من الانتخابات الأمريكية إلى دروس ديسمبر الطريق يصنعه المشي وضوء آخر النفق تصنعه الأجيال

نون كشكوش تكتب ..

تقوم الممارسة الديمقراطية الحقيقية على مبدأ المواطنة المتساوية، حيث لا يكون العرق أو الأصل الإثني أو الدين أو الخلفية الثقافية معياراً للانتماء أو أساساً للتمييز في الحقوق والفرص. فالديمقراطية تمثل منظومة متكاملة من الحقوق والحريات والمؤسسات التي تضمن أن يكون المواطنون متساوين أمام القانون، وأن يكون صوتهم حاضراً في صناعة القرار السياسي عبر صناديق الاقتراع.

تابعنا جميعاً خلال الأسابيع الماضية مشهداً سياسياً لافتاً في الانتخابات الأمريكية، اتسم بتصاعد الخطاب العدائي للرئيس دونالد ترامب تجاه المرشح الديمقراطي عبدالرحمن محمد السيد (عبدول ) في ولاية ميشيغان، وحملته المتكررة ضد النائبة إلهان عمر، والتي تجاوزت في بعض محطاتها حدود الاختلاف السياسي إلى استدعاء الدين والأصل والهُوية في سياق المنافسة الانتخابية.

وفي المقابل، شهدنا عودة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما إلى المشهد الانتخابي بخطاب سياسي ركز على قضايا المواطنين، وأهمية حماية الحقوق والحريات، ومخاطبة تطلعات المجتمعات المهاجرة والأجيال الجديدة.

وبعيداً عن الاختلاف في المواقف السياسية والبرامج الانتخابية، فإن ما تكشفه هذه المشاهد هو أن الديمقراطية الأمريكية، بما تملكه من مؤسسات وتقاليد دستورية، تظل ساحة للصراع بين اتجاهات سياسية واجتماعية متباينة، وأن الفصل الحقيقي لا ينبغي أن يكون بين الهويات والأديان، بل بين البرامج والمواقف والرؤى التي يختار المواطنون من يمثلهم على أساسها.

جاء فوز عبدالرحمن السيد في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليحمل دلالات تتجاوز حدود المنافسة الانتخابية المحلية. فقد أصبح أول مسلم يفوز بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي، في مواجهة حملة انتخابية شهدت استدعاءً واضحاً لهويته الدينية وأصوله العائلية للتشكيك في انتمائه وولائه الوطني.

إن دلالة هذا الفوز لها اكثر من رسالة لا تنحصر فقط في وصول أكثر من مرشح من أصول مهاجرة ومسلم إلى واحدة من أهم المؤسسات التشريعية في العالم، وإنما في قدرة الناخبين على ممارسة حقهم الدستوري واختيار ممثليهم رغم محاولات توظيف الاختلاف الديني والإثني في المعركة السياسية.

وهنا تبرز أهمية المؤسسات الديمقراطية، واستقلال السلطات، وسيادة القانون، باعتبارها الضمانات التي تحول دون اختزال الدولة في إرادة شخص أو خطاب سياسي عابر، وتجعل البرلمان تعبيراً عن إرادة المواطنين.

ما حدث في الولايات المتحدة لا يمكن قراءته بمعزل عن التاريخ الطويل لنضالات الأمريكيين ضد العنصرية والتمييز، بدءاً من النضال ضد العبودية، مروراً بحركة الحقوق المدنية، وصولاً إلى المعارك المستمرة من أجل المساواة والعدالة والتمثيل السياسي.

لقد احتاجت هذه المجتمعات إلى أجيال متعاقبة من النضال والتضحيات حتى أصبحت المشاركة السياسية حقاً دستورياً وممارسة متاحة أمام فئات كانت محرومة منها لعقود طويلة.

فالديمقراطية لا تُمنح من أعلى، ولا تتحقق بمجرد النص عليها في الدساتير، وإنما تُنتزع بالممارسة والنضال والتراكم، وبإصرار المجتمعات على توسيع مساحات الحقوق والحريات.

وهذه واحدة من أهم الدروس التي يمكن أن نستحضرها ونحن نتأمل التجربة السودانية.

في السودان، لم تكن ثورة ديسمبر المجيدة حدثاً معزولاً عن تاريخ النضال الوطني، فقد جاءت امتداداً لتراكم طويل من المقاومة السياسية والاجتماعية، بدأ مبكراً مع ثورة 1924، ومر بمحطات تاريخية عديدة، من بينها ثورة أكتوبر 1964 وانتفاضة أبريل 1985، وصولاً إلى ثورة ديسمبر 2018.

لقد استفاد جيل ديسمبر من إرث طويل صنعته القوى المدنية والنقابات والحركات الطلابية والنسوية والمدافعين عن الحقوق والحريات، ومن تضحيات أجيال متعاقبة واجهت الاستبداد ودفعت أثماناً باهظة من أجل دولة المواطنة والعدالة وسيادة حكم القانون.

وكما هو الحال في التجربة الأمريكية، فإن الجيل الجديد لم يبدأ من الصفر، بل ورث معرفة النضال وأدواته، وأضاف إليها أشكالاً جديدة من التنظيم والتعبير والمقاومة السلمية.

ولعل المقارنة بين الجيل الثاني من المهاجرين والأقليات في الولايات المتحدة وجيل ديسمبر في السودان تكمن في إدراك كل منهما أن الحقوق لا تُصان بالتمنيات، وأن التغيير الحقيقي يحتاج إلى وعي سياسي، وإرادة جماعية، ومؤسسات تستوعب التنوع وتحمي الاختلاف.

إن أحد أهم الفوارق بين الدولة الديمقراطية والدولة الاستبدادية هو أن الأولى تقوم على المؤسسات وتداول السلطة والفصل الحقيقي بين السلطات، بينما تختزل الثانية الدولة في شخص الحاكم وإرادته السياسية.

في الدولة الديمقراطية، لا يملك الرئيس الحق في تحديد من يستحق المواطنة الكاملة، ولا يستطيع أن يجعل من الدين أو العرق أو الأصل معياراً للحقوق السياسية. فالدستور والقانون والمؤسسات هي المرجعية، والبرلمان هو أحد أهم فضاءات التعبير عن الإرادة الشعبية والرقابة على السلطة التنفيذية.

وهذا ما يجعل حماية استقلال المؤسسات التشريعية والقضائية، وضمان حرية الصحافة والتنظيم السياسي، واحترام التعددية، شروطاً لا غنى عنها لأي تحول ديمقراطي.

إن الرسالة الأهم التي تحملها هذه التجربة هي أن الصلف السياسي والخطاب الإقصائي، مهما ارتفع صوتهما، لا يستطيعان إلغاء حق المجتمعات في المشاركة والتعبير واختيار ممثليها، متى توفرت مؤسسات قادرة على حماية هذه الحقوق.

فالتاريخ يعتمد علي صناعة تراكمية ، تصنعه أجيال تؤمن بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل، وأن الحقوق التي انتزعها السابقون هي مسؤولية يجب أن يحافظ عليها جيلا بعد جيل .

ومن هنا، فإن تجربة الأجيال الجديدة في الولايات المتحدة، كما تجربة جيل ديسمبر في السودان، تذكرنا بأن الديمقراطية هي معارك متواصلة للأجيال ، وأن بناء دولة المواطنة لا يتحقق بمناهضة الأنظمة الدكتاتورية ، إلى تأسيس مؤسسات مستقلة، وإرساء سيادة القانون، وضمان العدالة والمساواة، وحماية الحقوق والحريات دون تمييز.

إن انتصار إرادة الناخبين في مواجهة خطاب الإقصاء يظل تذكيراً بأن المجتمعات قادرة على تجديد تجربتها الديمقراطية، وأن البرلمان يجب أن يظل صوت الشعب للمطالبة بحقوقهم و مساءلة التنفيذيين .