سبتمبر.. ثورة الشهداء التي لا تموت

الخرطوم / الغد السوداني – حسين سعد
بعد ثلاثة عشر عاماً على هبة سبتمبر 2013، لا تزال دماء الشهداء والشهيدات حاضرة في الذاكرة السياسية والحقوقية السودانية، بوصفها واحدة من المحطات المفصلية في مقاومة الحكم الاستبدادي والمطالبة بالحرية والعدالة. وفي هذا السياق عقد تحالف التغيير الجذري ندوة لإحياء ذكرى شهداء سبتمبر، بمشاركة محامين ومدافعين عن حقوق الإنسان وصحفيين وأسر عدد من الشهداء، وناقشت الندوة ثلاثة أسئلة أساسية: ماذا حدث في سبتمبر؟ ولماذا تأخرت العدالة والمحاسبة؟ وكيف يمكن حفظ ذاكرة الشهداء وضمان عدم تكرار الانتهاكات؟

وتستعيد الندوة ذكرى الذين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بالتغيير والحرية، ودفعوا حياتهم ثمناً لموقفهم، مؤكدة أن إحياء ذكراهم لا ينفصل عن المطالبة بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن قتلهم.
ووفق ما طرح في الندوة، وقعت أحداث هبة سبتمبر بين 23 و26 سبتمبر 2013، وأسفرت عن سقوط أكثر من 180 شهيداً في الخرطوم وحدها، إلى جانب ضحايا في مدني وكوستي وسنية ومناطق أخرى، مع استمرار غياب إحصاء نهائي ودقيق بسبب ما وصفه المشاركون بإخفاء السلطة للأرقام الحقيقية.

ذاكرة لم تطوها السنوات
لم تكن ذكرى سبتمبر بالنسبة للمشاركين مناسبة لاستعادة الماضي فحسب، وإنما مناسبة لطرح سؤال العدالة من جديد.
فالسنوات التي مضت لم تُفضِ، وفق الشهادات التي قدمت في الندوة، إلى محاسبة شاملة عن قتل المتظاهرين، بينما ظلت أسر الشهداء تحمل آثار الفقد وتنتظر معرفة الحقيقة.
وفي نقاش  المتحدثين برزت قضية الشهيدة الدكتورة سارة عبد الباقي باعتبارها الحالة التي وصلت إلى المحكمة من بين قضايا شهداء سبتمبر، وذلك نتيجة إصرار الأسرة ووجود شهود عيان على واقعة إطلاق النار.

معتصم الحاج: وقضية الشهيدة  سارة :
استعرض المحامي ومدافع حقوق الإنسان معتصم الحاج، الذي ترافع عن أسر شهداء سبتمبر، المسار القانوني لقضية الشهيدة سارة عبد الباقي.
وبحسب عرضه، أطلق أحد أفراد الشرطة النار على سارة أمام عدد من الشهود، وأصابها إصابة قاتلة، ثم أقر بالواقعة، فيما أدلى 13 شاهداً بشهاداتهم، بينهم جد الشهيدة وجد المتهم.
وأشار إلى أن الشرطة رفضت في البداية فتح التحقيق لمدة ثلاثة أشهر، في وقت ظل فيه المتهم يتردد على المنطقة، بينما تعرض شهود، بحسب الرواية المقدمة، للتهديد.

واستمرت محكمة الموضوع في بحري ثمانية أشهر، قبل أن يصدر في الجلسة قبل الأخيرة حكم بإدانة المتهم وفق المادة 130 المتعلقة بالقتل العمد. إلا أن يوم النطق بالحكم شهد تطورات أثارت اعتراض الأسرة، من بينها تأخر الجلسة ثلاث ساعات، قبل صدور حكم خالف، بحسب ما ورد في الندوة، ما انتهت إليه المحكمة في الجلسة السابقة.

ثم وصلت القضية إلى محكمة الاستئناف، التي أيد قضاتها الثلاثة ضرورة محاكمة المتهم بموجب المادة 130، واعتبروا أن الحكومة السودانية مسؤولة عن مقتل الشهيدة، بينما رفضت المحكمة العليا والمحكمة الدستورية التدخل في القضية، وفق العرض الذي قدمه معتصم.
كما أشار إلى اكتشاف تزوير في محضر التحقيق الأولي، وهو ما أضاف بعداً آخر إلى القضية، يتعلق بسلامة إجراءات التحقيق منذ بدايتها.

السلاح والبلاغات:
انتقل النقاش من واقعة قتل الشهيدة  سارة إلى طبيعة المسؤولية المؤسسية.
وقال معتصم إن إجراءات صرف الأسلحة داخل الشرطة لم تكن، وفق ما عرضه، ملتزمة بالضوابط المعروفة، مثل تسجيل نوع السلاح ورقمه والذخيرة وتسليمها باسم كل عنصر، الأمر الذي أثار تساؤلات حول كيفية وصول الأسلحة إلى الأشخاص الذين استخدموها خلال الأحداث.
كما أشار إلى تقييد ما لا يقل عن 160 بلاغاً ضد مجهول، وعدم تحريكها ضد عناصر الشرطة المتورطة في القتل.
وفي جانب آخر، تناول الاجتماع الذي عقدته اللجنة الأمنية لمناقشة مسألة الدية، وما ترتب عليه من قبول بعض أسر الشهداء تعويضات مالية في ظل ظروف اقتصادية صعبة. ووفق ما طرح في الندوة، استُخدمت تلك التسويات لاحقاً للتعامل مع الملف باعتباره مغلقاً، بما في ذلك أمام مقرر حقوق الإنسان في جنيف عام 2018.
أما لجنة التحقيق التي تشكلت خلال الفترة الانتقالية لإعادة فتح ملف سبتمبر، والتي ضمت ستة أعضاء من ديوان النائب العام، فقد واجهت، بحسب المتحدثين، عقبات حالت دون إجراء تحقيق جدي والوصول إلى المسؤولين عن الجرائم.

إيمان عبد الباقي: شهادة قوية:
من أكثر الشهادات تأثيراً في الندوة شهادة الصحفية إيمان عبد الباقي، شقيقة الشهيدة سارة، التي كانت حاضرة لحظة إطلاق النار على أختها.
روت إيمان أن القاتل ارتكز على الأرض ووجّه سلاحه نحو مجموعة من النساء اللواتي كنّ يبكين على الشهيد صهيب، ابن خالهن البالغ من العمر 14 عاماً، وليس نحو مجموعة من المتظاهرين، وفق شهادتها.

وقالت إن الأسرة واجهت القاتل بعد إصابة سارة، بينما كان يرفع سلاحه مجدداً في اتجاه سيارة الإسعاف التي كانت تنقلها.
ولم تتوقف آثار الجريمة عند لحظة القتل، إذ وصفت إيمان التحول الكبير الذي أصاب الأسرة بعد استشهاد سارة، مشيرة إلى أن والدها كرس ما تبقى من حياته لمتابعة ملف سبتمبر وقضية ابنته رغم مرضه.

وأشارت كذلك إلى تعرض أسر أخرى لتهديدات طالت أبناءها، الأمر الذي دفع بعضها إلى الصمت، بينما تحملت أسرة سارة مسؤولية الحديث والمطالبة بالعدالة نيابة عن آخرين.

محاسن عوض: غياب الإرادة السياسية :
ركزت المحامية محاسن عوض عبد القادر، عضو الجبهة الديمقراطية للمحامين وهيئة محامي دارفور، على البعد السياسي والقانوني لتأخر العدالة.
ورأت، بحسب ما نقلته الندوة، أن المشكلة لم تكن مجرد عوائق إجرائية، وإنما ارتبطت بغياب الإرادة السياسية، معتبرة أن تحقيق العدالة يرتبط بطبيعة المشروع السياسي وبوجود دولة مدنية مستقرة.

وأشارت إلى أن مؤسسات العدالة والأمن والشرطة في عهد الإنقاذ كانت تعمل ضمن منظومة واحدة، وأن الأجهزة التي كان يفترض بها حماية المواطنين أصبحت، بحسب توصيفها، جزءاً من منظومة القمع.

أما خلال المرحلة الانتقالية، فقالت إن وجود نصوص دستورية تتعلق بالعدالة الانتقالية لم يكن كافياً، في ظل ضعف المؤسسات وغياب الموارد والإرادة السياسية اللازمة لتنفيذها.
كما أشارت إلى استمرار قوانين من عهد الإنقاذ، مع تعديلات محدودة، وعدم تنفيذ عملية إصلاح مؤسسي شاملة للقضاء والشرطة والنيابة.

مداخلات الحضور: من المسؤول؟
فتح النقاش أمام الحضور الباب أمام مجموعة واسعة من المداخلات التي تجاوزت قضية سبتمبر إلى سؤال أوسع يتعلق ببناء دولة القانون.

اللواء حمدي الصائغ ، من خلفية شرطية، تحدث عن قواعد وضوابط استخدام وصرف السلاح داخل الشرطة، مؤكداً أن تسجيل السلاح والذخيرة وحضور قائد للمهمة واسترداد الذخيرة غير المستخدمة إجراءات معروفة، وأن تجاوزها، في تقديره، لا يمكن اعتباره مجرد إهمال. كما أشار إلى أن استخدام القوة يخضع لتدرج يبدأ بوسائل أقل فتكاً قبل اللجوء إلى الرصاص.

أما المحامية  سمية إسحاق، فأكدت أن عدم تحريك البلاغات لم يكن مجرد امتناع عن العمل، بل اعتبرته فعلاً مقصوداً لإحباط أسر الضحايا وإبقاء الملفات دون محاسبة.

ومن جهته قال  الصحفي كمال كرار إن الثورة، وفق قراءته، لم تكن مهيأة لتحقيق العدالة، ودعا إلى أن تشمل المحاسبة الجرائم المرتكبة قبل سبتمبر 2013 وبعدها، وليس الاقتصار على فترة زمنية محددة.

وفي الاثناء طرح  الدكتور الهادي هباني قضية التعويضات والديات، معتبراً أن استخدامها لإغلاق ملفات الشهداء يحتاج بدوره إلى المساءلة، مؤكداً أن الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن العدالة في الجرائم الجسيمة لا ينبغي أن تتحول إلى طريق للإفلات من العقاب.

أما الاستاذ طه جعفر ، فاعتبر أن من أخطاء المرحلة الانتقالية عدم تكوين برلمان ثوري وعدم إجراء تطهير مؤسسي شامل للأجهزة العدلية.
وفي السياق اقترحت  المحامية لنا  جعفر الاستفادة من القانون الدولي والمحاكم الدولية في الملفات التي يعجز النظام القانوني السوداني عن التعامل معها، بينما دعا عبد الرحمن الحسن إلى إعادة بناء الصفوف السياسية والاجتماعية للقوى التي تنادي بالتغيير، مع إبعاد عناصر النظام السابق من مؤسسات الدولة، بحسب ما ورد في مداخلته.

أسئلة بلا إجابات.:
لم تقتصر الندوة على عرض الوقائع، بل شهدت أسئلة مباشرة حول مسار القضية.
ومن أبرز الأسئلة التي وجهتها  الصحفية إيمان عبد الباقي إلى المحامي معتصم الحاج: لماذا رُفض تقديم الملازم نصر الدين وعصام كشهود؟ وما الأساس الذي استند إليه في اللجوء إلى المحكمة الدستورية رغم تحذيرات الأسرة؟ وماذا جرى في اجتماع لجنة حقوق الإنسان البرلمانية بشأن الدية، وهل كان الاتفاق حولها يعني إغلاق الملف؟

كما طرحت الندوة أسئلة حول إمكانية اللجوء إلى المحاكم الدولية، ومصير وثائق القضية بعد الحرب، وإمكانية الوصول إلى قائمة دقيقة وشاملة بأسماء شهداء سبتمبر وأعمارهم.
في رده على الأسئلة، أوضح معتصم الحاج أن المحامي، في ظل غياب إرادة سياسية للمحاسبة، يبقى مقيداً باستنفاد المراحل القانونية الداخلية، بما قد يفتح الطريق لاحقاً أمام آليات العدالة الدولية.
وأشار إلى أن النائب العام لم يستخدم صلاحياته لإعادة فتح المحاكمات، رغم النقاشات المكتوبة والشفهية حول القضية.
وخلص إلى أن الإصلاح الحقيقي يتطلب برلماناً تشريعياً فاعلاً، وقوانين منقحة، وإعادة تشكيل مؤسسات العدالة بصورة جذرية، وهي خطوات قال إنها لم تتحقق خلال المرحلة الانتقالية.

حفظ الذاكرة:
لم يتوقف النقاش عند المحاسبة، بل انتقل إلى كيفية الحفاظ على ذاكرة الضحايا.
واقترحت  الصحفية إيمان عبد الباقي توثيق حياة الشهداء وأحلامهم، وليس الاكتفاء بتسجيل أسمائهم وتواريخ وفاتهم، إلى جانب إنتاج أفلام وثائقية تحكي قصصهم وتوثق تجربتهم.

كما طرحت فكرة إنشاء متحف يوثق الضحايا والجناة، مستلهمة تجربة رواندا، واقترحت أن يكون موقعه في أحد مواقع المعتقلات التي ارتبطت بانتهاكات سابقة، إلى جانب إعداد كتاب شامل يضم شهادات أسر الشهداء والوقائع المتعلقة بالأحداث.

ورأت  المحامية سمية إسحاق أن الندوة نفسها تمثل جزءاً من عملية التوثيق، وأن حفظ الذاكرة مسؤولية جماعية.

العدالة الانتقالية.. محاسبة أم مصالحة؟
احتلت العدالة الانتقالية مساحة واسعة من النقاش حيث أوضحت محاسن عوض أن العدالة الانتقالية، في تصورها، ليست وسيلة للإفلات من العقاب، وإنما منظومة متكاملة تضم التحقيق والمحاكمات والمصالحة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي، على أن يصمم كل مجتمع نموذجه وفق ظروفه.

وطرحت جملة من الأولويات، تبدأ بوقف الحرب، ثم الاتفاق على دستور انتقالي يتضمن العدالة الانتقالية بوضوح، وإصلاح مؤسسات القضاء والشرطة، وإعادة الجيش إلى الثكنات وتسليم الحكم للمدنيين.
وأكد الدكتور الهادي هباني أن العدالة الانتقالية لا تعني العفو التلقائي، بينما أشار طه إلى أن العدالة الانتقالية يمكن أن تكون جزءاً من ترتيبات دستورية وقانونية مستمرة في بعض الدول.

 إحياء الذكرى وإعداد ملفات المحاسبة
اتجهت الندوة في ختامها إلى مقترحات عملية، من بينها تنظيم ندوة متخصصة حول العدالة الانتقالية، وأخرى حول برلمان الثورة وآليات توحيد القوى السياسية والمجتمعية.
كما طرحت الندوة إعداد الملفات والمستندات المتعلقة بانتهاكات عهد الإنقاذ، بما فيها ملفات شهداء سبتمبر وديسمبر وجرائم دارفور، وإنتاج أفلام وثائقية عن شهداء سبتمبر، ومتابعة شهادة الدكتور عقيل، رئيس مشرحة بشائر، بشأن الجثامين التي تم تشريحها خلال الأحداث.
ومن المقترحات أيضاً السعي لتكوين جمعية رسمية لأسر شهداء سبتمبر، بما يسمح بتوحيد صوت الأسر ورفع القضايا باسمها بصورة أكثر تنظيماً.

 الذاكرة طريقاً إلى العدالة:
بعد ثلاثة عشر عاماً، لا تزال سبتمبر 2013 حاضرة في الوجدان السوداني باعتبارها لحظة خرج فيها مواطنون إلى الشوارع احتجاجاً على واقع سياسي واقتصادي وسياسي قاسٍ، فسقط منهم شهداء وشهيدات وهم يطالبون بالحرية والكرامة.
وتؤكد الشهادات التي قدمت في الندوة أن القضية لم تعد مجرد استعادة لحدث تاريخي، وإنما صراع من أجل الذاكرة والحقيقة والعدالة. فكل اسم لشهيد، وكل صورة، وكل شهادة أسرة، وكل وثيقة محفوظة، تمثل جزءاً من السجل الذي يمكن أن يساعد يوماً في إعادة بناء الحقيقة الكاملة لما جرى.

لكن العدالة، كما أظهر النقاش، لا تتعلق بالمحاكم وحدها. إنها ترتبط أيضاً بإصلاح المؤسسات التي عجزت عن حماية الضحايا، وبإعادة بناء دولة تقوم على سيادة القانون، وبضمان استقلال القضاء والنيابة والشرطة، وبمنع استخدام أجهزة الدولة في قمع المواطنين.

وتبقى ذكرى شهداء وشهيدات سبتمبر حاضرة في النقاش السوداني حول الدولة والمواطنة والديمقراطية. وإحياء ذكراهم لا يعني الاكتفاء بالرثاء، بل يعني حفظ قصصهم وأحلامهم وشهادات أسرهم، ومواصلة البحث عن الحقيقة بشأن ما حدث، وتحديد المسؤوليات، وضمان ألا يتحول القتل السياسي إلى واقعة بلا حساب.

وفي ظل الحرب الكارثية  والانتهاكات المتراكمة، يصبح درس سبتمبر أكثر إلحاحاً، لا يمكن بناء سلام مستدام من دون عدالة، ولا يمكن تأسيس دولة مدنية ديمقراطية من دون مؤسسات قادرة على حماية المواطن ومحاسبة من ينتهك حقوقه.

ونري إن معركة الذاكرة ليست منفصلة عن معركة بناء المستقبل؛ فالشهداء الذين سقطوا في سبتمبر 2013 يظلون جزءاً من تاريخ السودان الحديث، واستعادة قصصهم وتوثيقها ومحاسبة المسؤولين عن قتلهم تمثل، بالنسبة لأسرهم ورفاقهم، امتداداً للمطلب الذي خرجوا من أجله: الحرية والكرامة والعدالة.