أموال الإنقاذ .. كيف طاردت لجنة التفكيك إمبراطورية الإسلاميين المالية قبل أن يوقفها انقلاب أكتوبر

الخرطوم/ الغدالسوداني ـ سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019 لم يكن نهاية معركة السودانيين مع إرث ثلاثين عاماً من حكم الحركة الإسلامية، بل كان بداية مواجهة أكثر تعقيداً مع شبكة اقتصادية ومالية تشكلت داخل الدولة وخارجها، وامتدت إلى الشركات والعقارات والأراضي والاستثمارات العابرة للحدود. وبينما خرج السودانيون إلى الشوارع مطالبين بالحرية والسلام والعدالة، كانت هناك أسئلة أخرى تنتظر الإجابة: أين ذهبت عائدات النفط؟ ومن امتلك الشركات التي نشأت في ظل النظام؟ وكيف تحولت موارد الدولة إلى إمبراطورية مالية استفادت منها قيادات الحزب الحاكم وشبكات المصالح المحيطة به؟

تتفاوت التقديرات المتعلقة بحجم هذه الثروة بصورة كبيرة. ففي حديث للاقتصادي والسياسي محمد عصمت يحيى في بودكاست السودان 360″ تحدث عن تحويل نحو 64 مليار دولار من عائدات النفط السوداني لصالح الحركة الإسلامية خلال حكم البشير. كما استندت تقديرات أخرى إلى مقال للبروفيسور هاشم محجوب تناول نتائج بحوث جامعية أُجريت في ماليزيا خلال العام الدراسي 2006–2007، وكشفت ، أن استثمارات سودانية بلغت نحو 42 مليار دولار، بما يعادل 16% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في ماليزيا آنذاك. غير أن هذه الأرقام لا تثبت ملكية الحركة الإسلامية لجميع تلك الاستثمارات، لأنها تعمل عبر واجهاتٍ وشركاتٍ بأسماء أشخاصٍ منتمين لها والتغطية على ذلك بصفاتٍ مستثمرين أوتعاون اقتصادي.

وفي دراسة أكاديمية وتحليلية منسوبة إلى المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات، الدكتور عبدالمنعم مختار، قُدرت الأموال التي جرى نهبها خلال حكم الإنقاذ بين 1989 و2019 بنحو 180 مليار دولار. واستندت الدراسة إلى بيانات لجنة التفكيك وتحقيقاتها، وقدمت تقديرات بشأن الأموال المهربة والأوقاف والأصول التي انتقلت إلى شبكات مرتبطة بالنظام السابق.

هذه التقديرات، على اختلاف درجات توثيقها، تضع ملف استرداد الأموال في سياقه الأوسع: لم تكن لجنة التفكيك تبحث عن ممتلكات مسؤولين سابقين فحسب، وإنما كانت تحاول تفكيك بنية اقتصادية تشكلت حول السلطة، واستعادة جزء من الثروة التي خرجت من دائرة الملكية العامة

معركة استعادة الدولة من شبكات التمكين

في نوفمبر 2019، أنشأت الحكومة الانتقالية لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 وإزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال العامة، بموجب قانون استهدف إنهاء نفوذ النظام السابق داخل مؤسسات الدولة واستعادة الأموال والأصول التي حصل عليها أشخاص وكيانات باستغلال السلطة والنفوذ.

وكانت المهمة أكبر من مجرد مراجعة سجلات الملكية. فقد تمددت شبكات النظام السابق، على مدى ثلاثة عقود، داخل الجهاز المصرفي والقطاع التجاري والمؤسسات العامة والمنظمات والشركات الاستثمارية، بما جعل عملية تتبع الملكيات ومصادر التمويل معركة قانونية وإدارية وسياسية في وقت واحد.

وقال الرئيس المناوب للجنة، محمد الفكي سليمان، في فبراير 2020، إن السلطات شكلت 48 لجنة لاستعادة الأموال وتفكيك النظام السابق، منها لجان معنية باسترداد العقارات والأموال وأخرى تعمل على ملفات مؤسسات القطاع العام، بما فيها الخطوط الجوية والبحرية والعقارات الحكومية.

ووفقاً لمراقبين لم يكن ذلك مجرد إعلان عن تشكيل لجان، بل بداية محاولة لاستعادة مؤسسات تحولت خلال سنوات الإنقاذ إلى أجزاء من اقتصاد سياسي مرتبط بمراكز النفوذ

شركات وأوقاف وعقارات.. أين وصلت يد اللجنة؟

خلال عامي 2020 و2021، توسعت قرارات اللجنة لتشمل شركات ومؤسسات وأصولاً عقارية وأراضي زراعية. وفي أكتوبر 2020، أعلنت استرداد أصول الخطوط البحرية السودانية، وأسهم في شركات، بينها شركة الأم للتجارة والاستثمار، إلى جانب مدينة البشير الطبية وأصول عقارية، كما ألغت اتفاقيات مقر لمنظمات وكيانات كانت تعمل في السودان.

وفي ملف النقل، شملت القرارات استرداد أسهم في شركات النقل النهري، من بينها 125 ألف سهم لشركة عارف الاستثمارية في شركة النيل للنقل النهري، و50 ألف سهم للشركة السودانية للنقل النهري. كما أعلنت اللجنة استرداد نحو 73% من أسهم شركة الرأي العام للصحافة والنشر.

وفي فبراير 2021، قال عضو اللجنة صلاح مناع إن تقرير مراجعة الأصول تضمن نحو ثلاثة آلاف عقار تمت مصادرتها لصالح حكومة السودان، في مؤشر على اتساع نطاق الممتلكات التي خضعت لقرارات الاسترداد.

ثم جاءت قرارات سبتمبر 2021 بشأن 2,376 فداناً في ولاية النيل الأبيض، كانت مسجلة بأسماء قيادات ومسؤولين سابقين، من بينهم إبراهيم أحمد عمر وعلي عثمان محمد طه وأحمد هارون، ونصت القرارات على إعادة تسجيل الأراضي باسم حكومة السودان ، كما امتدت الإجراءات إلى ممتلكاتٍ مرتبطةٍ بأسرة البشير شملت قطع أراضٍ أعلنت عن استعادتها في مايو 2021 .

كانت هذه القرارات تكشف عن مسارات متعددة لتراكم الثروة: شركات وأسهم، وأراضٍ زراعية، وعقارات، ومؤسسات اقتصادية، وممتلكات مسجلة بأسماء أفراد من الدائرة المحيطة بالنظام.

من المصادرة إلى الخزينة.. الاختبار الأصعب

لكن استرداد الملكية لم يكن نهاية المهمة. ففي أكتوبر 2021، أعلنت وزارة المالية تسلمها 77 مليون جنيه سوداني نقداً من اللجنة، إلى جانب إيرادات شركات وأصول مستردة.

وقال رئيس لجنة استلام الأصول والأموال المستردة بوزارة المالية، عبد الحفيظ محمد، إن إيرادات الأصول والأموال المستردة تجاوزت 129 مليون جنيه، صُرف منها نحو 82 مليوناً. كما أشار إلى تحصيل 20 مليون جنيه من شركة شريان الشمال و15 مليون جنيه من مول عفراء.

وكشف الإفصاح عن أن نحو 30 شركة مستردة كانت تعمل على توفيق أوضاعها، بينما واجهت شركات أخرى صعوبات في فتح الحسابات المصرفية وتعيين الإدارات والحصول على التمويل. كما صُرف جزء من الإيرادات على المرتبات وحراسة المنشآت وتحصيل الإيجارات، وظلت الأموال المستلمة في حساب خاص خارج الموازنة العامة.

وهنا ظهرت إحدى أكبر ثغرات عملية الاسترداد: كيف تتحول الأصول المصادرة إلى موارد اقتصادية منتجة؟ وكيف تضمن الدولة عدم عودة تلك الشركات إلى التعطل أو الوقوع مجدداً في أيدي شبكات المصالح؟

كان وجدي صالح، عضو اللجنة، قد حذر من ترك الأصول المستردة دون إدارة متخصصة، مشيراً إلى أن عدم إدارتها بكفاءة قد يعرض قيمتها للهدر. كما دعا إلى نقلها إلى مؤسسات الدولة وإخضاعها لرقابة مالية وإدارية واضحة.

وتتفق هذه المخاوف مع ما أورده صندوق النقد الدولي في تقريره عن السودان عام 2021، إذ أشار إلى أن إصلاح إدارة الأصول المستردة كان يفترض أن يتم عبر شركة قابضة تحت الإشراف المالي لوزارة المالية، مع ضمان الشفافية في التصرف في تلك الأصول واستخدام عوائدها.

شبكة المصالح بعد سقوط النظام.. والعقوبات الأميركية

لم تتوقف أهمية ملف الثروة عند حدود ما استعادته اللجنة داخل السودان. فالتقديرات المتعلقة بالأموال المهربة إلى الخارج، والاستثمارات المرتبطة بشخصيات وشركات في عهد البشير، ظلت تطرح سؤالاً عن قدرة الدولة على تتبع الأصول العابرة للحدود، خصوصاً مع تعقيد الملكيات واستخدام الشركات الوسيطة والواجهات الاستثمارية.

ومن أبرز الأسماء التي ظهرت في هذا السياق رجل الأعمال عبد الباسط حمزة، الذي ارتبط اسمه باستثمارات وشركات استردت الدولة بعض أصولها، من بينها مول عفراء. وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عليه عقوبات في أكتوبر 2023، وقالت إنه أدار شركات ضمن المحفظة الاستثمارية لحركة حماس وشارك في تحويل نحو 20 مليون دولار إليها. وهذه اتهامات أميركية معلنة، وليست حكماً قضائياً سودانياً يثبت وحده جميع الاتهامات المتعلقة بمصادر ثروته أو ملكياته.

وفي تطور لاحق يعكس امتداد البعد التنظيمي والأمني للشبكات الإسلامية، أدرجت وزارة الخزانة الأميركية، في 12 سبتمبر 2025، لواء البراء بن مالك على قائمة العقوبات بموجب الأمر التنفيذي 14098، المتعلق بالأشخاص والكيانات التي تهدد السلام والاستقرار في السودان وتقوض الانتقال الديمقراطي. وقالت واشنطن إن اللواء شارك في الحرب وتلقى مقاتلوه تدريبات وأسلحة من الحرس الثوري الإيراني، وهي اتهامات وردت في حيثيات القرار الأميركي.

 

وفي 9 مارس 2026، أعلنت الخارجية الأميركية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية كياناً إرهابياً عالمياً مصنفاً تصنيفاً خاصاً، مع سريان تصنيفها منظمة إرهابية أجنبية اعتباراً من 16 مارس 2026. وربطت واشنطن الجماعة بالحركة الإسلامية السودانية ولواء البراء بن مالك، واتهمتها باستخدام العنف ضد المدنيين وتقويض جهود إنهاء الحرب.

 

مع أن هذه العقوبات لا تثبت أن الأموال التي استعادتها لجنة التفكيك كانت هي نفسها التي مولت الأنشطة العسكرية اللاحقة،لكنها تقود إلى كيف ساهم انقلاب 25 أكتوبر في استعادة الإسلاميين لنفوذهم المالي والاقتصادي ودعم مليشياتهم العسكرية مثل البراء بن مالك . و تعيد طرح سؤال حول استمرار البنية التنظيمية والاقتصادية للحركة الإسلامية، ومدى قدرة شبكاتها على الاحتفاظ بمصادر تمويل ونفوذ خارج مؤسسات الدولة الرسمية.

 

انقلاب أكتوبر.. من أوقف استكمال المهمة؟

 

في 25 أكتوبر 2021، انتهى المسار الانتقالي بانقلاب عسكري قاده عبد الفتاح البرهان، وتوقفت معه واحدة من أهم عمليات الإصلاح المؤسسي التي شهدتها الفترة الانتقالية. وأصبحت لجنة التفكيك نفسها هدفاً للإجراءات السياسية والقانونية التي أعقبت الانقلاب، قبل حلها وتعطيل عملها.

 

وأشارت وزارة الخارجية الأميركية في تقرير مناخ الاستثمار لعام 2022 إلى أن الانقلاب عطل جهود الإصلاح، وأن السلطات أعادت مئات الموظفين الذين سبق أن أنهت اللجنة خدماتهم إلى مواقعهم في مؤسسات الدولة، كما تعرض أعضاء سابقون في اللجنة للملاحقة والاعتقال.

 

وفي نوفمبر 2022، قال محمد الفكي سليمان إن اللجنة لم تنجز سوى نحو 15% من عملها، في إشارة إلى اتساع الملفات التي بقيت مفتوحة دون استكمال.

 

وهكذا انتهت المرحلة الأولى من استرداد الأموال قبل أن تُحسم المعركة بشأن مصيرها. بقيت أسئلة الشركات التي انتقلت ملكيتها، والأراضي التي أعيد تسجيلها، والأموال التي أودعت الحسابات، والأصول التي ربما عادت إلى أصحاب النفوذ السابقين، دون كشف شامل ونهائي.

 

إن مراجعة تجربة لجنة التفكيك اليوم لا ينبغي أن تقتصر على الدفاع عن قراراتها أو انتقادها سياسياً؛ بل يجب أن تبدأ من سؤال أكثر تحديداً: كم استرد السودان فعلياً، وأين توجد هذه الممتلكات الآن، ومن يديرها، وما الذي عاد منها إلى شبكات المصالح القديمة؟

فإذا كانت تقديرات الثروة المنهوبة تصل إلى عشرات ومئات المليارات من الدولارات، فإن الأرقام التي تسلمتها وزارة المالية خلال الفترة الانتقالية تكشف أن المسافة بين استعادة الأصول واستعادة الثروة الوطنية ظلت شاسعة. وما لم تُفتح سجلات الشركات والأراضي والحسابات المصرفية وتُراجع قرارات الاسترداد قضائياً ومالياً، ستظل واحدة من أكبر عمليات استعادة الأموال العامة في تاريخ السودان ملفاً ناقصاً، وثروة مجهولة المصير.