عسكرة السياسة وتسييس العسكرية لماذا يحمي الجيش الجنرال الأول ولا يحمي الوطن

زورق الحقيقة

 ابو هريرة زين العابدين يكتب ..

لفهم الدور السياسي للجيش السوداني لا يكفي النظر إلى الانقلابات العسكرية كمجرد انحراف عن المسار الديمقراطي، بل يجب العودة إلى طبيعة الدولة السودانية نفسها منذ الاستقلال. فالجيش لم ينشأ داخل دولة وطنية مستقرة ذات مؤسسات راسخة، وإنما ورث جهازاً عسكرياً صممه الاستعمار البريطاني أساساً لحفظ الأمن الداخلي وحماية المركز الإداري. وعندما غادر المستعمر عام 1956، ورث السودانيون دولة تعاني ضعفاً في الهوية الوطنية الجامعة، وانقساماً بين المركز والأطراف، وعجزاً في بناء مؤسسات سياسية قادرة على إدارة التنوع الهائل الذي يميز البلاد.

في تلك البيئة ظهر الجيش باعتباره المؤسسة الأكثر تنظيماً وانضباطاً مقارنة بالأحزاب السياسية التي كانت تعاني الانشقاقات والصراعات الداخلية. ومن هنا جاء انقلاب الفريق إبراهيم عبود عام 1958، الذي دشّن تقليداً سياسياً خطيراً مفاده أن الجيش هو الحكم النهائي في الصراع السياسي. لم يكن عبود استثناءً، بل كان بداية لمعادلة استمرت مع جعفر نميري عام 1969 ثم عمر البشير عام 1989 والبرهان عام 2021 وهذه المرة في إطار وجود مليشيات تابعة للجيش او ضده. وبين كل عهد عسكري وفترة حكم مدني، ترسخ داخل قطاعات واسعة من النخبة العسكرية تصور بأن الجيش ليس مؤسسة تابعة للدولة، بل هو الدولة نفسها وفوقها أحيانا، لذلك يتدخل عند لحظات الأزمات السياسية العادية والطبيعية نتيجة للعمل السياسي الذي يعتمد على الاقناع وليس الحسم بالبندقية.

هذا التصور ظل يحمل تناقضاً جوهرياً. فالمؤسسة العسكرية التي تتدخل في السياسة بحجة إنقاذ الدولة كانت تضعف تدريجياً الشروط الضرورية لبناء الدولة الحديثة. إذ إن السيطرة على الحكم تتطلب من الجيش الانخراط في التحالفات السياسية والمحاصصات والصراعات المدنية، وهي كلها أنشطة تستنزف طبيعته المهنية. ومع مرور الوقت أصبحت الأولوية لدى كثير من الأنظمة العسكرية ليست بناء جيش أكثر كفاءة، بل بناء نظام عسكري يحكم وأكثر قدرة على البقاء. وأكبر خطأ وقعت فيه القوى السياسية في الفترة الانتقالية بعد ثورة ديسمبر هو الشراكة مع الجيش وتابعه حينها الدعم السريع، فابتلعوا الانتقال كحوت ضخم ووأدوه بانقلاب ومن ثم اختلفوا وادخلوا البلاد في هذا التفق المدلهم حربا وحوعاً.

ويظهر ذلك بوضوح في تاريخ الحروب السودانية. فعلى الرغم من هيمنة الجيش على السلطة معظم سنوات ما بعد الاستقلال، فإن السودان شهد أطول الحروب الأهلية في إفريقيا. انتهت الحرب في الجنوب بانفصال جنوب السودان عام 2011، بينما استمرت النزاعات المسلحة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق بأشكال مختلفة. ولا يعني ذلك أن الجيش وحده مسؤول عن هذه المآلات، فالأزمات كانت مرتبطة أيضاً بفشل النخب السياسية، لكن الحقيقة التاريخية تشير إلى أن الحلول العسكرية لم تنجح في معالجة المشكلات السياسية التي أنتجت التمردات من الأساس وادخلت البلد في عمليات فساد وفشل اقتصادي.

ومن رحم هذه المعضلة برزت ظاهرة المليشيات. فبدلاً من تطوير المؤسسة العسكرية لتكون قادرة على إدارة الحروب المعقدة وحماية الحدود عبر التجنيد الالزامي، لجأت حكومة البشير إلى تشكيل قوات رديفة ذات طابع أيديولوجي أو قبلي أو جهوي. بدأ ذلك بصور مختلفة، واتسع بصورة أكبر في عهد البشير وحكم الاخوان من خلال قوات الدفاع الشعبي والحركات المتحالفة مع السلطة، وصولاً إلى قوات الدعم السريع التي تحولت لاحقاً إلى قوة عسكرية مستقلة تمتلك مصادر تمويل ونفوذاً سياسياً واسعاً وأصبحت هناك العشرات من المليشيات. وكانت النتيجة أن الدولة فقدت تدريجياً احتكارها المشروع للعنف، وهو أحد أهم أركان الدولة الحديثة.

في الوقت نفسه، شهدت المؤسسة العسكرية توسعاً اقتصادياً غير مسبوق. فمع العقوبات والأزمات المالية والحروب الطويلة، نشأت إمبراطوريات اقتصادية تتبع للمؤسسة العسكرية والأمنية والدعم السريع. فقد خلق ذلك شبكة مصالح ربطت القوة العسكرية بالنفوذ الاقتصادي والسياسي. وعندما يصبح الضابط مسؤولاً عن الشركات والاستثمارات بقدر مسؤوليته عن الوحدات العسكرية، تتغير أولويات المؤسسة نفسها وتتداخل حدود المصلحة الوطنية مع المصالح المؤسسية الخاصة ينتج ذلك معادلة فساد وافساد للعسكرية والسياسة والاقتصاد وفشل الدولة كما نرى امامنا الان.

لذلك فإن مأزق الجيش السوداني لا يمكن تفسيره بلغة الإدانة أو التبرير وحدها. فالجيش كان في كثير من الأحيان نتاجاً لأزمة الدولة السودانية بقدر ما كان سبباً في تعميقها واضعافها لانه ترك مهمته وأصبح أكبر حزب سياسي منظم. لكنه في الوقت ذاته أخفق في التحول إلى مؤسسة وطنية محايدة تقف فوق الصراعات السياسية، بل أصبح اب للسياسة، وأضعف السياسة والاقتصاد والدولة. وتكشف التجربة التاريخية أن أكبر خسائر الجيش ليست في ساحات القتال، وانما في انخراطه المستمر في السلطة. فكلما اقترب من السياسة ابتعد عن الاحتراف العسكري، وكلما توسع خارج وظيفته الطبيعية ضعفت قدرته على أداء تلك الوظيفة. ومن هنا يمكن القول إن أزمة السودان ليس في فقط عسكرة السياسة، وانما أيضاً في تسييس الجيش نفسه، وهي معضلة لا يزال السودان يدفع ثمنها حتى اليوم بحرب داحس وغبراء السودان الحالية وتنتهك حدود الوطن ويكون الرد بتشكيل لجنة تحقيق مما ينبيء بمستوى الضعف الذي اعترى هذه المؤسسة المسيسة التي تركت مهمتها وأصبحت حزب سياسي يمتلك بندقية طويلة تحمي سلطة الجنرال الأول البرهان ولا يحمي الوطن.