
الزاكي عبد الحميد يكتب.. “سرديات”
كان نهاراً قائظاً..
قضى حاطبُ النهار سحابةَ يومه في الاحتطاب..
رجلٌ بسيط يكسب رزق اليوم باليوم وعاد ذات يوم من السوق بعد أن باع حطبه وقد أحضر طعام أولاده والسكر والقهوة وطلب من زوجته أن (تسوّ الجبَنة) فأشعلت الفحم وصار لهبه يتقطع مع نسمات الغروب..والمغرب في خريف القرى نسماته عليلة، فكان ذلك المنظر هو غاية ما يتمناه أمثاله من عيش الدنيا، فرقد على قفاه وختّ *كراع فوق كراع* وأطلق عبارة ارتياح ورضى، فقال:
*يا الله هووي، الله دا تخليهو لينا*..رجل بسيط غمرته السعادة فلا يدري ما يقول ولكنها ترجمة حقيقية لقولهم (مَن قرّ عيناً بعيشه، نفعه)..
هكذا قال *البروفيسور ابراهيم القرشي عثمان* في سفره القيّم: *عادات سودانية أصولها عربية..*
والرقدة على القفا ووضع الكراع فوق الكراع كما نقول هي رقدة ارتياح واسترخاء وفراغ من الشغل قد تكون مصحوبة بالتأمل..وهي شائعة عندنا نقول:
*فلان ولا عليهو راقد خالف كراع فوق كراع..*
*جامعة نزوى* هي الجامعة الأهلية الاولى في سلطنة عمان. زرتها مرتين اولاهما كانت برفقة الروائية السودانية *ليلى أبو العلا* حين استضافتها الجامعة لتحكي لهم عن تجربتها الروائية بعد صدور روايتها الاولى (المترجِمة) والتي حققت نجاحا كبيرا احتفى به سوق الأدب العالمي..أما المرة الثانية فكانت تلبية لدعوة من الجامعة للجالية السودانية للمشاركة في المهرجان الثقافي الذي تنظمه الجامعة سنويا..ذهبت برفقة البروفيسور الراحل *الطاهر الدرديري* وهو عالِم من اهالي فداسي الحليماب..رجلٌ ما من خصلة تُحمد في الرجال إلا وكان له منها نصيب الأسد..رحمه الله..شاركت بورقة تناولت فيها توظيف المفردة المحلية في أشعار *صلاح أحمد ابراهيم* ودلالاتها..
كانت تظاهرة ثقافية محضورة أمّها جمهورٌ غفير من ولايات السلطنة المختلفة..
ثم شارك أكاديمي عماني أثارت ورقته اهتمامي بشكل مذهل..
تحدث الرجل عن نحوي عماني لا تقل مكانته عن مكانة أئمة النحو واللغة *كسيبويه وابن خالويه..*
لم أسمع من قبل بهذا اللغوي العماني الذي يعد أحد أعمدة اللغة والذي ينسبه الكثيرون لمصر وما هو منها..حيث ولد وترعرع وتعلم في نزوى العمانية..
يلقب هذا العالِم العماني ب ” *كراع النمل*” وما يجيء كدليل على عُلوِ كعبهِ في اللغة أن اقتبس *ابن منظور* من *كراع النمل* أكثر من *سبع مئة* اقتباس ضمنها في سفره الموسوم ” *لسان العرب*”..
إلى جانب المعلومات القيمة التي محا بها الدكتور العماني جهلي بهذا العالِم النحوي الكبير، اثارت اهتمامي مفردة *كُرَاع*: أهي من فصيح العربية؟
كنت أظن انها مفردة سودانية لا يشاركنا فيها أحد..كيف انتشرت وعبرت حدودنا إلى الآفاق؟
يا لجهلي المقيت..
مسكتُ جهلي من أذنيه وسقتُه إلى *ابن منظور* ولسانه العربي الفصيح:
*كُراع*!
تعني المفردة كما فسرها *لسان العرب* ما دون الركبة حتى القدم..
ومنها المثل:
*أعطى العبدَ كراعاً فطلب ذراعاً*، يضرب للرجل الشرِه يُعطى الشيءَ، فيأخذُه ويطلب أكثر..
وللمفردة اشتقاقات عدة منها:
*تكرّع* وتعني تجشأ أو تنفّس بعد امتلاء..وهي معروفة في لهجتنا الدارجة.. ويقولون “فلان يتكرّع ساي تقول ما ماكل بوش!”..
وتُجمع المفردة على أكارع وكوارع..
نعم كوارع الواحدة دي! و *الكُراعي* هو بائع الكوارع..وتطبخ الكوارع في كثير من دول العالم بنفس الطريقة المعروفة لدينا..
غردون رمزي Gordon Ramsay هو أشهر طاهي عرفته المملكة المتحدة..يدير هذا الطاهي الاسكتلندي مجموعة من المطاعم التي تحمل اسمه ويرتادها عِلِّيَّة القوم..ويشتهر هذا الاسكتلندي الساخر بتعليقاته الكاوية التي يطلقها على المتنافسين في برنامجه التلفزيوني الشهير Hell’s Kitchen أي المطبخ جحيم لا يطاق..
دخلتْ سيدة إلى مطعم من مجموعة مطاعم غردون وطلبت شوربتها المفضلة: Trotters Soup ..جاءها غردون بنفسه وقدم لها صحن الشوربة وقال لها ساخراً:
There’s enough garlic in your plate to kill every vampire in Europe
ويعني:
وضعت لك من الثوم في الشوربة ما يكفي لقتل كل مصاصي الدماء في اوروبا..
ضحكت السيدة وهي تلتهم شوربتها بنهم فعاد الطاهي ليطيب خاطرها:
But it is good for your joints..
ولكنها سيدتي مفيدة لالتهابات المفاصل..
وبقي ان تعرف يا رعاك الله أن شوربة Trotters soup ما هي إلا *شوربة كوارع*..
نعم هي شوربة كوارع بشحمها ولحمها ولكنها تكون من كوارع الخنازير في اوروبا بعكس ما هو الحال في الدول الاسلامية..
ولكن ما قاله الطاهي الاسكتلندي عن فائدة الكوارع في علاج التهابات المفاصل قول شائع لدينا مع أنّي كنت لا أوافق صديقي الحبيب ابن دفعتي الأستاذ *عثمان عووضة* حين يعدّد لكل من شكا له من آلام المفاصل فوائد الكوارع وشوربتها المدنكلة، خاصة في ليالي الشتاء قارسة البرودة…
وبالعودة إلى صاحبنا حاطب النهار نشير إلى أن الاستلقاء على الظهر ووضع الرجل على الأخرى دليل استرخاء وتأمل وخلوة بالنفس كما عبّر عنها الحطّاب البسيط بعبارته تلك:
*يا الله هووي الله دا تخليهو لينا*! اتت هكذا بعفوية صادقة تعبيرا عن غمرة سعادته!
و *الكراع* بمعنى الرِّجل من فصيح العامية السودانية، وهي من صميم العربية، تقول العرب في مثل لها ( *كنتَ كراعاً فأصبحتَ ذراعاً*) لمن ارتفع حاله وعزّ بعد ذُلّ. واهلنا يقولون *انقطعت الكراع* كناية عن السكون وانقطاع الحركة ليلاً والعرب يقولون (هدأت الرِّجل) وذلك إذا سكن الليل..
وطِيء أعرابيٌّ رِجلَ بعض اهل الحواضر في الحافلة فقال الحضري للأعرابي *شيل كراعك من رجلي* فقال له الاعرابي: *علي بالطلاق ما أشيلها إلا أعرف شنو السوّا دي كراع ودي رجل*! ورطة..
ويورد البروفيسور *ابراهيم القرشي عثمان* الكثير من امثالنا في هذا السياق ومنها (ألبس قدر كراعك، ومد كراعك قدر لحافك) يحضون على لزوم الحد واجتناب التجاوز..
قالوا مر همباتي على صاحب مواشٍ ونِعم عظيمة فوجده نائما على (عنقريب حبل) متوسدا ساعدَه، قد خرجت رجلاه وامتدتا متجاوزتين العنقريب بمسافة، فاخترط الهمباتي سيفَه وقطع رجلي المسكين بمحاذاة نهاية العنقريب وقال له:
*المال دا كله هولك وإت فوق عنقريباً كرعيك أطول منه*؟ يريد له فراشا يناسب هذه النعمة عملاً بالأثر : *إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده..*
ستيفن ليذر Stephen Leather روائي بريطاني معاصر ما زلت أقرأ له رواية صدرت له قبل بضع سنوات بعنوان:
Vets
أي *المخضرمون* وتحكي عن أربعة رجال لا رابط بينهم ولم يلتقوا مع بعض من قبل..ولكن القاسم المشترك بينهم هو أنهم جميعا شاركوا في حرب فيتنام فيحاول ضابط جيش متقاعد الاستفادة من خبراتهم لتحقيق مآرب تخصه..
أحد الرجال الأربعة يردد دائما حين تعضه آلام المفاصل:
Where the hell can I get a trotters soup for this awful pain..
وهي ذات العبارة التي كان ولا يزال صديقي عووضة يوصي بها (شوربة الكوارع) في روشتته لكل من شكا له من خشونة في الركب..وقد صدق بشهادة العرب والعجم، وإن كنت من باب المشاكسة، من المستهترين بقدراته في التطبيب البلدي ولكن إلى حين!
