
سرديات
(من الأرشيف)
سعة الماعون الثقافي للشاعر، واتساع حصيلته المعرفية، ركيزتان أساسيتان، يتكيء عليهما القاريء الباحث عن استكشاف الجديد، المفضي لتوسيع الأفق، على دوزنة القوافي ونمنماتها…
صلاح أحمد ابراهيم، رحمه الله، كان هذا الشاعر الواسع الماعون الثقافي..
في واحدة من أجمل قصائده في ديوان غابة الأبنوس، يسوقك صلاح إلى التعمق في آيةٍِ كثيرةِ الدلالات، في سورة مريم، وإلى تلك الحرب الصليبية التي أعلنها البابا من روما- لا على المسلمين كما قد يُظن لأول وهلة- وإنما على المسيحيين الذين قالوا في الكنيسة الكاثوليكية ما لم يرق لسدنتها..ثم تجد في نفس القصيدة إشارات الى قصيدة فرنسية I Want War كانت سببا في تمرد ريتشارد قلب الأسد وأخويه، على أبيهم الملك هنري الثاني..
ففي سورة مريم تسوقك الاشارات الواردة في القصيدة إلى التأمل في إحياء الموات (وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا) وفيها ايضا إشارات إلى قصيدة كتبها الشاعر الفرنسي *برتران دو بورن* بعنوان أريد الحرب-
I Want War
وهي القصيدة التي ألهبت حماس ريتشارد قلب الأسد وأخويه وحرضتهم على التمرد على والدهم الملك هنري الثاني..واتخذ صلاح هذا التحريض التروبادوري القديم مدخلا لتحريض الأمة ودعوتها-بعد أن تراخى حماسها وكاد يندثر-لمناصرة الجزائر في ثورتها على المستعمر الغاشم…
صلاح رحمه الله يأخذك في هذا التطواف المعرفي المترامي الأطراف، دون أن يتجاهل قيمة موروثه الشعبي- كضيف الهجوع والاستشهاد بمسدار الصيد للحاردلو- في ترسيخ معنى الإنتماء في الأذهان…
في سورة مريم يقول الله سبحانه وتعالى:
وهزِّي إليكِ بجذع النخلة تساقط عليكِ رطبا جنيا..فكلي واشربي وقري عينا” صدق الله العظيم..
يقول المفسرون الثقات؛ إن أمرَها بهز الجذع، يضمن إلتفاتَها إلى أنه كان جذعا باليا؛ ولم يكن نخلة مثمرة من تلقاء نفسه؛ إذ لو لم تؤمر بهزه، وصار نخلة مثمرة من تلقاء نفسه؛ لأمكن أن تتوهم أنها كانت نخلةً مثمرةً من أول الأمر؛ وأنها كانت في ذهول عن ذلك، بسبب ما كانت عليه من ألم المخاض؛ ثم أن صيرورته (الجذع) نخلةً مثمرةً بعد هزه، يؤكد لها أن الخطابَ الذي سمعتْه بهز الجذع، لم يكن وهما بل حقيقة..
أمرها الله سبحانه وتعالى بهز الجذع اليابس لترى *آية أخرى في إحياء الموات و يطمئن قلبُها من مصيرها أمام اهلها وهي تحمل لهم طفلا بلا زواج*!..
صلاح، رحمه الله، يتخذ من هذه الآية الكريمة، منصةَ اطلاقِ للتخييل الشعري:
وأنتِ يا حبيبتي في شهرِكِ الأخير..
تحرّك الجنينُ؛ أشفقي عليه من اجهاض؛
حتى إذا اشتدت عليك قبضةً المخاض؛
هُزِّي إليك يا حبيبتي بجذع نخلة الشعوب؛
تُهدي إليك كيف تطلبين رُطَب القلوب،
ومُهَج الرجال..
هذه أبيات من قصيدة *أغنية التروبادور Troubadour..
المقارنة لا شك تحلق بك في فضاءات من التأملات الروحانية (إحياء الموات كما تصوره الآية الكريمة) مع هدير المد الثوري ضد الطغيان كما يريده صلاح، لا سيما حين يعزز الشاعر الابيات السابقة بقوله:
*يا ليتني رصاصةٌ تطلقها الجزائر*
*أو شمعةً ساهرة تؤنسُ ليلَ ساهر*
*او “كلمة السر” تقود ثائرا لثائر*
*أو خنجرٌ طيَّ فدائي خَفي ماكر*
*أغيب في مهجة جاسوس وجنب غادر..*
*صلاح أحمد ابراهيم*-رحمه الله- شاعرٌ ، أحبُّه لصوته الشعري المتميز، وأثره الابداعي الباقي، واضافته الموحية لعالم الشعر عامة، والشعر السوداني خاصة.
*غابة الأبنوس* فيض من نبع ثر..
أعيش اللحظات الخصيبة مع قصائد هذا الديوان فألمس صدق مقولة الشاعر الآيرلندي الكبير ييتس
W.B. Yeats
حين قال: *الشعراء هم صوت الضمير الأعظم:*
Poets are the great voice of conscience..
في قصيدته التي أسماها *أغنية التروبادور* يتحدث صلاح عن حرب الجزائر..
وبالتروبادور Troubadour، يشير صلاح إلى أولئك الشعراء المغنين، الذين كانوا يتنقلون في العصور الوسطى في فرنسا، من مكان لمكان، ينشدون ويتغنون باشعارهم للجماهير على الطرقات..
وكانت اشعارهم تتمحور حول الحب والفروسية والحروب..ومن هؤلاء كان الشاعر الفرنسي برتران دو بورن صاحب قصيدة أريد الحرب I Want War والتي دفعت أبناء الملك هنري الثاني إلى الثورة على أبيهم، الذي حرمهم من حقوقهم الملوكية..
في هذه الأبيات نجد صلاح قد خلع على جسد القصيدة عباءة التروبادور. المقاتل وليس العاشق الولهان..تقرأ الأبيات وتشعر كأن عاشقا يجلس بالليل تحت شرفة حبيبته؛ يبثها أشجانه:
*هزي إليك يا حبيبتي بنخلة الشعوب؛*
*تهدي إليكِ كيف تطلبين رطب القلوب ومهج الرجال!*
حبيبة صلاح ليست أنثى -كما هو الحال لدى التروبادوريين- وإنما هي الجزائر هنا، وهي ثورة ضد الظلم حيث كان؛ اسمعه يقول:
*من قال إنني مزينٌ* *للغانيات-كنزار-إصبعي يسيل بالدهان والعطر؛*
*اُعدُّ قصةَ الموسم باعتناء؛*
*ارزح بالقصيد مثل من ينشل من أعمق بئر في “السباغ” دلوَ ماء؛*
*أُفلقُ هامَ الصخر كي أنحتَ فيه* *سُلّما يطلع للروعة في بتراء..*
*أنا صلاح الشاعر..في تواضع جم وفي حبٍّ وبانحناء..*
ثم كان ما زاد ديوان غابة الأبنوس ألقاً..
قدّم الديوان للقراء، الراحل المقيم الطيب صالح بلغة جزلة تسوق القاريء مخفورا بالحرف الخضل إلى مكامن الجمال في القصيد..تعد المقدمة من اجمل ما قرأت من دراسات نقدية في الشعر وعنها قال العارفون (هكذا يجب أن يكون نقد الشعر)….
قال الدكتور *إحسان عباس:*
هكذا ينبغي أن يكون نقد الشعر..هذه المقدمة جديرة أن تكون نموذجا في موضوعها؛ ولو كان الأمر بيدي؛ لجعلتها مقرراً على طلاب الدراسات العليا في النقد الأدبي؛ في كل أقسام اللغة العربية في العالم العربي..
تحدث الطيب صالح في مقدمته عن أم درمان حيث ولد صلاح وعن جامعة الخرطوم التي دخلها الشاعر عام ١٩٥٤ حيث قال:
كانت تلك نقلة كبيرة للناس الذين يجيئون من أطراف السودان في الأقاليم؛ أمثالنا. وكان يبدو لنا أن “أولاد أم درمان” ينخرطون في ذلك المكان الغريب بيسر كأنه شيء اعتادوا عليه من زمن..هنالك على أي حال كما يمكن أن يتخيل المرء انفتحت له آفاق أوسع..كان قد قرأ القرآن الكريم وحفظ إجزاء منه على يدي والده وقرأ بعض المتون وقرأ النحو والصرف وألمّ بالشعر الجاهلي والأموي والعباسي وبعض الشعر الحديث من السودان ومصر وبلاد الشام والعراق..كانت جامعة الخرطوم في تلك الأيام كما أرادها الانجليز؛ مكانا لتعليم النخبة من السودانيين؛ على غرار الجامعات البريطانية؛ تدخلها قلة قليلة من المحظوظين بعد جهد شاق ومنافسة عنيفة..كانت فيها عيوب التعليم النخبوي بالطبع، ولكن بالمقابل كانت فيها حسنات تعليم الصفوة..هنالك تعرض الشاعر لتأثير أساتذة أجلاء في اللغة العربية أذكر منهم الدكتور عبد المجيد عابدين والدكتور محمد النويهي والدكتور عبد العزيز اسحاق، وهم مصريون، والدكتور عبد الله الطيب وهو من نوابغ السودانيين؛ والدكتور إحسان عباس وهو فلسطيني ولعله كان أعظم أثرا على الشاعر من غيره؛ وما تزال تجمع الشاعر به صداقة حميمة إلى اليوم..
ولا بد أن الأدب الانجليزي الذي كان يدرّس بعناية فائقة في جامعة الخرطوم تلك الأيام؛ فتح عيني الشاعر على دنيا واسعة جديدة عجيبة..أحب الشعراء الرومانسيين الانجليز؛ كما لا بد أن يفعل الانسان المرهف الحس في تلك السن الغضة..أحب كيتس ووردذوؤرث وكوليردج وبايرون وشلي؛ وخاصة شلي..
وهكذا ترى أن صلاح أحمد ابراهيم خرج من صفوة السودانيين الامدرمانية ودرس في مدارسها؛ وكانت صفوة مدارس السودان.. واشتد عوده في جامعة الخرطوم وهي جامعة “للصفوة” على غرار الجامعات البريطانية ..فهل صار “نخبوياً” في فكره وشعره؛ وهل لاذ إلى برج عاجي ينظر من عليائه إلى الحياة والناس؟
أبداً؛ يقول الطيب صالح ويضيف:
صحيح أن صلاح لا يمكن أن يسمى بحال من الأحوال شاعرا “جماهيريا”؛ فشعره مصقول أنيق فيه عناية كبيرة بال “شكل” (form) ..وهو شعر مثقف لا بد لقارئه من ذخيرة ثقافية ليفهمه كما يجب؛ ويستمتع به على أحسن وجه. ولكن الشاعر ؛ لأنه من أم درمان ولأنه نشا في تلك البيئة التي وصفتها لكم استوعب كل هذه المؤثرات بسهولة شديدة فكأنها أشياء كان يعرفها أصلا..وتلك على أي حال سمة قديمة في وادي النيل وفي السودان الشمالي بصغة خاصة..فأنت لا تجد في هذا الديوان ؛ كما تجد في شعر الفيتوري مثلا؛ وحتى في شعر محمد المهدي المجذوب؛ وهو شاعر يمكن أن يقارَن بصلاح في سودانيته- لا تجد دلائل على العنف رغم ان بعض قصائد الديوان عنيفة ولا على هذا الصراع الحضاري الحاد ولا على أي احساس غامر بالمرارة..هنا قصائد ألجم “الشكل” فيها حدة المواضيع التي عالجها الشاعر واضفى عليها على وجه العموم؛ طابعا تأمليا.. ولعل أكثر موضوع عنفا من المواضيع التي تطرقت اليها قصائد هذا الديوان هو موضوع قصيدة “عشرون دستة” ..ففي عام ١٩٥٦ وكان السودان حديث عهد بالاستقلال اضرب مزارعو *مشروع جودة الزراعي* على النيل الأبيض وامتنعوا عن تسليم القطن لادارة المشروع؛ فاعتقلتهم سلطات الحكومة وزجت بهم وهم زهاء مائتي رجل في سجن ضيق فماتوا جميعا اختناقا..وقد أحدثت هذه الواقعة الأليمة هزة عنيفة في ضمير الشعب السوداني..
ويقول الطيب صالح:
فاضت قريحة الشاعر بقصيدة صور فيها المأساة تصويرا دقيقا وهاجم فيها الجناة وعلى رأسهم سلطة الدولة هجوما صريحا..وقد بدأها هكذا:
*لو أنهم؛*
*حزمة جرجير يعد كي يباع*
*لخدم الإفرنج في المدينة الكبيرة ما* *سلخت بشرتهم أشعة الظهيرة*
*وبان فيها الاصفرار والذبول*
*بل وضعوا بحذر في الظل في حصيرة*
*وبللت شفاههم رشّاشة صغيرة*
*وقبّلتْ خدودَهم رطوبةُ الأنداء*
*والبهجة النضيرة..*
ويقول الطيب صالح في مقدمته:
صلاح أحمد ابراهيم “سوداني” بشكل كامل ومطلق، وأنا لا أعرف شاعرا يعشق السودان كما يعشقه صلاح احمد ابراهيم..الفيتوري وآخرون يحبون السودان أيضا ولكن كأنهم لا يحبون السودان الحقيقي ؛ وكأنهم يحبون “مثال” السودان في عقولهم..وحتى محمد المهدي المجذوب رحمه الله وقد قتله حب السودان كان يبدو أحيانا كأنه يتمنى لو انعتق من أسر ذلك الحب..ولكن صلاح احمد ابراهبم يحب السودان جملة وتفصيلا..وهو حب مبني على معرفة دقيقة وليس مجرد “وهم”..وفي هذا الديوان وفي ديوانه الثاني غضبة الهبباي أدلة كثيرة على دقة معرفته بالسودان..ربما لأنه نشأ في أم درمان فقد وجد السودان كله مجتمعا هناك في متناول يده..
بعد ذلك سافر ودرس وبحث وتعمقت معرفته..وهي معرفة تشمل كل شيء: البيئة؛ والتاريخ والشعر والفن والمديح واللهجات وحفّاظ القرآن ومشايخ “الخلاوي” وشعراء الدوبيت؛ لذلك فهو حين يطرق موضوعا ما؛ فإنه يوفيه حقه من التفاصيل الدقيقة ويجعلك تحس أنك تقف مع الشاعر في مكان بعينه وفي زمان بعينه؛ رغم ان القصيدة تحلق بك بعد ذلك في آفاق بعيدة..ولنأخذ قصيدتَه “استسقاء”.. هنا تجد الشاعر يذكر “النال” و”الأنيس” وهي اعشاب تنمو في البادية ؛ بعد هطول المطر ويذكر “التّبر” وهو زهر أصفر اللون ويذكر “الدُّعاش” وهي كلمة موحية ؛ تعني تلك الرائحة العجيبة التي تتنفّس بها الأرض المروية، بطينها وأعشابها. ويذكر “المطامير” وهي مخازن الغلال في جوف الأرض ومجرد ذكرها يوحي بالخصب ورغد العيش..يقول:
*ومثلما ينفَشُّ مغبونٌ علينا أمطري*
*على بلادنا اللّهثى وعشبِنا اليبيس*
وكلمة *ينفشُّ* يستعملها السودانيون كناية عن تنفيس الصدر من الغضب..وقد قال *الحاردلو* قبلا وهو يصف هطول المطر في أرض البطانة:
*الخبر الأكيد قالوا البطانة اترشّت*
*وساريةً تبقبق للصباح ما انفشّت..*
وصدق الشاعر والناقد الانجليزي
T.S. Eliot
حين قال:
إن ولاء الشاعر الأول يجب أن يكون للغة التي يرثها من الماضي والتي يجب ان يحافظ عليها وينميها..وهذا ما مكّن شاعرنا صلاح من ابتداع أسلوب فني خاص به poetic diction يتجلى في تناوله لبعض التعابير والكلمات الشعبية والأمثلة على ذلك كثيرة..
اسمعه يقول في قصيدة خطاباتكم:
*وعريت عن مهجتي والضلوع*
*وقلت: جياع بلادي هلموا وهاتوا القصاع*؛
*إلى النار وأشووا..*
*ومدوا قراكم لضيف الهجوع..*
ولا يفوت عليك يا رعاك الله أن قوله *ضيف الهجوع* يشدنا إلى المتكأ والموروث الشعبي في أغنيننا الشعبية:
*أوصيكم على ضيف الهجوع عشوه*..
الحديث عن صلاح ذو شجون..
قبل سنوات وقبل عودتي من بلاد الغربة أذكر أن النادي السوداني في مسقط أقام ذات عام مهرجانا ثقافيا وجهت فيه الدعوة لاهل الادب من عمان والبحرين وحضره عدد من الاخوة المصريين والعراقيبن بهدف تسليط الضوء على الشعر السوداني..
ألقيت عدة قصائد لشعراء سودانيين كثر..ألقيتُ قصيدة لصلاح كتبها بعنوان “قصة من أم درمان” وحين قرأت على الحضور المقطع الذي يقول فيه:
*عيناك أطهر بركتين من البراءة*
*هبط الضياء ليستحمَّ بها فألقى عند ضفتها رداءه؛*
*الفتنةَ؛ العسليةَ السمراءَ والألق* *المصفّى والهناءة؛*
*وهناك أغرق نفسه*!
اقول حين قرأت هذا المقطع طلب مني المفكر العماني الكبير الدكتور *صادق جواد*-وهو أحد أبرز المفكرين العرب وديبلوماسي كان سفيرا لبلاده في واشنطن حيث كان رئيسا لمركز الحوار العربي الأمريكي- أن أعيد المقطع..اعدته مرة تلو أخرى نزولاً عند رغبته فقال:
*هذا شاعرٌ لا يجارَى..* وأخذ مني في نهاية الفعالية القصيدة ولسانه يلهج بعاطر الثناء لقائلها.
رحم الله صلاحا..
