وجدي صالح: القوى المدنية تجنبت كشف معلومات للرأي العام خلال الفترة الانتقالية

الغد السوداني – حوار مصعب محمد علي

قال القيادي في حزب البعث العربي الاشتراكي (الأصل)، وجدي صالح، إن القوى السياسية والمدنية المناهضة للحرب قطعت شوطاً في توحيد مواقفها، وإن الإطار التنسيقي القائم بينها يمكن أن يتطور إلى تحالف سياسي، لكنه شدد على أن الأولوية الحالية هي وقف الحرب واستعادة المسار المدني والديمقراطي.

وقال صالح، في حوار مع «الغد السوداني»، إن الفترة الانتقالية لم تكن سلطة ثورية مكتملة، وإنما قامت على تسوية بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، على أساس أن تقود تدريجياً إلى سلطة مدنية كاملة. وأضاف أن العسكريين لم يلتزموا بهذا المسار، وعملوا على عرقلة الحكومة المدنية، بينما سعت قوى من النظام السابق إلى استعادة نفوذها داخل الدولة، وصولاً إلى انقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم اندلاع الحرب.

واتهم صالح قيادات عسكرية وفلول النظام السابق وقوى مرتبطة بها بعرقلة الانتقال الديمقراطي وإضعاف الحكومة المدنية، وقال إن بعض هذه القوى سعى إلى إقناع السودانيين بفشل التجربة المدنية وإعادة إنتاج النظام السابق. وأقر، في الوقت نفسه، بوجود إخفاقات في أداء القوى المدنية، معتبراً أن ملف العدالة كان أبرزها.

وقال إن وقف الحرب لا يمكن فصله عن العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، محذراً من أن تجاوز العدالة سيبقي أسباب الصراع قائمة. كما اتهم عناصر من النظام السابق والتمكين داخل النيابة والسلطة القضائية بعرقلة عدد من ملفات العدالة، وتحدث عن تعثر التحقيق في أحداث فض اعتصام القيادة العامة، وعدم إعلان لجنة التحقيق نتائجها قبل انقلاب أكتوبر 2021.

وكشف صالح أن القوى المدنية كانت تتجنب، خلال الفترة الانتقالية، كشف بعض المعلومات والوقائع للرأي العام، حفاظاً على الأمن والاستقرار وتفادياً لاندلاع حرب، وقال إن قوى الحرية والتغيير كانت تحاول، في بعض المراحل، احتواء الصراع ومنع انفجاره. وأضاف أن مراجعة تلك المرحلة تتطلب النظر في الملفات بصورة منفصلة، بما يشمل ما حققته القوى المدنية وما أخفقت فيه، وما قامت به القوى العسكرية وبقايا النظام السابق لإعاقة الانتقال.

ودعا صالح إلى مراجعة تجارب التحالفات السياسية السابقة، بما فيها قوى الحرية والتغيير و«تقدم» و«صمود»، قبل تشكيل تحالف جديد، وقال إن توحيد القوى المدنية يجب أن يستند إلى اتفاق على الأهداف والآليات والمشروع السياسي، مشيراً إلى أن إنهاء الحرب وإقامة سلام مستدام واستعادة المسار الديمقراطي تمثل الأولويات المشتركة للقوى المناهضة للحرب.

الغد السوداني: قلت في تصريح سابق إن القوى المنضوية تحت «إعلان المبادئ» ليست جبهة سياسية واحدة، وإنما تسعى إلى التحرك ككتلة واحدة. لكننا نرى اليوم أن هذه الكتلة تتحرك في منبر يضم قوى وشخصيات ذات مرجعيات ومواقف متباينة، مثل عبد الواحد محمد نور ومبارك الفاضل والمؤتمر الشعبي. كيف تفسر هذا الانتقال من مجرد تنسيق المواقف إلى الجلوس معاً حول تصور مشترك لمستقبل العملية السياسية؟ وهل نحن أمام كتلة تنسق مواقفها فقط، أم أن الحرب بدأت تدفع هذه القوى عملياً نحو إعادة تشكيل الخريطة السياسية السودانية؟

وجدي صالح: صحيح أن «إعلان المبادئ» كان نقلة في اتجاه تنسيق المواقف بين القوى السياسية والمدنية السودانية. وهو بالفعل ليس تحالفاً سياسياً، وإنما إطار تنسيقي جمع هذه القوى حول مبادئ جرى الاتفاق عليها، إلى جانب ميثاق ووثيقة تتعلق بالموقف من المؤتمر الوطني وواجهاته، وتصنيفه وعدم التعامل معه واستبعاده من أي عملية سياسية قادمة، حتى لا تتم مكافأته على إشعال الحرب، أو السماح له بأن يكون جزءاً من تشكيل المشهد السياسي من جديد.

وكانت أهمية «إعلان المبادئ» تتمثل أيضاً في أنه أفضى لاحقاً إلى الاتفاق على خارطة طريق. وقد توحدت مواقف هذه القوى حول كيفية وقف الحرب. نحن نتحدث هنا عن عملية سلام متكاملة، وليست مجرد عملية سياسية، فالعملية السياسية أحد مكونات عملية السلام.

وتقوم الخارطة على ثلاثة مسارات: الهدنة الإنسانية، ووقف إطلاق النار، والمسار السياسي. وهذه المسارات، وفق رؤية القوى التي توافقـت على «إعلان المبادئ»، ينبغي أن تسير بصورة متوازية.

لكن هناك نقطة مهمة في سؤالك تحتاج إلى توضيح. «إعلان المبادئ» إطار تنسيقي، وله آلية تنسيقية تنظم عمله، لكن حزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل والمؤتمر الشعبي ليسا جزءاً من «إعلان المبادئ».

بعد الاتفاق بين قوى «إعلان المبادئ» على هذه الوثائق، جرى عرض مواقفها على القوى المناهضة للحرب، ومن بينها حزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل، والمؤتمر الشعبي، إضافة إلى بعض الشبكات النسوية والشبابية والشخصيات الوطنية التي لم تكن جزءاً من «إعلان المبادئ»، بهدف توسيع دائرة التنسيق والاتفاق على موقف مشترك.

وبالفعل، عُقد اجتماع في أديس أبابا توصل إلى ما سُمي «ورقة الموقف المشترك»، وهي تعبر عن الموقف الموحد لهذه القوى، وقدمت هذه القوى موقفها إلى الآلية الخماسية.

وبالتالي، يمكن القول إن التنسيق بين قوى «إعلان المبادئ»، إلى جانب القوى الأخرى المناهضة للحرب، سواء كانت أحزاباً سياسية أو مؤسسات مجتمع مدني، أوجد موقفاً مدنياً موحداً تجاه الحرب وكيفية وقفها.

وهذه القوى لديها اليوم وثائق متوافق عليها تشكل خارطة طريق لوقف الحرب، واستعادة التحول الديمقراطي وتحقيق السلام الدائم، من خلال معالجة جذور المشكلة التي أشعلت هذه الحرب.

الغد السوداني: عندما نقول إننا نتحرك «ككتلة واحدة» ولسنا جبهة سياسية واحدة، أين تنتهي وحدة الموقف وأين تبدأ الخلافات؟

وجدي صالح: النقطة المهمة هي أن هذا التنسيق بين القوى السياسية والمدنية يقوم أساساً على هدف إيقاف الحرب. وفي ظل هذه الحرب، ليست هناك مساحة حقيقية للحديث عن المواقف الفكرية أو الصراع الأيديولوجي.

وأولوية الأولويات بالنسبة إلى كل هذه القوى، سواء كانت داخل «إعلان المبادئ» أو ضمن القوى المناهضة للحرب التي لم تصطف إلى جانب أي من طرفيها، هي وقف الحرب والشروع في عملية سلام حقيقية توقف القتال وتحقق الأمن والاستقرار في البلاد.

الغد السوداني: ما الفرق، في رأيك، بين المنبر السياسي والتحالف السياسي؟ ومتى يتحول المنبر من مساحة للحوار إلى مشروع سياسي؟

وجدي صالح: نحن نقول إننا نتحرك ككتلة واحدة في المواقف، ولسنا تحالفاً سياسياً بالمعنى التقليدي للكتل والتحالفات. وفي الوقت نفسه، نحن جبهة سياسية ذات رؤية مشتركة، ويجمعنا إطار تنسيقي يوحد هذه المواقف.

لكننا لسنا كتلة بالمفهوم التقليدي للتحالفات السياسية. فهذا إطار تنسيقي ليست لديه هياكل تنظيمية رأسية أو أفقية، وإنما لديه آلية تنسيقية تجمع هذه القوى وتنظم مواقفها وتطرحها بصورة موحدة.

وما توافقنا عليه هو الذي يشكل وحدة الموقف بيننا، ولا أعتقد أن هناك نقاطاً خلافية يمكن أن تفتت هذا الموقف المشترك.

أما الفرق بين الإطار التنسيقي والتحالف السياسي، فهو أن التحالف السياسي يكون مهيكلاً، ويجري الاتفاق فيه على عدد كبير من القضايا مسبقاً. أما نحن في هذا الإطار التنسيقي، فنتناول قضية بعد أخرى. بدأنا بإعلان المبادئ، ثم توافقنا على الميثاق، ثم على خارطة الطريق. وبالتالي، تزداد نقاط الاتفاق بمرور الوقت من خلال النقاش، وهذا ما يوحد الموقف تجاه القضايا المختلفة.

ومع ذلك، فإن مساحة الحوار ما زالت ممتدة، وهذا في حد ذاته مشروع سياسي. لا يمكن القول إن الإطار التنسيقي ليس مشروعاً سياسياً؛ فهو مشروع سياسي يجمع هذه القوى، وأول أهدافه وقف الحرب.

الغد السوداني: هل يمكن بناء تحالف سياسي حقيقي من دون اتفاق على سؤال فكري كبير، مثل: ما طبيعة الدولة السودانية التي نريدها؟

وجدي صالح: بالطبع، لا يمكن بناء أي تحالف سياسي حقيقي من دون الاتفاق على هذا السؤال الكبير: ما طبيعة الدولة التي نريدها، وما شكل الدولة التي نريد بناءها؟

وهذا السؤال أجاب عنه «إعلان المبادئ». وفي الإعلان الذي صدر في ديسمبر 2025، هناك كثير من القضايا التي تحتاج إلى نقاش. وقد وضعناها ضمن القضايا التي تم الاتفاق عليها داخل «إعلان المبادئ»، لكننا نطرحها أيضاً على القوى الأخرى خارج الإعلان، وكذلك على القوى المدنية التي لم تصطف إلى جانب أي من أطراف الحرب.

نطرح هذه القضايا باعتبارها مسائل ينبغي أن نتوافق عليها، ونطرح رؤيتنا بشأنها. وهذا جزء من تصورنا للسلام الذي نريده، والقضايا التي ينبغي أن يناقشها الحوار السوداني-السوداني.

الغد السوداني: هل تعتقد أن الحرب جعلت بعض الخلافات الأيديولوجية القديمة أقل أهمية أمام سؤال: كيف ننقذ الدولة السودانية؟

وجدي صالح: نعم، أتفق معك في أن الحرب جعلت بعض الخلافات الأيديولوجية أقل أهمية أمام أولوية إنقاذ الدولة وإيقاف الحرب.

ولذلك نكرر دائماً، في أحاديثنا ومقالاتنا ووثائقنا التي جرى التوافق عليها، أن أولوية الأولويات هي وقف الحرب.

ليس بالإمكان إدارة أي صراع أيديولوجي في ظل هذه الحرب، أو في ظل نظام ديكتاتوري، أو في ظل الانقلاب الذي وقع في 25 أكتوبر.

أولويتنا هي خلق البيئة التي يمكن فيها إدارة هذه التباينات والاختلافات الأيديولوجية، وإدارة الصراع الأيديولوجي المشروع، وكذلك الصراع حول البرامج السياسية.

لذلك فإن وقف الحرب هو أولوية الأولويات بالنسبة إلينا، سواء في «إعلان المبادئ» أو في إطار القوى المناهضة للحرب.

الغد السوداني: وهل تعتقد أن القوى السودانية أخطأت تاريخياً عندما حاولت أن تبدأ من سؤال «من يحكم؟» بدلاً من سؤال «أي دولة نريد أن نبني؟»

وجدي صالح: هذا حديث يتردد كثيراً، وهو أن القوى السياسية كانت تفكر في «من يحكم». لكننا، كقوى سياسية، لم نتحدث عن «من يحكم» بهذا المعنى، وإنما كنا نتحدث عن كيفية حكم السودان، وما صيغة الحكم التي نريدها.

القوى السياسية تسعى إلى الحكم، وهذا أمر مشروع. وهذه هي طبيعة القوى السياسية: أن تعمل من أجل إقناع أكبر عدد من الجماهير والمواطنين بتبني مشروع أو برنامج سياسي، حتى تتمكن من الحكم وتنفيذ هذا البرنامج من خلال الانتخابات.

أما اختزال المسألة في سؤال «من يحكم»، وكأن الأمر يتعلق بمن يحكم بوصفه شخصاً، فهو تبسيط للقضية. السؤال الحقيقي هو: كيف يُحكم السودان؟ وما البرنامج الذي سيُحكم من خلاله؟

الغد السوداني: أنت أحد أبرز وجوه تجربة قوى الحرية والتغيير، ثم أصبحت جزءاً من «إعلان المبادئ». ما الذي تعلمته من تجربة الحرية والتغيير؟

وجدي صالح: ما استفدته من تجربة قوى الحرية والتغيير وما تعلمته منها هو أن العمل المشترك، والتوافق على القضايا، ووحدة الهدف، عوامل تقود دائماً إلى النجاح.

ولذلك، عندما نتحدث عن «إعلان المبادئ»، فإننا نتحدث عن عمل مشترك وإطار تنسيقي نتج عن حوار هادئ ومتدرج.

وأعتقد أن ما يمكن قوله هو أننا لا نستطيع إخراج البلاد من أزمتها إلا بتوحدنا كقوى سياسية ومدنية، والتوحد حول الهدف، وكذلك التوافق على الوسائل التي يمكن من خلالها تنفيذ هذه الأهداف والوصول إليها.

وهذه هي أهم نقطة إذا أردنا إحداث تغيير حقيقي، أو إذا أردنا إيقاف هذه الحرب اللعينة التي تمثل أولوية الأولويات بالنسبة إلينا وبالنسبة إلى الشعب السوداني.

الغد السوداني: هل كان شعار «لا شراكة مع العسكر» كافياً، أم أن المشكلة كانت أعمق من ذلك؟

وجدي صالح: بالطبع، شعار «لا شراكة مع العسكر» شعار حقيقي وصحيح. ونحن تعلمنا أيضاً دروس التجربة السابقة مع العسكريين وقيادتهم، وأدركنا أنهم لا يحفظون عهداً، وأن إحداث التحول الديمقراطي ليس من أولوياتهم ولا من أهدافهم.

هدفهم الأساسي هو تمكين قياداتهم والسيطرة على الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية؛ أي إنهم يريدون امتلاك كل شيء وإدارة كل شيء.

تجربة الاتفاق الذي تم مع العسكريين في عام 2019 تؤكد ذلك. فقد انقلب العسكريون على مسار الثورة قبل الاتفاق من خلال مجزرة فض الاعتصام، ثم انقلبوا على الاتفاق نفسه بانقلاب 25 أكتوبر 2021.

هذه التجربة تؤكد أن هذه العقلية لم تتغير، وبالتالي فإن إعادة الشراكة مع العسكريين تعني إعادة تجربة سبق اختبارها. وكما يقول المثل: «من جرب المجرب حاقت به الندامة».

وأعتقد أن التجربة السابقة تؤكد أن المناداة بالسلطة المدنية الكاملة وسيطرة القوى المدنية على مؤسسات الدولة كافة، بما فيها الأجهزة الأمنية والعسكرية، هي الحل الذي يمكن أن يقود البلاد إلى بر الأمان ويوقف هذه الحرب.

هذه الحرب أشعلها العسكريون، وكذلك فلول النظام القديم ومن لهم مصلحة في إعاقة التحول الديمقراطي، وهو التحول الذي قطع الطريق أمام ثورة ديسمبر لتحقيق أهدافها.

لذلك يجب أن نواصل المسير والنضال من أجل تحقيق أهداف ثورة ديسمبر المجيدة، وهذا الشعار لا يزال مرفوعاً لدى قوى الثورة.

الغد السوداني: تخشون أن يتحول شعار «لا للحرب» إلى موقف أخلاقي جميل، لكنه بلا أدوات سياسية لإيقاف الحرب؟

وجدي صالح: بالطبع، شعار «لا للحرب» ليس فقط موقفاً أخلاقياً، وإنما هو أيضاً موقف سياسي صحيح، وله أدوات سياسية لإيقاف الحرب.

هناك من يقول إن هذا الشعار جميل، لكنه لا يمتلك الأدوات. لكننا، كقوى سياسية ومدنية في «إعلان المبادئ»، توافقنا على خارطة طريق تشكل المسار نحو سلام دائم في البلاد.

عملية السلام في السودان تتضمن الأدوات والخطوات التي يمكن أن تنهي الحرب وتحقق السلام. الأدوات موجودة، والخطوات معروفة ومتوافق عليها، وبالتالي لا يمكن القول إن شعار «لا للحرب» بلا أدوات.

لدينا أدوات سياسية، وقد جرى توضيحها في خارطة الطريق التي توافقـت عليها قوى «إعلان المبادئ»، وكذلك في «الموقف المشترك» الذي توافقـت عليه القوى المناهضة للحرب، والتي لم تصطف إلى جانب أي من طرفي الحرب.

وقد تم التوافق على هذا الموقف في أديس أبابا، وهو الموقف الذي قُدم، بما يتضمنه من أدوات وتفاصيل، إلى الآلية الخماسية في 12 أكتوبر 2026.

الغد السوداني: ما الذي بقي من ديسمبر في وجدانك السياسي، وما الذي سقط منك خلال هذه السنوات؟

وجدي صالح: ديسمبر ثورة عظيمة، وشكلت وجداناً غالباً لدى الشعب السوداني. ولم يسقط من أهدافها وشعاراتها شيء.

كل ما رفعته ثورة ديسمبر لا يزال حاضراً في وجداننا السياسي والأخلاقي، وسنسير في هذا الدرب حتى نحقق أهداف هذه الثورة العظيمة، من خلال توافقنا وقوتنا واتفاقنا على الأدوات التي تمكننا من تحقيق هذه الأهداف والوصول إليها.

ثورة ديسمبر ثورة عظيمة، وستظل عظيمة، وستبقى تشكل وجدان الشعب السوداني.

الغد السوداني: تقول إنكم لستم تحالفاً سياسياً بالمعنى التقليدي، لكنك تقول في الوقت نفسه إنكم «جبهة سياسية ذات رؤية مشتركة»، وإن الإطار التنسيقي نفسه «مشروع سياسي». ما الذي يمنع هذا المشروع، عملياً، من أن يتحول إلى تحالف سياسي؟ وهل عدم تسميته تحالفاً يتعلق بطبيعته التنظيمية فعلاً، أم بحساسية بعض القوى تجاه الظهور في تحالف سياسي جديد؟

وجدي صالح: الوصول إلى التحالف السياسي يتطلب مجموعة من الخطوات، من بينها الاتفاق على الأهداف. وقد وصلنا، إلى حد كبير، إلى اتفاق حول عدد كبير من الأهداف، وكذلك إلى تفاهم حول الآليات التي يمكن من خلالها تحقيقها.

والتحالف السياسي، في تقديري، هو تتويج لعملية التنسيق وزيادة حجم التفاهم بين مكونات هذه الأطر التنسيقية التي تجمع القوى السياسية والمدنية. وبالطبع، هناك قوى لا تريد الانتقال بصورة متعجلة إلى تحالف سياسي جديد، وإنما تفضل الإبقاء على إطار تنسيقي مرن يجمع هذه القوى ويتيح لها تحقيق أهدافها المشتركة.

وهناك حاجة حقيقية إلى دراسة تجربة التحالفات السياسية السابقة طوال تاريخ السودان، وصولاً إلى تجربة قوى الحرية والتغيير والتحالفات التي نشأت بعد الحرب، سواء الجبهة المدنية لوقف الحرب واستعادة الديمقراطية، أو «تقدم» أو «صمود» وغيرها من التحالفات.

لا بد من دراسة هذه التجارب واستخلاص الدروس والعبر منها، وتعزيز الإيجابيات ومعالجة السلبيات. وعندها يمكن أن نصل إلى تحالف يقوم على الثقة والتوافق حول أهدافه وأدواته وآلياته وإطاره التنظيمي.

لذلك أقول إن التحالفات ليست غاية في حد ذاتها، ولا يمكن الوصول إليها بصورة متعجلة أو عبر تجاوز بعض المراحل. التحالفات تمر بمراحل، وأعتقد أننا نسير في هذا الطريق.

وأريد أن أؤكد أن الوحدة بالنسبة لنا هي وحدة المشروع. وأعتقد أن أولوية القوى السياسية والمدنية التي لم تصطف إلى جانب أي من أطراف الحرب هي وقف الحرب، وتحقيق السلام الدائم، واستعادة المسار الديمقراطي في البلاد.

وهناك نقطة جوهرية أخرى، هي التأكيد على وحدة السودان شعباً وأرضاً. وهذا من الثوابت في أي عمل تنسيقي بين هذه القوى، إلى جانب المحافظة على استقلال السودان وسيادته الوطنية.

وأنا أقول إننا نستطيع تحقيق أهدافنا حتى في إطار الآليات التنسيقية. ويمكن القول إن القوى السياسية والمدنية أصبحت، إلى حد كبير، موحدة، خاصة بعد الخارطة التي توافقت عليها قوى «إعلان المبادئ» مع القوى المناهضة للحرب التي لم تصطف إلى جانب أي من أطرافها، والتي لم تكن جزءاً من «إعلان المبادئ».

وأعتقد أن هذه تمثل غالب القوى السياسية وغالب أبناء الشعب السوداني المتطلعين إلى السلام والحرية والعدل.

الغد السوداني: تقول إن السؤال ليس «من يحكم؟» وإنما «كيف يحكم السودان؟». لكن في الواقع، طبيعة القوى التي ستصل إلى السلطة تؤثر بالضرورة في كيفية الحكم. ألا يصبح السؤالان، إذن، مترابطين؟ ومن يملك حق تحديد القوى التي ستشارك في الحكم الانتقالي أو المرحلة السياسية المقبلة؟

وجدي صالح: نعم، السؤالان مترابطان. طبيعة القوة السياسية المتحالفة، أو طبيعة القوى السياسية التي تتوافق على برنامج موحد، هي التي تحدد كيف سيُحكم السودان.

أما من يملك تحديد القوى التي ستشارك في الحكم الانتقالي أو المرحلة السياسية المقبلة، فبالطبع هو الشعب السوداني، من خلال قواه السياسية المنظمة، وقوى المجتمع المدني، والتنظيمات النقابية والمهنية.

هذه القوى مجتمعة هي التي تشكل الجهة التي تحدد طبيعة القوى التي ستشارك والبرنامج الذي سيتم تنفيذه. فوحدة البرنامج هي التي تجمع هذه القوى، وبشكل أو بآخر تعبّر عن مكونات المجتمع السوداني وتطلعاته.

وثورة ديسمبر المجيدة وأهدافها هي الأساس، وهي البوصلة التي ينبغي أن يُقاس بها من يشارك في الفترة الانتقالية، ومن يساهم في تأسيس المرحلة السياسية المقبلة التي تمهد لتداول سلمي للسلطة وإقامة الديمقراطية في السودان.

وفي النهاية، ينتخب الشعب السوداني من يريد، وهذه هي إرادته. ونحن نتطلع إلى الوصول إلى ذلك في أقصر فترة ممكنة.

الغد السوداني: إذا كانت الأولوية وقف الحرب، فأين تضعون العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات؟ وهل يمكن أن تقبلوا بتسوية سياسية تتطلب تأجيل العدالة أو استثناء بعض الأطراف منها مقابل إنهاء الحرب؟

وجدي صالح: وقف الحرب من أولوياتنا، والعدالة في مقدمة ما نعمل من أجل تحقيقه. وقد أكدنا جميعاً، في القوى المناهضة للحرب، ضرورة عدم إفلات أي من مرتكبي الجرائم والانتهاكات التي وقعت أثناء هذه الحرب أو قبلها من المحاسبة والعقاب.

وأي حديث عن تأجيل العدالة باعتبار أن وقف الحرب هو الأولوية، أقول فيه إن وقف الحرب أولوية، ولكن الحرب لن تتوقف بصورة مستدامة من دون عدالة، ومن دون تضميد للجراح وإنصاف للضحايا وذويهم.

لذلك نقول إن العدالة ووقف الحرب طريق واحد. فإذا لم تتحقق العدالة، فإن الإحساس بالظلم سيظل قائماً، وستستمر الحروب في بلادنا.

وهناك العدالة الجنائية، وهناك العدالة الانتقالية، ويجب أن نصل، كسودانيين، بمختلف توجهاتنا وفئاتنا الاجتماعية وأحزابنا السياسية، إلى صيغة متوافق عليها بشأن العدالة الانتقالية التي نتطلع إليها، بما يمكن أن يشفي الجراح، ويحقق العدالة، ويعيد ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

وهذه مسألة مهمة؛ فالعدالة شرط أساسي لتحقيق السلام في بلادنا.

الغد السوداني: هناك كثير من السودانيين يشعرون أن الصورة التي وصلتهم عن الفترة الانتقالية كانت ناقصة، وأن جزءاً كبيراً من القرارات والمساومات كان يحدث بعيداً عنهم. إذا قررت اليوم أن تكشف للرأي العام السوداني شيئاً واحداً مما كان يحدث خلف الكواليس ولم يكن الناس يعرفونه، ماذا ستكشف؟

وجدي صالح: هناك آراء تقول إن الفترة الانتقالية كانت فاشلة، لكن الحكم عليها بصورة مطلقة غير صحيح. الفترة الانتقالية لم تكن فاشلة بالمطلق، كما أنها لم تكن ناجحة بالمطلق.

هناك قضايا وملفات حققت فيها الحكومة الانتقالية أو السلطة الانتقالية المدنية بعض الإنجازات، كما أخفقت في عدد من القضايا، وكانت قضية العدالة من أبرز نقاط الضعف في تلك الفترة.

لكن لا يمكن إصدار هذه الأحكام من دون قراءة السياق الذي تشكلت فيه السلطة الانتقالية. فهي لم تكن سلطة الثورة بالكامل، لأن الثورة لم تحقق كل ما كانت تطمح إليه. كان هناك اتفاق بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير، قبلت بموجبه قوى الحرية والتغيير بوجود أعضاء عسكريين ضمن السلطة الانتقالية، مع وضع ضوابط على ذلك، على أساس أن تتحقق أهداف الثورة بصورة تدريجية، وأن ننتقل بعد ذلك إلى سلطة مدنية حقيقية وتنفيذ أهداف ثورة ديسمبر المجيدة.

وكان هذا قائماً على افتراض أن العسكريين سيتخلون عن طموحاتهم وتطلعاتهم السياسية، أو أنهم قبلوا فعلاً بهذا التغيير. لكن الحقيقة أنهم لم يكونوا كذلك، بل أصبحوا معيقين لتحقيق أهداف الفترة الانتقالية.

لم يكتفوا بما نصت عليه الوثيقة الدستورية، وإنما عملوا بطرق مختلفة على إعاقة الحكومة المدنية عن تحقيق أهدافها، ومهّدوا في نهاية الأمر للانقلاب، بعد أن فشلوا في دفع الشعب إلى الثورة على الحكومة المدنية من خلال ما قاموا به من إجراءات، بما في ذلك إغلاق الموانئ ومحاولات التضييق على المواطنين.

لكن السودانيين كانوا أكثر إيماناً بثورتهم وبأنهم في طريقهم إلى تحقيق أهدافها، ولذلك وقع انقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي أدخل البلاد في الأوضاع المأساوية التي نعيشها اليوم، ومهّد للحرب التي فتتت النسيج الاجتماعي وأضعفت البلاد وسيادتها.

ولا أتحدث هنا عن كل ما كان يدور خلف الكواليس، وإنما أقول حقيقة أراها أساسية: القوى الانقلابية من العسكريين بشقيهم، إلى جانب فلول النظام القديم، ومن ارتبطوا بهم بمصالح، بما في ذلك بعض الحركات التي وقعت على اتفاق جوبا، كانوا جميعاً من القوى التي أعاقت استقرار الفترة الانتقالية.

عملت هذه القوى على جعل الفترة الانتقالية غير مستقرة، وإقناع المواطنين بأن هناك فشلاً كبيراً وأن السلطة المدنية فشلت، بينما إذا نظرنا إلى كل ملف على حدة سنجد بعض الإخفاقات، ولكننا سنجد أيضاً إنجازات لا يمكن تجاهلها.

والحقيقة أن هذه القوى كانت تريد إعادة إنتاج النظام القديم، بما يضم فلول المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية والمرتبطين بها بمصالح اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية.

والفترة الانتقالية، التي لم تتجاوز العامين إلا بقليل، شهدت صراعاً بين المدنيين، وصراعاً بين المدنيين والعسكريين بشقيهم، وصراعاً أيضاً بين العسكريين أنفسهم.

ولهذا كانت فترة صعبة، ولم يستطع المدنيون خلالها كشف كل ما كان يجري، لأن تقديرهم كان يقوم على الحفاظ على أمن البلاد واستقرارها، خشية أن تصل البلاد إلى مرحلة من الشد والجذب يمكن أن تشتعل معها الحرب.

وكانت قوى الحرية والتغيير قد نجحت مرتين في إخماد احتمالات اندلاع الحرب، لكنها فشلت في المرة الثالثة، لأن طموحات العسكريين بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021 ازدادت بصورة كبيرة، كما وجدت فلول النظام والمؤتمر الوطني طريقها إلى إشعال الحرب وإعادة تشكيل الواقع بما يمكن أن يعيدها إلى السلطة.

الغد السوداني: لماذا عجزت الحكومة الانتقالية عن الوصول إلى المسؤولين عن قتل المتظاهرين، خصوصاً في أحداث فض اعتصام القيادة العامة؟ ومن كان يعطل التحقيقات فعلياً؟

وجدي صالح: عجزت الحكومة الانتقالية بالفعل عن الوصول إلى المسؤولين عن قتل المتظاهرين، سواء خلال ثورة ديسمبر المجيدة أو في جريمة فض اعتصام القيادة العامة.

وكانت هناك أسباب متعددة لذلك. فليس كل الملفات المتعلقة بالجرائم والقتل التي ارتكبها نظام المؤتمر الوطني وأجهزته الأمنية وفلول النظام القديم وصلت إلى المحاكم، بسبب وجود معوقات كثيرة.

ومن بين هذه المعوقات النيابة العامة، التي كان فيها تمكين كبير، وكذلك السلطة القضائية. ولا يمكننا أن نبرر ذلك أو نتجاهله. لقد كان هناك تمكين داخل السلطة القضائية وتمكين داخل النيابةهناك تمكين داخل السلطة القضائية وتمكين داخل النيابة العامة، ولذلك لم تكن النيابة العامة جادة في الوصول إلى مرتكبي هذه الجرائم.
إضافة إلى ذلك، كانت هناك لجنة التحقيق في فض اعتصام القيادة العامة، التي شُكلت وفقاً لما نصت عليه الوثيقة الدستورية برئاسة نبيل
وعضوية آخرين.
لكن هذه اللجنة، حتى قيام انقلاب 25 أكتوبر 2021، لم تعلن نتائج تحقيقاتها، ولم نعرف بصورة واضحة ما الذي كان يعوقها. كانت تصدر أحياناً تصريحات بأنها في طريقها إلى استكمال التحقيق، وأن هناك ملفات أو جوانب فنية تحتاج إلى مزيد من التحقق، وهذا أمر مفهوم في سياق التحقيقات، لكن النتيجة النهائية أنها لم تعلن نتائجها حتى لحظة الانقلاب.
ونحن كنا من الذين أدلوا بشهاداتهم أمام اللجنة، وقدمنا المعلومات التي نعرفها وسردنا الوقائع التي شهدناها في ساحة الاعتصام. كما أدلى عدد كبير من قيادات ثورة ديسمبر بأقوالهم أمام اللجنة.
لكن للأسف، رأينا بعد الانقلاب أن رئيس اللجنة أصبح أيضاً جزءاً من الذين يتعاملون مع العسكريين، الذين يفترض أن يكون بعض قادتهم ضمن دائرة المسؤولية والتحقيق.
ووفقاً لما هو معروف في القانون بشأن مسؤولية القيادة، فإن القائد يمكن أن يتحمل المسؤولية عن الجرائم التي ارتكبت تحت قيادته، سواء أصدر الأوامر مباشرة أو كان يعلم بارتكاب الجريمة ولم يتخذ الإجراءات اللازمة لإيقافها أو محاسبة مرتكبيها.
وهذا كله يضع ملف العدالة في موقع بالغ الأهمية. ولذلك أكرر أن العدالة مرتبطة بالسلام، ولا يمكن تحقيق سلام مستدام من دون تحقيق العدالة.
كما أن ما نراه الآن من عمل سياسي لرئيس لجنة التحقيق، وما يقوم به من أدوار تساهم في ترسيخ سلطة الأمر الواقع، ودخوله في ما يسمى بلجنة تهيئة الحوار، يجعله جزءاً من المشهد السياسي للسلطة القائمة.
وبالتالي لا يمكن أن نتوقع من هذه اللجنة، في ظل هذه الظروف، أن تصل إلى نتائج يمكن أن تقود إلى تحقيق العدالة.
لكن العدالة آتية ولو بعد حين. وإذا لم تكن تلك اللجنة قادرة على إكمال مهمتها، فإننا قادرون بعد وقف الحرب على تشكيل آليات تضم أشخاصاً أكفاء ومستقلين، يستطيعون الوصول إلى الحقيقة بإرادة سياسية واضحة ومستقلة، وبهدف واحد هو تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا.