نساء السودان بين تهمة التعاون وحصانة القتلة

نفيسة حجر تكتب …
في زنزانة ضيقة بسجن النساء في أم درمان تجلس امرأة في العقد الثالث من عمرها تنتظر مصيرها المجهول قبل الحرب كانت تبيع الشاي في حي شعبي لتعول اطفالها وحين دخلت قوات الدعم السريع لم تنزح حيث لم يكن معها تكلفة الانتقال والايجار فبقيت تقاوم الفقر وحين تغيّرت السيطرة وجاء الجيش وجدت نفسها على رأس قائمة جاهزة للاتهام بالتعاون مع العدو وهذا لمجرد أنها لم تنزح كغيرها.

وفي الجهة الأخرى من البلاد داخل سجن كوريا على أطراف نيالا تجلس امرأة أخرى لم تحمل سلاحًا في حياتها بل كانت كل غايتها تدبير لقمة العيش لأسرتها فالان تواجه اتهامًا بالتعاون مع الجيش وتُحتجَز في عنبر مكتظ بينما ينام طفلها الأصغر على الأرض الباردة.

هاتان السيدتان تفصل بينهما آلاف الكيلومترات لكن يجمعهما قدر واحد ففي الخرطوم التهمة هي التعاون مع الدعم السريع وفي نيالا التهمة هي التعاون مع الجيش وفي الحالتين لم تفعلا شيئًا سوى أنهما حاولتا البقاء في بلد يتمزق بايدي ابنائه ما تناولته ليست روايات متداولة ولا شهادات يتيمة بل وقائع موثقة لدى جهات حقوقية سودانية ومنظمات دولية من بينها هيئة محامي دارفور تظل تفاصيلها محفوظة في ملفات مغلقة حمايةً للضحايا والشهود وذويهم في ظل سلطتين تتعاملان مع كل شاهد باعتباره متهمًا محتملًا.

ولنفهم العبث الذي وصلنا إليه يجب أن نتذكر كيف بدأت هذه الحرب في أبريل 2023 لم يكن المواطن البسيط يملك أي قراءة سياسية لما سيحدث ولم يكن يعلم أن مجرد بقائه في بيته سيتحول بعد أشهر إلى جريمة جنائية فالنساء اللواتي يقفن اليوم أمام المحاكم لم يملكن ثمن مغادرة مناطق النزاع وسط ارتفاع جنوني في تكاليف السفر والمعيشة فبقين يمارسن أبسط المهن للبقاء لتتفاجأ الواحدة منهن لاحقًا بأن هذا البقاء جرى تفسيره على أنه تعاون.

الأسوأ أن هذه الاتهامات لا تستند إلى أساس قانوني سليم فعبارة التعاون ليست جريمة محددة الأركان في القانون الجنائي بل غطاء فضفاض جرى استدعاؤه من المادتين 50 و51 من القانون الجنائي لعام 1991 ليكون حبلا تُلوى به الأعناق وفي أبسط قواعد العدالة لا جريمة الا بنص تشريعي ستبق ولا عقوبة بلا سند ولا مسؤولية جنائية وبلا قصد جنائي.

فالمادتان لا تعاقبان على وجود شخص في مكان ما ولا على بيعه الشاي أو تقديمه العلاج أو غسله الملابس بل تشترطان فعلًا ماديًا محددًا وقصدًا جنائيًا وغاية محددة فإذا كان الفعل مجرد استمرار في البقاء والقصد مجرد إعالة أطفال فإن أركان الجريمة لا تكتمل.
بل إن السخرية الكبرى أن القانون نفسه الذي يهدد هؤلاء النساء بالإعدام يحتوي على دفوع تحميهنّ فمبدأ الإكراه والضرورة يعفي صراحةً من ارتكب فعلًا تحت وطأة الخطر المحدق لحماية نفسه أو غيره في غياب كامل للدولة فمن حمت ابنتها ومن أطعمت أطفالها في ظل انهيار كل شيء لم تفعل فعلًا جنائيًا بل فعلت ما يفرضه القانون نفسه على أي أم لكن ما يحدث هو العكس يُحاسب الضعيف على اضطراره ويُعفى الطائع المختار عن فعله.
والأخطر أن هذه التهم تصل عقوبتها إلى الإعدام وهي عقوبة لا تُوقَّع إلا على سبيل اليقين الجازم لا على الشك ولا على الأقوال الكيدية والمتضاربة ومن مبادئ العدالة المستقرة أن أي شك يُفسَّر لمصلحة المتهم لا ضدّه فحين تُقدَّم امرأة لمحاكمة على فعل لم يكن في حقيقته إلا التمسك بالحق في الحياة لتُقاد إلى الموت بوساطة وصف سياسي فيجب ان يطبق القانون تطبيقات صحيحا.

وتشير تقارير موثقة من هيئة محامي دارفور إلى أن نحو تسعين في المئة من النساء المتهمات هن من البائعات والفئات الضعيفة ففي سجن دار التائبات بأم درمان وحده يوجد نحو ستمائة امرأة معهن ثلاثة وثمانون طفلًا بينما يكتظ سجن كوريا بنيالا بنحو تسعة عشر ألفًا ومائتي محتجز بينهم نحو ستمائة وتسعين امرأة تعشن على وجبة واحدة ويُجبرن على أعمال منزلية قسرية مع عشرات الأطفال في عنابر مكتظة.

ولا تقف القسوة عند حدود الأمهات بل تمتد إلى الطفولة خذ مثلًا الطفلة( أ ) التي لم تتجاوز ربيعها الخامس عشر وكانت تقف خلف عربة شاي بسيطة في قرية غرب الأبيض لتساعد أسرتها في مواجهة جوع قاسٍ لم تكن تحمل سوى أحلام صغيرة لكن اعتقالها وزجّها في أتون اتهامات بالتخابر جعلاها تواجه اليوم شبح الإعدام في أبشع سقوط أخلاقي لعدالة يُفترض أنها تحمي الصغار لا أن تسحقهم.

ولم يسلم من هذا البطش حتى الكوادر النسوية اللواتي نذرن أنفسهن لخدمة مجتمعهن فالمحامية تحت التمرين (خ م ع) قضت أكثر من ثمانية عشر شهرًا في سجن النساء بأم درمان وصدر بحقها حكم بالإعدام خُفِّف لاحقًا إلى عشرين عامًا وكل جريمتها أنها كانت تدرّس أطفال الحي وتساعد في جلب المياه للناس.
وفي سجن الأبيض بولاية شمال كردفان تقبع (ح م) امرأة تجاوزت الخمسين كانت تدير تكية تطعم بها الجياع في مدينة الرهد وحين انسحب الجيش وترك المدنيين بلا حماية ودخل مقاتلو الدعم السريع منزلها استقبلتهم وقدمت الطعام لحماية ابنتها المراهقة لكن بعد استعادة الجيش للمدينة جرى القبض عليها وإدانتها بالسجن عشرين عامًا على تلك الأفعال الاضطرارية ذاتها لتكون عبرة لكل من تسوّل له نفسه قيادة مبادرة مجتمعية في زمن الحرب (ح م) لم تكن متعاونة بل كانت أمًا تحمي ابنتها في ظل غياب القانون.

وهنا يظهر التناقض الأكثر فداحة فبينما تُسحق امرأة بسيطة لأنها قدمت طعامًا أو باعت شايًا في المقابل يُمنح العفو العام والحصانة لقادة ميدانيين مثل النور قبة والسافنا وغيرهما ممن ارتبطت أسماؤهم بحصار المدن وقطع المياه وارتكاب أفظع الانتهاكات بمجرد أن غيّروا مواقعهم وانضموا للجيش هذا التباين الفاضح هو الدليل القاطع على أن ما يجري ليس قضاءً ولا عدالة بل توظيف سياسي للقانون.

هذا الانحراف تجسده المؤسسات العدلية نفسها فعلى رأس النيابة العامة في مناطق سيطرة الجيش تتربع انتصار عبد العال التي كان المفترض أن تكون درعًا لنساء وطنها وصوتًا للمستضعفات فإذا بالنيابة تحت إدارتها تتحول إلى أداة لتكريس الاتهامات الباطلة والتغطية على مأساة السجون بل وخرجت لتشيد بظروفها متجاهلة مأساة المحتجزات ظلمًا وفي الجانب الآخر أسست سلطات الأمر الواقع جهة ادعاء خاصة تشرف على سجن كوريا دقريس بنيالا.

هكذا يقف نائب عام في كلا المعسكرين ليؤكدا أن القانون جرى اختطافه ليصبح أداة للانتقام السياسي متغاضيين عن مجرمي الحرب الحقيقيين الذين يُكرَّمون بالعفو والترقيات بينما تُساق النساء والفقيرات إلى المحاكم والمشانق.

إن ما نطلبه اليوم ليس ترفًا حقوقيًا بل الحد الأدنى لاستعادة الإنسانية إطلاق سراح كافة النساء والفتيات المحتجزات بتهمة التعاون في كل الجبهات وفي مقدمتهن الطفلة (أ) و(ح م) والمحامية (خ م ع ) ووقف هذه المحاكمات العبثية التي تحوّل البقاء إلى جريمة وفتح تحقيق مستقل وحقيقي في كل جرائم الانتهاكات الجسيمة مع قادة الأطراف المتهمين ورفع الحصانات والعفوات التي تمنح القتلة إفلاتًا تامًا من العقاب وتوحيد النظام القضائي تحت سلطة قانونية واحدة مستقلة تحاسب الجميع دون استثناء.

وحتى يرتفع هذا الظلام ستظل المرأة السودانية تدفع ثمن حرب لم تصنعها ولم تخترها في الخرطوم حيث يتهمونها بالانحياز للخصم وفي نيالا يتهمونها بالولاء للطرف الآخر وفي زحمة هذا العبث العسكري تحاول هي فقط أن تظل على قيد الحياة