مناوي ومليشيات الدولة… هل الخلاف على السلاح أم على من يحمل
نبض قلم
عادل تاج الدين جار النبي يكتب..
أثارت تصريحات السيد مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور ورئيس حركة تحرير السودان، بشأن دعم الدولة للمنشقين عن قوات الدعم السريع، جملة من التساؤلات حول طبيعة التحالفات العسكرية القائمة، ومستقبل المؤسسة العسكرية، وحدود العلاقة بين الدولة والحركات المسلحة. وهي تصريحات لا يمكن قراءتها بمعزل عن تاريخ طويل من التناقضات التي لازمت إدارة السلطة والسلاح في السودان، حيث ظلت الدولة تستعين بالمليشيات لمعالجة أزماتها، قبل أن تتحول تلك المليشيات نفسها إلى أزمات تهدد وجودها.
من حيث المبدأ، لا خلاف على وجاهة التحذير من إعادة إنتاج قوات موازية للجيش، فقد دفع السودان ثمناً باهظاً لسياسات التسليح خارج المؤسسات النظامية. وتجربة الدعم السريع، بما انتهت إليه من حرب مدمرة، تقف شاهداً على خطورة تحويل الجماعات المسلحة إلى أدوات للسلطة، ثم تركها تنمو حتى تصبح سلطة تنازع الدولة سيادتها. غير أن المفارقة في خطاب مناوي تكمن في أنه يصدر عن قائد حركة مسلحة لا تزال تحتفظ بقواتها وقيادتها المستقلة، الأمر الذي يفتح الباب أمام سؤال مشروع: هل الاعتراض على وجود المليشيات من حيث المبدأ، أم على ظهور مليشيات جديدة قد تنافس القوى المسلحة القائمة؟
وهنا تتجاوز المسألة مجرد الخلاف حول المنشقين عن الدعم السريع، لتلامس صراعاً أعمق على النفوذ والموارد ومواقع القوة داخل التحالف العسكري الراهن. فمن المحتمل أن يكون القلق من تسليح مجموعات جديدة مرتبطاً بالخوف من اختلال موازين القوى، بقدر ارتباطه بالحرص على وحدة المؤسسة العسكرية. ولا يمكن الجزم بهذه الدوافع دون أدلة، لكن طبيعة المشهد السوداني تجعل هذا الاحتمال جديراً بالتأمل، خصوصاً أن السلاح ظل، في كثير من مراحل تاريخنا السياسي، وسيلة للحصول على النفوذ والاعتراف والمشاركة في السلطة.
ولعل أخطر ما في هذه التصريحات أنها تعيد إلى الواجهة السؤال الذي ظل مؤجلاً منذ الاستقلال: من يملك حق حمل السلاح باسم الدولة؟ فقد تعاقبت الحكومات والأنظمة، وتبدلت الشعارات والتحالفات، بينما بقي النهج ذاته قائماً على استخدام القوة المسلحة في إدارة الخلافات السياسية. وهكذا، بدلاً من بناء جيش وطني مهني يحتكر السلاح وفق الدستور والقانون، اتسعت دائرة التشكيلات العسكرية وتعددت ولاءاتها، حتى أصبح لكل أزمة جيش، ولكل تسوية قوة مسلحة تنتظر نصيبها من السلطة.
ومع ذلك، فإن رفض تمويل المنشقين لا ينبغي أن يتحول إلى رفض لعودتهم إلى المجتمع أو اندماج المؤهلين منهم في المؤسسات النظامية. فثمة فرق جوهري بين استقبال أفراد يتخلون عن التمرد ويخضعون للقانون والمساءلة، وبين إعادة تجميعهم في تشكيلات مستقلة تُموَّل من خزينة الدولة. الأول قد يسهم في تفكيك بنية الحرب، أما الثاني فيهدد بإعادة إنتاجها تحت أسماء جديدة. ولا بد هنا من التمييز بين من لم تثبت عليه جرائم ومن يتحمل مسؤولية انتهاكات تستوجب المحاسبة، إذ لا يجوز أن يصبح الانشقاق صكاً للبراءة، كما لا يجوز أن تتحول العضوية السابقة وحدها إلى إدانة جماعية.
إن مصداقية خطاب مناوي لا تُقاس بحدة عباراته أو قوة اعتراضه، وإنما باستعداده لتبني المبدأ نفسه على الجميع، بما في ذلك قوات حركته وسائر الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش. فلا يستقيم أن نرفض تعدد الجيوش حين يهدد مصالحنا، ثم نقبله حين يوفر لنا النفوذ والحماية. كما لا يمكن الحديث عن دولة القانون بينما تظل القوة العسكرية وسيلة للتفاوض السياسي، وتبقى التسويات محكومة بموازين السلاح أكثر من احتكامها إلى إرادة المواطنين.
والخروج من هذه الدائرة لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مشروع وطني واضح لإصلاح القطاع الأمني، يبدأ بوقف إنشاء التشكيلات المسلحة الموازية، وحصر السلاح تحت سلطة الدولة، ووضع برنامج مهني وقانوني لدمج المؤهلين وتسريح غير المؤهلين وإعادة تأهيلهم، وصولاً إلى جيش وطني واحد يخضع لقيادة مؤسسية وسلطة مدنية دستورية. فالمطلوب ليس تجريد طرف من سلاحه ليحتفظ به طرف آخر، وإنما إنهاء الامتياز السياسي الذي يمنحه السلاح لحامليه.
لقد كشفت الحرب الراهنة أن الدولة التي تستقوي بالمليشيات تضعف نفسها بيدها، وأن السلاح الذي يُمنح اليوم لحليف قد يتحول غداً إلى أداة تهدد الدولة والمجتمع معاً. ومن هنا، فإن تصريحات مناوي، مهما اختلفنا حول دوافعها، تتيح فرصة لإعادة طرح القضية من جذورها، بدلاً من اختزالها في خلاف عابر بين شركاء الحرب.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يواجه به السودانيون جميع قادتهم، عسكريين ومدنيين وحركات مسلحة: هل نريد وطناً يحكمه القانون وتحميه مؤسسة عسكرية واحدة، أم ساحة تتقاسمها البنادق وتتنازعها الولاءات؟
فمأساة السودان لم تكن يوماً في أسماء المليشيات وحدها، بل في عقلية سياسية ظلت تصنعها ثم تشكو من تغوّلها، وتسلحها ثم تخشى تمردها. وما لم تتغير هذه العقلية، فلن يكون إسقاط مليشيا سوى تمهيد لظهور أخرى، ولن يكون انتهاء حرب إلا استراحة قصيرة قبل حرب جديدة.
فالسودان لا يحتاج إلى مليشيات جديدة تحمي الدولة، بل إلى دولة حقيقية لا تحتاج إلى المليشيات.
