أيُّ بركة ساكن عاد إلى السودان؟

الخرطوم/الغدالسوداني ـ مصعب محمدعلي
أعادت عودة الروائي السوداني عبدالعزيز بركة ساكن إلى الخرطوم، بعد 16 عاماً قضاها خارج البلاد، فتح نقاش يتجاوز سؤال العودة إلى الوطن، ليصل إلى موقف الكاتب من الحرب والجيش والدعم السريع، ومشاركته في لجنة تهيئة الحوار السوداني-السوداني.
وبينما قدم بركة ساكن عودته بوصفها استجابة لحنين شخصي إلى الأرض والأهل والأصدقاء، ودافع عن الحوار باعتباره طريقاً لإنهاء الحرب ومنع تكرارها، رأى منتقدوه أن مشاركته في اللجنة تضعه أمام أسئلة سياسية وأخلاقية تتعلق بالجهة التي تستضيف الحوار وشروطه ومآلاته.

 


وقال بركة ساكن، في منشور رداً على سؤال الموسيقار غاندي آدم عن سبب عودته، إنه عاد أولاً لأنه “كره الغربة تماماً” واشتاق إلى أسرته وأصدقائه وطرق بلاده وشجرها، وإلى مسقط رأسه ومدفن والدته وأجداده.
وكتب أن عودته “شخصية” في المقام الأول، لكنه ربطها أيضاً برغبته في المساهمة في حوار سوداني-سوداني، قائلاً إن السلاح لا ينهي الحرب ولا يأتي بسلام دائم، وإنه يؤمن بأن الحوار يمكن أن يكون سبيلاً إلى سلام دائم، وحكم مدني، وتجنب اندلاع حرب جديدة.
لكن هذا التفسير لم يغلق باب الأسئلة، بل فتح أبواباً أخرى.

“العودة ليست المشكلة”

الكاتب عاطف عبدالله قال إن أحداً لا يملك مصادرة حق بركة ساكن في العودة إلى بلاده، لكنه حذر من أن مكانة الكاتب ورصيده الجماهيري يمكن أن يجعلا مشاركته في أي مسار سياسي له دلالة تتجاوز موقفه الشخصي.
وكتب أن الخلاف، في رأيه، ليس حول “حق الطائر في العودة إلى عشه”، وإنما حول احتمال أن تتحول عودته إلى رصيد سياسي يمنح شرعية لسلطة أو حوار لا تتوافر له شروط الاستقلال والشمول.
أما الناقد والكاتب راشد مصطفى بخيت، فقد قال إن من حق بركة ساكن المشاركة في الحوار كما يرى، لكنه دعا إلى التمعن في بعض التناقضات بين مواقف الأمس واليوم، وما يمكن أن ينتج عن الحوار.
وقال إن الاختلاف “لا الشتيمة” هو ما ينبغي أن يحكم النقاش، مستشهداً بمرور 16 عاماً على غياب الكاتب عن السودان.
وفي الجهة الأخرى، رأى الشاعر الأصمعي باشري أن الحملة ضد بركة ساكن على وسائل التواصل الاجتماعي لا تبرر تحويل الخلاف السياسي إلى محاكمة لشخصه أو لمشروعه الأدبي.
وقال إن بركة ساكن ليس سياسياً محترفاً ولا ناشطاً حزبياً أو نقابياً، وإن من حقه اتخاذ موقف سياسي ومراجعته والدفاع عنه، مع ضرورة الفصل بين نقد موقفه السياسي والحكم على تجربته الإبداعية.
لكن باشري نفسه حذر من أن دخول المبدع في المؤسسات والتحالفات السياسية قد يجعله عرضة لأن يُقرأ من خلال مواقف تلك الجهات، بدلاً من أن يُقرأ من خلال مشروعه الأدبي.

من “الجنقو” إلى لجنة الحوار

 


أكثر الانتقادات حدة جاءت من الكاتبة والباحثة إشراقة مصطفى حامد، التي ربطت بين عالم بركة ساكن الروائي ومواقفه السياسية خلال الحرب.
وفي مقال حمل عنوان “ما بين ود أمونة وامرأة من كمبو كديس”، قالت إن الأدب لا ينفصل عن الموقف السياسي والأخلاقي، خاصة حين يستمد الكاتب أصوات شخصياته من المهمشين والمقهورين.
واستعادت حامد روايات وأعمالاً لبركة ساكن، من بينها “الجنقو مسامير الأرض” و”امرأة من كمبو كديس” لتطرح سؤالاً حول مدى اتساق الكتابة عن المهمشين مع مواقف الكاتب حين ينتقل من عالم الرواية إلى الواقع السياسي.
وقالت إن السؤال، في نظرها، لا يتعلق بحق بركة ساكن في العودة أو السعي إلى السلام، وإنما بالشروط التي يتم في ظلها ذلك، وبما إذا كان الحوار قادراً على تحقيق سلام عادل من دون العدالة الانتقالية والاستماع إلى ضحايا الحرب.
واعتبرت أن المفارقة تكمن في أن الكاتب الذي منح المهمشين أصواتاً في أعماله الأدبية قد يجد نفسه، في الواقع، أمام خيارات سياسية يرى منتقدوه أنها لا تنسجم مع تلك الأصوات.
وفي تعليق على المقال، ذهبت الكاتبة الصحفية رشا عوض إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن الموقف من طرفي الحرب يجب أن يكون متسقاً، وكتبت ( أن من يقف ضد الدعم السريع ينبغي أن يكون ضد الجيش والسلطة العسكرية أيضاً، والعكس.)

سؤال الموقف القديم

بعض الانتقادات ركزت على ما اعتبره أصحابها تغيراً أو تناقضاً في مواقف بركة ساكن منذ اندلاع الحرب.
وكتبت هادية إبراهيم أن ساكن انحاز في الأيام الأولى من الحرب إلى معسكر الجيش، بينما قال إسلام فتح الله إبراهيم إن بركة ساكن كان، في رأيه، من الأصوات الداعمة لاستمرار الحرب، متسائلاً كيف يمكن أن يكون الحوار المقترح طريقاً للسلام إذا لم يجمع الطرفين المتقاتلين لمناقشة وقف إطلاق النار والترتيبات اللازمة لإنهاء الحرب.
وهنا ظهرت إحدى أكثر نقاط الجدل حساسية هل يمكن لحوار سياسي أن يسبق وقف الحرب، أم أن الحوار نفسه يجب أن يكون جزءاً من عملية وقفها؟
بركة ساكن لم يقدم في منشوره إجابة تفصيلية عن هيكل الحوار أو أطرافه أو آليات وقف إطلاق النار، لكنه قال إنه عاد من أجل “حوار سوداني سوداني”، معتبراً أن التواضع والجلوس إلى طاولة واحدة يمكن أن يفعلا ما يبدو مستحيلاً.

 


“بلاش تجنيد للكراهيات”
وفي مقابل الانتقادات، دعا المخرج الطيب الصديق إلى تهدئة النبرة.
وقال إن بركة ساكن صديقه منذ ما قبل شهرته الأدبية وعضويته في لجنة الحوار، وإن عودته إلى السودان ولقاء أصدقائه وناسه ينبغي ألا يتحولا إلى مناسبة لتصفية الحسابات.
واختصر الصديق موقفه بعبارة “الناس تكبر دماغه.. وبلاش تجنيد للكراهيات”، قبل أن يرحب بعودة صديقه ويقول إن الرجل الذي قابله في أم درمان ما زال يحتفظ بضحكته وسخريته وجماله.
وكانت هذه ربما أكثر المواقف بساطة في النقاش: صديق يرى صديقه عائداً بعد 16 عاماً، بينما يرى آخرون في عودته حدثاً سياسياً لا ينفصل عن الحرب.

بين الطائر والعش والدبابير

السجال أنتج، في الوقت نفسه، قدراً من السخرية التي غالباً ما تظهر حين تصبح المناقشات جدية اكثر من اللازم.
بركة ساكن نفسه بدأ منشوره بسؤال : “وهل يُسأل الطائر لماذا يعود إلى عشه؟”
لكن طه الخليفة طه قلب الصورة، محذراً الكاتب من “عش الدبابير”، وداعياً إياه إلى الثبات على مواقفه، خاصة شعاري “العسكر للثكنات” و”الجنجويد ينحل”، قبل أن ينصحه بتجنب الكيزان والبرهان ومخططاته، وأن يتجنب أيضاً نيالا حتى لا يصادف المرفعين حاتم إلياس
وفي الطرف الآخر، لم تخلِ بعض التعليقات من اتهامات مباشرة، وصلت إلى التشكيك في مواقف الكاتب السابقة، بل وإلى تحميله مسؤولية سياسية وأخلاقية عن استمرار الحرب.
لكن بركة ساكن يبدو أنه اختار عدم الدخول في معركة الدفاع . ففي منشوره ركز على مشاهد اللقاءات في الشوارع، وعلى الناس الذين يتعرفون إليه ويحتضنونه ويتبادلون معه الدموع.
وقال إن تلك اللحظات تكفيه لتحمل الشتائم التي تصله على وسائل التواصل الاجتماعي.

فأنصار بركة ساكن يرون في عودته حقاً طبيعياً وفي مشاركته محاولة للمساهمة في وقف الحرب، بينما يرى منتقدوه دخل عش الدبابير عن عمد.