموس في المؤشرات الكلية للدولة.

​تغيير نمط
ويردف د. هيثم موضحاً أن تحويل التحديات الراهنة إلى فرص يتطلب إعداد “حزمة سياسات” جديدة تتواءم مع معطيات الوضع القائم، بدءاً من إعادة صياغة العلاقات التجارية مع الدول الموردة، ووصولاً إلى تغيير النمط الاستهلاكي عبر تشجيع الإنتاج المحلي وتكثيف العمل والاستثمار. ويجزم بأن نجاح خطة إحلال الواردات مرهون بزيادة قدرات الصناعة الوطنية، وتأمين سلاسل إمداد الخامات ومستلزمات الإنتاج، بالتزامن مع “إفساح الطريق” أمام المنتج المحلي عبر الحد من الاستيراد العشوائي وضبط منظومة الاستيراد بصفة عامة.

بنية لوجستية
وعن العوامل المساعدة لإحداث أثر ملموس في ظل الظروف الراهنة، يشير د. هيثم إلى أهمية توفر “البنية اللوجستية الفوقية”، وتقديم حوافز استثمارية حقيقية تبدأ بتسهيل مهام المستثمر الوطني قبل الأجنبي. ويضع د. هيثم روشتة للنجاح تتلخص في: “تصفير البيروقراطية”، وتحقيق الاستقرار التشريعي والسياسي، مع ضمان توفر مدخلات الإنتاج بتكاليف تنافسية، خاصة في قطاعات الطاقة، والنقل، وأجور العمالة الماهرة، مشدداً على أن الكفاءة الإنتاجية العالية هي الضمانة الوحيدة لمنافسة السلع المستوردة في عقر دارها.

ويبقى التحدي القائم أمام هذه الخطط الحكومية ليس في “جودة الصياغة” أو “طموح الأهداف”، بل في القدرة على إيجاد “آليات تنفيذ” مرنة تتجاوز تعقيدات البيروقراطية وظروف الحرب. إن إجماع الخبراء على ضرورة تحفيز المنتج المحلي وتسهيل حركة الصادر يضع الكرة الآن في ملعب الجهات التنفيذية؛ لتحويل هذه الرؤى إلى “واقع ملموس” يشعر به المواطن في معاشه اليومي، ويستعيد به الجنيه السوداني جزءاً من عافيته المفقودة.