السودان يختنق بالجوع والحرب..العسكر والكيزان في مواجهة إرادة الشعب وحلم الدولة المدنية
إيهاب الأمين يكتب..
لم تعد مأساة السودان مجرد انهيار في سعر العملة أو ارتفاع في أسعار السلع بل أصبحت معركة يومية من أجل البقاء يخوضها ملايين المواطنين في مواجهة الجوع والفقر والنزوح وانعدام أبسط مقومات الحياة ففي الوقت الذي تتصاعد فيه أصوات المدافع تتعالى صرخات الأمهات العاجزات عن إطعام أطفالهن ويقف الآباء أمام الأسواق بجيوب خاوية عاجزين عن توفير الخبز والدواء لأسرهم وقد شهدت العديد من المدن احتجاجات على التدهور المتسارع للأوضاع المعيشية والانهيار المتواصل للجنيه السوداني وقد تجاوز سعر الدولار الواحد حاجز عشرة آلاف جنيه وأضرم المحتجون إطارات السيارات على الطريق الرئيسي الرابط بين بورتسودان ومدن أخرى تعبيراً عن غضبهم من واقع لم يعد يحتمل بينما اختصر هتاف أحدهم (لا نريد الموت جوعاً) مأساة شعب يواجه حرباً تستنزف وطنه وتسرق مستقبله.
وفي الخرطوم ومدن سودانية أخرى تتفاقم أزمات الوقود وغاز الطهي وترتفع أسعار الخبز واللحوم والخضروات والسلع الأساسية إلى مستويات تفوق قدرة كل الأسر عدا الكيزان وتضرب الأسواق حالة من الركود وتتراجع حركة البيع والشراء حتى أصبح الحصول على وجبة يومية تحدياً حقيقياً وفي سوق أم درمان وصف أحد الناشطين المشهد بأنه شلل كامل لا بيع ولا شراء أما التجار فقد أصبحوا بين مطرقة انهيار الجنيه وسندان تراجع القدرة الشرائية وقال احد التجار في منطقة الكلاكلة إن التقلبات المستمرة في الأسعار وتوقف حركة البيع يدفعان التجار نحو الإفلاس إذ لم يعد شراء البضائع اليوم يضمن بيعها غداً دون خسائر. لكن خلف هذه الأرقام تقف مأساة إنسانية أعمق أطفال شردتهم الحرب وانقطعت بهم سبل التعليم وحرم كثيرون منهم من الغذاء والأمان وأسر فقدت منازلها ومصادر رزقها وأمهات لم يعدن يعرفن كيف يسكتن جوع الصغار إنها أجيال تدفع ثمن حرب لم تخترها ومستقبل يتعرض للتدمير بينما تتواصل المعارك بلا أفق واضح لنهايتها وفي مواجهة هذه الكارثة يصر الجيش وخلفه الكيزان الذين يمثلون حاضنة سياسية للحكم العسكري البائس على مواصلة الحرب في وقت تتراجع فيه قدرة الدولة على توفير احتياجات المواطنين الأساسية وبدلاً من أن تكون الأولوية لوقف القتال وإنقاذ الاقتصاد وإعادة النازحين إلى ديارهم يظل الشعب أسير صراع على السلطة يدفع ثمنه من أمنه وقوته ومستقبل أبنائه.
ولا تنفصل الأزمة عن الجدل المتصاعد بشأن عودة عناصر النظام السابق إلى مواقعهم في مؤسسات الدولة والخدمة المدنية وإداراتها بعد قرارات سقيمة اتخذتها سلطة عبد الفتاح البرهان ألغت بها ما فعلته حكومة الثورة وقد أوضح هذا الرجوع استعادة الكيزان نفوذهم داخل أجهزة الدولة وإعادة إنتاج منظومة الولاءات الحزبية التي أضعفت المؤسسات العامة كما يظل مصير الأموال والممتلكات التي عملت لجنة إزالة التمكين على استردادها قضية تستوجب الشفافية والمساءلة وضمان إرجاع ما نهبه الكيزان إلى الشعب وإيداع الأموال العامة المستحقة في خزينة الدولة ووزارة المالية بدلاً من تحويلها إلى موضوع للصراع السياسي فالسودان لا يحتاج إلى إعادة تدوير منظومة الحكم السابق بل إلى مؤسسات مستقلة تخدم المواطنين وموارد توجه إلى الغذاء والتعليم والصحة وإعادة الإعمار ولا يمكن بناء دولة عادلة ما دامت الخدمة المدنية قد عادت نهباً للكيزان وما دام المال العام محاطاً بالكيزان واللصوص والأسئلة التي لا تجد إجابات واضحة والأشد خطورة أن تترافق هذه الأزمات مع محاولات لتضييق مساحة التعبير عن الرأي فقد أكدت التعديلات القانونية المتداولة والانتقادات المتعلقة بتشديد العقوبات على بعض الجرائم المصنفة ضد الدولة من توظيف القانون لإسكات المعارضين وبعض هذه العقوبات قد تصل إلى الإعدام وإذا عومل التعبير السلمي عن رفض الحكم العسكري باعتباره جريمة فإن السلطة لا تعالج أسباب الغضب الشعبي بل تضيف إلى الجوع والخوف قيداً جديداً على الحرية.
لقد أسقط السودانيون أنظمة عسكرية في ثورات وانتفاضات متعاقبة وقدموا التضحيات من أجل الحرية والسلام والعدالة ولم تكن ثورتهم من أجل استبدال سلطة عسكرية بأخرى ولا من أجل أن يصبح المواطن متهماً لأنه يطالب بالخبز أو بحقوقه أو ينتقد الحرب أو يرفض الاستبداد وتطلع الشعب إلى الحكم المدني الديمقراطي ليس مطلباً ثانوياً بل أساس لبناء دولة تقوم على سيادة القانون والتداول السلمي للسلطة واحترام الحقوق وتمنع إعادة إنتاج الحروب والانقلابات.
إن الأزمة السودانية ليست قدراً محتوماً ولا يمكن حلها بمزيد من القتال أو القمع فوقف الحرب وحماية المدنيين وضمان وصول الغذاء والدواء وإعادة الأطفال إلى المدارس ومحاسبة المسؤولين عن انتهاكات المال العام وصيانة حرية التعبير تمثل خطوات ضرورية لاستعادة ثقة المواطنين وبناء مستقبل مختلف.
لقد بات السودان أمام سؤال لا يحتمل التأجيل هل تكون الأولوية لحياة الشعب وحقه في اختيار من يحكمه أم تستمر معركة السلطة بينما تتهاوى مقومات الحياة؟ فالنصر الحقيقي ليس في السيطرة على المدن بل في إنقاذ الإنسان وإعادة الأمن إلى البيوت وإطعام الأطفال وفتح المدارس واستعادة كرامة المواطن وستظل صرخة (لا نريد أن نموت جوعاً) شهادة على فشل كل سلطة تتجاهل معاناة شعبها وتضع حسابات الحكم فوق حق الناس في الحياة والسودان الذي يستحقه أبناؤه ليس وطناً يحكمه الخوف وتتقاسمه مراكز النفوذ وافراد الكيزان المفسدين بل دولة مدنية ديمقراطية يكون فيها الشعب مصدر السلطة وتكون فيها حياة المواطن وكرامته وحقوقه فوق كل اعتبار.
