حبيب البلد عندما كان لنا بلد نباهي به ونفتخر
الممشى العريض
خالد أبو شيبة يكتب. .
في صحيفة “حبيب البلد” عندما كان لنا بلد نلوذ به ونباهي ونفتخر وعندما كانت كرة القدم تمنحنا أسباب الفرح وكانت لنا أحلام كبيرة تدفعنا إلى الاستمرار في الحياة وصناعة المجد كانت الدنيا “طيبة” كانت أكثر رحابة وكانت قلوبنا أكثر قدرة على الفرح رغم كل ما فيها من أوجاع كانت أيام العمالقة الكبار صلاح إدريس وجمال الوالي وكمال شداد أياماً اختلفنا فيها كثيراً لكننا كنا نتعايش ونلتقي ونتجادل ثم نعود لنضحك معاً وكأن خلافاتنا لم تكن سوى تفاصيل صغيرة في وطن كبير يتسع للجميع.
كانت للسعادة طقوسها البسيطة لمة الأصدقاء ونسة الصحاب ومشاهدة التلفاز والاستماع إلى الأغنيات التي تسكن الروح ولا تغادرها. كانت الدنيا بخير أو هكذا تبدو لنا الآن ونحن ننظر إلى تلك الأيام من شرفة الحزن ونكتشف كم كنا أغنياء بأشياء لم نكن نعرف قيمتها إلا بعد أن فقدناها.
كانت البلاد تنبض بالحياة والهلال يملأ الدنيا ضجيجاً ومجداً يتصدر أحاديث الصحف والمحطات التلفزيونية وتتناقل أخباره القنوات العالمية ويصبح حديث خبراء اللعبة. وكانت “حبيب البلد” أكثر من مجرد صحيفة كانت وطناً صغيراً وسوداناً مصغراً يجتمع تحت سقفها ابن الشمال وابن الشرق وابن الوسط وابن الغرب تجمعنا المهنة وتوحدنا المحبة وتربط بيننا تفاصيل حياة لم نكن نتصور أن يأتي يوم نفتقدها فيه بهذا القدر من الوجع.
وفي إحدى ليالي رمضان بعد الإفطار تسمرنا حول التلفاز لمتابعة برنامج “أغاني وأغاني” الذي كان يقدمه العملاق الراحل السر قدور وكان ضيف الحلقة الفنان الكبير حمد الريح.. يا الله… كم كان لحمد الريح مكان خاص في داخلي! كنت أحفظ أغنياته وأعرف شعراءها وملحنيها وحتى مناسباتها وأحمل في ذاكرتي حكاية تكاد تكون خاصة مع كل أغنية من أغنياته كنت أظن أنني بلغت من العشق لهذا الفنان مبلغاً لا يصل إليه أحد ولم أكن أعرف أن بين زملائي في “حبيب البلد” دراويش في محراب حمد الريح يفوقونني جنوناً وأن للرجل في دواخلهم مملكة لا تقل اتساعاً عن مملكته في دواخلي.
بدأ حمد الريح يغني فإذا بالمكان يتحول إلى شيء آخر لم نعد مجرد مجموعة من الصحفيين اجتمعوا لمشاهدة برنامج تلفزيوني صرنا أرواحاً معلقة بصوت رجل يعرف كيف يأخذك من ضجيج الدنيا إلى سكينة بعيدة وكيف يعيدك إلى نفسك وإلى ذكرياتك وإلى وطنك الذي تحبه حتى وأنت تختلف معه.. غنى “الساقية” وغنى “الظروف يا حلوة دائماً” وغنى “مريا” وغنى “حمام الوادي” فكانت كل أغنية تفتح نافذة في الذاكرة وكل مقطع يصحي فينا شيئاً نائماً.. ارتفعت الأصوات مرددة خلفه وتداخلت الضحكات مع الانفعالات وانطلقنا في حالة من الطرب العميق كأننا نريد أن ننتزع من الزمن لحظات إضافية وكأننا كنا نشعر دون أن ندري بأن بعض اللحظات لا تتكرر وأن بعض الليالي ستصبح ذات يوم كل ما نملك من عزاء.
لم تكن تلك مجرد سهرة غنائية عابرة كانت صورة لوطن كان يسكننا ونسكنه وذاكرة لزمن كانت فيه البساطة تصنع السعادة وكان الفن يجمعنا دون أن يسأل أحدنا الآخر عن جهته أو قبيلته أو لونه أو انتمائه. كانت أغنيات حمد الريح أكبر من ألحان وكلمات كانت جسوراً تمتد بين أطراف السودان وتجمع ما تفرقه المسافات وتؤكد أن لهذا الشعب قلباً واحداً مهما تعددت أوجاعه واختلفت حكاياته.
لقد وحّد حمد الريح الوجدان السوداني كما فعل مصطفى سيد أحمد ومحمد وردي وسيد خليفة وأحمد المصطفى وكابلي والموصلي وعبد القادر سالم وغيرهم من أولئك الكبار الذين لم يكونوا مجرد مطربين بل أصحاب قضايا حملوا السودان في أصواتهم ومنحوا الناس ما هو أبقى من الأغنية منحونا ذاكرة مشتركة وأحاسيس نتقاسمها ووطناً نلتقي فيه ولو افترقت بنا الدروب.
واليوم حين نستعيد تلك الأيام لا نحزن على حمد الريح وحده بل نحزن على أشياء كثيرة رحلت برحيله وعلى وطن تمزق وبيوت تفرقت وأصدقاء باعدت بينهم الحرب وأيام كانت تجمعنا حول شاشة صغيرة بينما صرنا اليوم نبحث عن بعضنا في المنافي وقروبات الواتساب ونحاول أن نطمئن على من تبقى لنا من أحبة.
من كان يتخيل أن يأتي يوم تصبح فيه تلك اللمة حلماً بعيداً؟ من كان يتصور أن تتحول تفاصيل حياتنا العادية إلى ذكريات موجعة وأن يصبح الحديث عن صحيفة جمعتنا وأغنيات ردّدناها وليلة رمضانية ضحكنا فيها من أعماق قلوبنا استدعاءً لزمن يبدو كأنه ينتمي إلى حياة أخرى؟
الأشد إيلاماً أننا لم نفقد الأشخاص والأماكن وحدها بل فقدنا شيئاً من روح الحياة نفسها. فقدنا ذلك الإحساس بأن الغد يحمل أملاً وأن في هذه البلاد متسعاً للحلم وأن بإمكاننا أن نختلف في كرة القدم ~والسياسة ثم نجلس معاً لنطرب لصوت حمد الريح.
أما الفن فقد صار الغث فيه يطغى على الثمين وغابت عن كثير من المشهد الغنائي الرسالة التي حملها العمالقة وأصبح الضجيج في أحيان كثيرة أعلى من الموهبة والمظهر أعلى من المضمون. وصارت أغنيات الكبار تُستدعى أحياناً في تجارب لا تمنحها حقها من الفهم والإحساس وكأننا نكتفي بترديد الكلمات بينما تضيع أرواحها ومعانيها.
لسنا ضد الجديد ولا نريد للفن أن يتوقف عند زمن مضى لكننا نحزن حين لا نجد في الجديد ما يحمل شعلة أولئك الذين جعلوا من الغناء وجداناً ورسالة ومن اللحن جسراً للمحبة ومن الكلمة مرآة لإنسان هذا البلد.
رحم الله حمد الريح ورحم السر قدور ورحم كل الذين منحونا أياماً جميلة دون أن يطلبوا منا شيئاً سوى أن نصغي ونحب ونحلم.. رحم الله زمناً كانت فيه “حبيب البلد” تجمعنا وكانت الأغنية تعيدنا إلى بعضنا وكان الوطن رغم كل شيء قادراً على أن يمنحنا سبباً للفرح.
أما نحن فقد أصبحنا نحمل في صدورنا صور تلك الليالي وأصوات أولئك الراحلين وأسماء الأصدقاء الذين فرقتنا عنهم الحرب وحنيناً لا يعرف طريق العودة.
يا حمد الريح لو تعلم كم نحتاج اليوم إلى أغنياتك! لو تعلم كم نحتاج إلى “الساقية” وإلى “مريا” وإلى صوت يعيد إلينا شيئاً من أنفسنا ويقنعنا بأن السودان الذي أحببناه لم يضع كله وأن هذه البلاد التي أوجعتها الحرب ما زال ممكناً أن تنهض وأن تسترد صوتها وابتسامتها.
رحم الله حمد الريح ورحم الفن الأصيل ورحم أياماً كانت الحياة فيها حياة وكان للبلد وجدان وللكلمة معنى وللأغنية قضية وربنا يجبر كسر البلد… ويجمع شمل أهلها ويرد إلينا وطناً ضاع منا ونحن نظن أننا نملك متسعاً من الوقت لنفرح به.
