الجرتق السوداني: حين يحمل المغتربون والوطن في الذاكرة
السيدة مقبولة مهدي الخليفة شريف نموذجاً لصون التراث السوداني في زمن الحرب واللجوء
مهدي داود الخليفة يكتب..
في بلدٍ أنهكته الحرب، وتفرّق أبناؤه بين مخيمات اللجوء ومدن الاغتراب ومنافي العالم، تبدو المحافظة على العادات والتقاليد المتوارثة أكثر من مجرد حنين إلى الماضي؛ إنها وسيلة لصون الهوية، وحماية الذاكرة الجماعية، والتشبث بخيوط الانتماء إلى وطنٍ فرّقت الحرب أبناءه، لكنها لم تستطع أن تنتزع من قلوبهم محبته أو تمحو ملامحه من وجدانهم.
ومن بين هذه التقاليد العريقة، يبرز الجرتق السوداني بوصفه أحد الطقوس المميزة للأفراح والزواج في السودان، بما يحمله من ألوان وأحجار وزينة وأغانٍ ودلالات اجتماعية وثقافية توارثتها الأجيال. وفي هذا السياق، تستحق السيدة مقبولة مهدي حسين شريف الإشادة والتقدير، فقد استطاعت أن تحوّل شغفها بالأحجار الكريمة إلى حرفة تسهم في الحفاظ على هذا الموروث، وتنقله من أم درمان إلى مصر، ومنها إلى أسر سودانية في مختلف أنحاء العالم.
بدأت رحلة مقبولة مع الجرتق قبل أكثر من عشرين عاماً في حي العباسية بأم درمان، متأثرةً بحب والدتها للأحجار الكريمة. وما بدأ هوايةً تمارسها في تزيين الحرير بالأحجار الملونة لأقاربها وجيرانها وصديقاتها، تطوّر مع مرور الزمن إلى عمل متقن يجمع بين الذوق الفني والمعرفة بالتقاليد السودانية.
لكن الحرب والنزوح أضفيا على تجربتها بُعداً إنسانياً وثقافياً جديداً. فقد غادر كثير من السودانيين بلادهم على عجل، تاركين وراءهم بيوتهم ومقتنياتهم، ولم يتمكنوا من اصطحاب مستلزمات الجرتق التي يحتاجون إليها لإحياء مناسبات الزواج وفقاً لعاداتهم. وهنا برز دور السيدة مقبولة، التي وفّرت لهم ما يحتاجون إليه من الحُليّ والزينة، ولم تكتفِ بصناعة القطع، بل حرصت على شرح مراحل الطقس، وملابس العروسين، ودلالات العناصر المصاحبة له.
وامتد عملها إلى كندا والولايات المتحدة وسويسرا وإنجلترا ودبي وغيرها، لتصبح مشغولاتها جسراً يربط السودانيين في المهجر بتراثهم، ويتيح لهم الاحتفاء بمناسباتهم وفقاً لما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم.
إن قيمة هذه التجربة لا تكمن في جمال الأحجار وتناسق الألوان وحدهما، وإنما في الإصرار على إبقاء تقليد سوداني حيّاً في ظروف استثنائية، حين أصبح الحفاظ على أبسط مظاهر الحياة الاجتماعية جزءاً من معركة أوسع ضد النسيان والتشتت.
ولعل الدور الذي تقوم به مقبولة يذكّرنا بالدور التاريخي الذي اضطلعت به الأسر السودانية العريقة في حفظ العادات والتقاليد ونقلها من جيل إلى آخر. ففي البيوت السودانية، كانت الجدات والأمهات يحملن ذاكرة المجتمع، ويعلّمن الأبناء والبنات تفاصيل المناسبات الاجتماعية، وما يرتبط بها من ملابس وأغانٍ وطقوس وتعبيرات متوارثة.
ولم تكن هذه المعرفة تُكتسب من الكتب وحدها، بل تنتقل بالمشاهدة والمشاركة والممارسة، وتترسخ عبر المناسبات العائلية التي تجمع الأجيال. وهكذا ظلّ التراث حاضراً في الحياة اليومية، لا بوصفه حكايات عن الماضي، بل باعتباره جزءاً من هوية المجتمع وطرائق تعبيره عن الفرح والتكافل والانتماء.
غير أن الحرب والنزوح والهجرة تفرض تحديات جديدة؛ فقد ينشأ أطفال سودانيون في بلدان بعيدة عن قراهم ومدنهم، ولا تتاح لهم فرص الاحتكاك المباشر بالبيئة التي نشأ فيها آباؤهم وأجدادهم. ومن هنا تتعاظم مسؤولية الأسر في تعريف الأجيال الجديدة بموروثها، وتعويدها المشاركة في المناسبات التقليدية، وشرح المعاني التي تقف وراء مظاهرها.
ولا يعني ذلك تجميد التراث أو منع تطوره، بل المحافظة على جوهره، وإتاحة الفرصة لكل جيل كي يتعرّف إليه ويجدّد علاقته به، من دون أن يفقد صلته بجذوره.
الجرتق أكثر من زينة العرس. تتجلى خصوصية الجرتق في اجتماع عناصر متعددة تمنحه طابعه السوداني المميز؛ من الحرير والأحجار، وفي مقدمتها المرجان الأحمر والفيروز واليسر والعقيق الأسود، إلى الأغنيات والمستلزمات المصاحبة للطقس، ومنها (الكشّح) التي تضم التمر والحلوى والحبوب، وترتبط في الذاكرة الشعبية بمعاني الفرح والرزق والوفرة.
وتكتسب هذه العناصر معناها الحقيقي من السياق الاجتماعي والثقافي الذي يحتضنها، ومن الذكريات التي تربطها بالأسر والمناسبات. وحين يُقام الجرتق خارج السودان، فإنه لا يستعيد مظهراً احتفالياً فحسب، بل يعيد خلق مساحة من الألفة، ويمنح السودانيين فرصة للشعور بأن شيئاً من وطنهم ما زال حاضراً بينهم.
بل إن هذه المناسبات قد تتحول إلى فرصة لتعريف الأصدقاء والأقارب من غير السودانيين بالثقافة السودانية، فتغدو الألوان والأغنيات مدخلاً للتعارف والتبادل الثقافي، وتصبح الأسرة سفيرة لتراثها في المجتمع الذي تعيش فيه.
إن تجربة السيدة مقبولة مهدي شريف تستحق أن تُقرأ في إطار أوسع من قصة نجاح فردية؛ فهي مثال على الدور الذي يستطيع الأفراد والأسر القيام به لحماية التراث في أوقات المحن. فمثلما يحتاج السودان إلى إعادة بناء ما دمرته الحرب من بيوت ومؤسسات، يحتاج أيضاً إلى صون ذاكرته الثقافية والاجتماعية، لأنها جزء أصيل من نسيجه الوطني.
والإشادة بمقبولة هي، في الوقت نفسه، تحية لكل أمّ وجدة وأسرة سودانية ما زالت تحرص على تعليم أبنائها عاداتهم، وتروي لهم حكايات الأجداد، وتفتح أمامهم أبواب المشاركة في تقاليدهم، أينما كانت إقامتهم.
لقد تفرّق السودانيون بين البلدان، لكنهم لم يتخلّوا عن حقهم في الفرح، ولا عن رغبتهم في الاحتفاظ بما يميزهم. ومن أم درمان إلى القاهرة، ومنهما إلى مدن العالم، يواصل الجرتق رحلته، حاملاً ألوانه وأغنياته وذكرياته.
فالأوطان لا تسكن الجغرافيا وحدها؛ إنها تسكن أيضاً في الذاكرة، وفي عادات الناس، وفي الطقوس التي يورّثونها لأبنائهم. وما دامت الأسر السودانية تحافظ على تراثها، وما دام هناك من أمثال مقبولة مَن يكرّس جهده لصونه ونقله، فستظل جذور السودان حية، مهما اشتدت الحرب وطال النزوح واتسعت المسافات.
