من داكار.. دعوات للتحقيق في اتهامات استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية

الخرطوم/ الغدالسوداني- أثارت الاتهامات الموجهة إلى الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب اهتماماً واسعاً في اجتماعات حقوقية إفريقية ودولية بالعاصمة السنغالية داكار، وسط دعوات لإجراء تحقيق دولي مستقل وشفاف، بالتنسيق مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، للتحقق من الأدلة وتحديد المسؤوليات المحتملة.

وجاءت هذه الدعوات خلال جلسة خاصة ناقشت تطورات الحرب في السودان، نظمها التحالف الإفريقي «ائتلاف السودان» على هامش الدورة التاسعة والثمانين للمفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، بمشاركة ممثلين عن منظمات حقوقية ومدافعين عن حقوق الإنسان، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين.

 

وأعربت ليتا موسيامي، عضو المفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب وعضو البعثة الإفريقية لتقصي الحقائق بشأن السودان، عن اهتمام المفوضية والبعثة بالاتهامات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية، ووصفتها بالخطيرة، مؤكدة ضرورة التعامل معها بجدية وإخضاعها للتحقيق الفني المستقل.

 

وشددت موسيامي على أهمية التنسيق مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية للاستعانة بالخبرات المتخصصة في فحص الأدلة والتحقق من طبيعة المواد المستخدمة، بما يضمن التعامل مع القضية وفقاً للمعايير الدولية ذات الصلة.

 

دعوات لمساءلة الأطراف الخارجية

 

ولم تقتصر مناقشات الجلسة على الاتهامات المتعلقة بالأسلحة الكيميائية، بل امتدت إلى التدخلات الخارجية في الحرب السودانية ودورها في تعقيد الصراع وإطالة أمده، إلى جانب الانتهاكات الجسيمة التي طالت المدنيين.

 

وحذر السفير علي بن أبي طالب، مندوب السودان الأسبق لدى الأمم المتحدة في جنيف ونائب رئيس مجلس حقوق الإنسان السابق، من اتساع نطاق التدخلات الخارجية، مشيراً إلى تورط أكثر من 12 دولة وجهة خارجية في النزاع، بدرجات وأشكال مختلفة.

 

وانتقد مشاركون ما وصفوه بازدواجية المعايير في التعامل مع التدخلات الخارجية، محذرين من أن إدانة بعض الأطراف وتجاهل أدوار أخرى قد يحول الأزمة السودانية إلى ساحة للصراعات السياسية والإقليمية، بدلاً من التركيز على معالجة أسباب الحرب وحماية المدنيين.

 

ودعا بن أبي طالب إلى اعتماد مقاربة شاملة تتناول مختلف أشكال التدخل الخارجي دون انتقائية، مع إعطاء الأولوية لوقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بعيداً عن المصالح والحسابات السياسية.

 

مطالب بتحقيق فني مستقل

 

من جانبه، استعرض عبد الباقي جبريل، مدير مركز السودان للمعرفة في جنيف، خلفيات النزاعات المسلحة في السودان وتطوراتها، مشيراً إلى الانتهاكات التي شهدتها الحرب الحالية، ومحملًا طرفي النزاع مسؤولية الانتهاكات التي طالت المدنيين.

 

وتناول جبريل الاتهامات الموجهة إلى الجيش السوداني باستخدام الأسلحة الكيميائية، داعياً إلى التعامل معها بوصفها قضية تتصل بحظر أسلحة بموجب القانون الدولي، وليس مجرد ملف مرتبط بالتجاذبات السياسية والعسكرية.

 

وأكد ضرورة إجراء تحقيق مستقل وشفاف يفحص الأدلة والوثائق والشهادات المتاحة، ويتحقق من طبيعة المواد التي يُشتبه في استخدامها، ويحدد المسؤوليات المحتملة استناداً إلى نتائج فنية موثوقة.

 

كما دعا إلى التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بدلاً من الاكتفاء بالنفي الرسمي أو التحقيقات الداخلية التي تجريها السلطات في بورتسودان.

 

واستشهد جبريل بمواقف أمريكية وغربية طُرحت خلال اجتماعات المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، قال إنها شددت على ضرورة التعامل الجاد والشفاف مع الاتهامات وتوفير المعلومات اللازمة للتحقق منها.

 

وتأتي المناقشات في داكار في أعقاب تقارير وتحقيقات صحفية تناولت مزاعم استخدام مواد كيميائية خلال الحرب، من بينها اتهامات تتعلق بذخائر تحتوي على الكلور. ولا تزال هذه المزاعم بحاجة إلى تحقق فني مستقل يميز بين الادعاءات والقرائن المتاحة والنتائج المثبتة علمياً.

اهتمام إفريقي متزايد بملف السودان

وانطلقت الفعاليات المصاحبة للدورة التاسعة والثمانين للمفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في داكار، الخميس، بافتتاح منتدى المنظمات غير الحكومية الذي ينظمه المركز الإفريقي للديمقراطية ودراسات حقوق الإنسان، بمشاركة منظمات مجتمع مدني ومدافعين عن حقوق الإنسان ومؤسسات حقوقية إفريقية.

وأعلن المركز تسجيل أكثر من 400 منظمة للمشاركة في المنتدى، الذي شهد حضور رئيس المفوضية الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب إدريسا سو، والمديرة التنفيذية للمركز هانا فوستر، وممثلين عن الحكومة السنغالية، بينهم وزير العدل الذي ألقى كلمة الدولة المضيفة.

ومن المقرر أن تستمر الجلسات العلنية للدورة خلال الفترة من 12 إلى 21 أكتوبر الجاري، وسط اهتمام متزايد بتداعيات الحرب السودانية والانتهاكات المبلغ عنها بحق المدنيين.

ويضع النقاش بشأن الأسلحة الكيميائية ملف السودان أمام اختبار حقوقي وقانوني مهم، يتمثل في مدى القدرة على إخضاع الاتهامات لتحقيق مهني مستقل، بعيداً عن الاستقطاب السياسي، وضمان محاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات تثبتها الأدلة.