حين تنكر الحكومة المجاعة ويصرخ الجوعى

مهدي داود الخليفة يكتب ..

لم يعد الموت في السودان يأتي من القصف والرصاص وحدهما؛ فهناك موت بطيء يفتك بالأطفال والنساء والنازحين والمزارعين، اسمه الجوع. وفي الوقت الذي تتزايد فيه التحذيرات من اتساع انعدام الأمن الغذائي، خرجت وزارة الخارجية والتعاون الدولي في الخرطوم، يوم 26 أكتوبر 2026، ببيان تصف فيه الوضع الغذائي بأنه (مطمئن) ، وتؤكد أن السودان لم يشهد مجاعة، مستندة إلى المخزون الاستراتيجي والعمليات الزراعية الجارية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أيُّ وضع غذائي مطمئن هذا الذي تعجز فيه ملايين الأسر عن توفير احتياجاتها الأساسية؟ وأيُّ مخزون استراتيجي يطمئن المواطنين إذا كانت الأسواق تعاني ارتفاع الأسعار، والمزارع يواجه الجفاف وانعدام المدخلات، والجوع يطرق أبواب البيوت حتى في العاصمة الخرطوم؟

إن إنكار الأزمة لا يطعم جائعاً، والبيانات الرسمية لا تستطيع حجب واقع تؤكده معاناة المواطنين والشواهد الميدانية والتحذيرات الإنسانية.

إن أخطر ما في بيان الخارجية ليس حديثه عن المخزون الاستراتيجي، بل محاولته تقديم صورة عامة مطمئنة تتناقض مع التحذيرات المتعلقة بمناطق واسعة من البلاد. فقد حذّر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، وفق المعلومات الواردة في التقارير المشار إليها، من تنامي مخاطر المجاعة في أجزاء من دارفور وكردفان، حيث تتداخل الحرب والنزوح والجفاف وتعطّل الإنتاج الزراعي.

وتشير التقديرات الإنسانية المتداولة إلى أن نحو 19.5 مليون سوداني يعانون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، بينما يواجه ملايين آخرون ظروفاً تقترب من مستويات الطوارئ. كما أن الأطفال دون الخامسة يدفعون ثمناً بالغ القسوة نتيجة سوء التغذية ونقص الرعاية الصحية.

ولا تقتصر الأزمة على المعسكرات والقرى البعيدة؛ فقد أصبحت مظاهر العوز الغذائي واضحة حتى في الخرطوم، حيث أنهكت الحرب مصادر دخل الأسر، وتعطلت الأعمال، وتراجعت القدرة الشرائية، وارتفعت تكاليف المعيشة إلى مستويات لا تستطيع قطاعات واسعة من المواطنين مجاراتها.

ومن الضروري التمييز بين إعلان المجاعة وفق المعايير الفنية الدولية وبين وجود جوع واسع النطاق وانعدام حاد للأمن الغذائي. فعدم إعلان المجاعة رسمياً في منطقة معينة لا يعني أن الناس يحصلون على الطعام، ولا ينفي وقوع كارثة إنسانية تستوجب التدخل العاجل.

حين نتحدث عن الجوع، لا يكفي أن نسأل عن وجود الطعام في المخازن والأسواق؛ بل يجب أن نسأل: من يستطيع شراءه؟

لقد تجاوز سعر صرف الدولار، وفق التقديرات المتداولة في السوق خلال هذه الفترة، حاجز عشرة آلاف جنيه سوداني. وإذا استمرت الحرب، وتراجع الإنتاج، وتعطلت الصادرات، واتسع الإنفاق العسكري على حساب الخدمات والإنتاج، فإن تقديرنا أن الدولار قد يقترب من خمسة عشر ألف جنيه قريبا،

إن استمرار تدهور العملة يرفع تكلفة استيراد القمح والوقود والأسمدة والأدوية، ويزيد أسعار السلع المحلية التي تعتمد على النقل والطاقة والمدخلات المستوردة. وهكذا يصبح الطعام موجوداً في بعض الأسواق، لكنه خارج متناول الأسر التي فقدت دخولها أو تآكلت مدخراتها.

فالأمن الغذائي لا يُقاس بحجم المخزون وحده، وإنما بتوافر الغذاء وإمكان الوصول إليه والقدرة على شرائه واستمرار الحصول عليه. وهذه معايير لا يمكن تجاوزها بخطاب سياسي متفائل.

لا يمكن فصل الأزمة الغذائية عن الجفاف وشح الأمطار وتراجع الإنتاج الزراعي. فالمزارع الذي غاب عنه المطر أو نزح من أرضه لا يستطيع الإنتاج بمجرد إعلان الحكومة أنها اتخذت التدابير اللازمة. إنه يحتاج إلى الأمن، والبذور، والأسمدة، والوقود، والتمويل، والأسواق، وطرق آمنة لنقل المحاصيل.

الحرب دمّرت جانباً من البنية الإنتاجية، ودفعت أعداداً كبيرة من السكان إلى النزوح، ورفعت تكلفة المدخلات، وأضعفت قدرة الدولة على تقديم الخدمات ودعم الإنتاج. وفي ظل هذه الظروف، فإن الحديث عن العمليات الزراعية الجارية لا يكفي لإثبات أن الاحتياجات الغذائية ستُلبّى؛ إذ ينبغي نشر بيانات موثوقة عن المساحات المزروعة، وتوقعات المحاصيل، وحجم المخزون القابل للتوزيع، وأسعار الغذاء، والمناطق التي لا تصلها المساعدات.

لايبدو ان موت المدنيين سواء بالحرب او الجوع يحظي باهتمام بيان الخارجية الذي يحاول تصوير الدعوات إلى الهدنة الإنسانية باعتبارها مشروعاً سياسياً يهدف إلى إنقاذ قوات الدعم السريع ومنحها فرصة لإعادة تنظيم صفوفها. غير أن هذا الطرح لا يجيب عن السؤال الأهم: كيف يمكن إنقاذ المدنيين الذين يموتون جوعاً الآن؟

إن المطالبة بوقف القتال أو فتح الممرات الإنسانية لا تعني تبرئة أي طرف من الانتهاكات، ولا تمنح أي قوة مسلحة حصانة من المساءلة. فجرائم الحرب والانتهاكات التي ترتكبها القوات المسلحة أو قوات الدعم السريع أو غيرهما يجب التحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون.

كما أن رفض استخدام الغذاء سلاحاً في الحرب ينبغي أن يكون التزاماً عملياً يشمل جميع الأطراف، لا مجرد اتهام متبادل. فالمساعدات الإنسانية ليست امتيازاً تمنحه السلطة لمن تشاء، بل ضرورة لحماية المدنيين، وينبغي السماح بوصولها بصورة آمنة وسريعة ومن دون تمييز أو عوائق تعسفية.

إن واجب الحكومة ليس الدفاع عن صورتها السياسية، بل حماية المواطنين وتوفير شروط الحياة الكريمة لهم. وإذا كانت تمتلك مخزوناً استراتيجياً كافياً، فعليها أن تكشف حجمه ومواقع توزيعه وآليات وصوله إلى المحتاجين، وأن تتيح تقييماً مستقلاً للأوضاع الغذائية، بدلاً من الاكتفاء بنفي المجاعة واتهام الآخرين بتسييسها.

ونطالب بفتح الممرات الإنسانية، وتأمين وصول الإغاثة إلى جميع المناطق، ودعم المزارعين والمدخلات الزراعية، وحماية الأسواق والمنشآت الإنتاجية، وتمويل الاستجابة الإنسانية، والضغط الجاد لوقف الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية تنهي معاناة السودانيين.

إن الجوع ليس مؤامرة سياسية، والطفل الذي ينام بلا طعام لا تعنيه بيانات النفي، والمواطن في الخرطوم الذي يعجز عن شراء احتياجات أسرته لا ينتظر جدلاً حول المصطلحات. ما يحتاج إليه هو الغذاء والأمن والسلام.

لا يمكن لحكومة أن تنكر المجاعة إلى الأبد إذا كانت شواهد الجوع تتسع أمام أعين الناس. ولا يمكن بناء نصر عسكري على أنقاض المجتمع، أو الحفاظ على الدولة بتجويع شعبها. إن إنقاذ السودان يبدأ بالاعتراف بحجم الكارثة، والاستجابة لها بصدق، وإيقاف الحرب التي تدفع البلاد نحو الهاوية.