
ترسيم الحدود بين المملكة العربية السعودية والسودان ..ماذا وراء القصة ؟
الخرطوم/ الغد السوداني – حسام الدين حيدر
لا يبدو أن التقارب الحالي بين المملكة العربية السعودية والسلطة التي تحكم السودان بحكم الأمر الواقع ينحصر في ظروف الحرب الحالية وتقلباتها، أو في مساعي المملكة لدعم الجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بل يتجاوز ذلك إلى ملفات أكثر حساسية.
ويتعلق الأمر، بحسب تقارير موثقة، بإعادة ترسيم الحدود البحرية بين السعودية والسودان، في خطوة تثير الكثير من التساؤلات، في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان.
وظل ملف الحدود البحرية بين البلدين معلقا لنحو نصف قرن، إذ تعود آخر التحركات بشأنه إلى عام 1974، ما يجعل إعادة فتحه في هذا التوقيت، بينما يخوض السودان حربا مدمرة، موضع تساؤلات واسعة.
ويشهد السودان منذ 15 أبريل 2023 حربا بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تسببت في أكبر أزمة إنسانية في العالم، بحسب الأمم المتحدة، فيما فشلت المبادرات المختلفة في وضع حد لها.
ما الذي حدث؟
في 14 سبتمبر/أيلول 2026، عقدت لجنة سودانية منشأة بموجب القرار رقم 266 لسنة 2026 اجتماعا برئاسة البرهان، ضمن ترتيبات مرتبطة بالجانب المالي والاستثماري للمجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السودان والسعودية، وفقا لتقارير موثقة.
وخرج الاجتماع بخطوات تتجاوز الجانب الإداري، إذ اختيرت هيئة الموانئ البحرية جهة اتحادية للتنسيق بين المؤسسات المدنية والعسكرية، ومنحت السكرتارية التنفيذية صلاحية الاطلاع المباشر على الوثائق والخرائط التاريخية المتعلقة بالبحر الأحمر والحدود.
كما تقرر إنشاء لجنة فنية تضم المفوضية القومية للحدود والقوات البحرية، لمراجعة الخرائط والوثائق القانونية ووضع رؤية فنية لترسيم الحدود، إلى جانب تطوير مراكز وطنية للرصد والمراقبة البحرية بالتنسيق مع موانئ جدة وينبع.
ولا تعني هذه الإجراءات أن اتفاقية نهائية أصبحت جاهزة للتوقيع، لكنها تشير إلى انتقال الملف إلى مرحلة إعداد الأساس الفني والقانوني الذي يمكن أن يسبق التفاوض بشأن خطوط الحدود البحرية أو تثبيتها.
وتثير هذه الخطوة الكثير من الجدل، بالنظر إلى الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، حيث لا تزال الحرب مشتعلة، في ظل غياب برلمان منتخب وعدم وجود شرعية للسلطة الحالية في بورتسودان.
وفي هذا السياق، شددت الولايات المتحدة الأميركية، عبر وزارة خارجيتها، على أن كلا من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وقادتهما لا يمثلان حكما شرعيا ودستوريا للسودان.
حدود تُقايض لا تُرسم
وبحسب مراقبين، فإن ما يجري حاليا من جانب قائد الجيش لا يخرج عن كونه تحركا من سلطة تحكم بالبندقية لا بصندوق الاقتراع، وتتفاوض على ثروات وحقوق سيادية ستبقى نافذة لعقود مقبلة، متجاوزة بذلك صلاحياتها الانتقالية بالكامل.
وتنص الوثيقة الدستورية لعام 2019، بحسب ما يرد فيها، على أن الاتفاقيات الدولية يصدق عليها مجلس تشريعي منتخب، لا مجلسا سيادة وحرب استوليا على الدولة بالقوة.
ومن جهة أخرى، قد لا تبدو الوقائع التي تشير إلى أن «صلاحيات المجلس التشريعي، إلى حين تشكيله، يمارسها مجلسا السيادة والوزراء» سوى غطاء قانوني هش صيغ في زمن مختلف تماما، ويُستخدم اليوم لتمرير قرار لا رجعة فيه باسم من لا يملكون، أصلا، حق التوقيع.
شريك يعرف تماما ما يفعل
في المقابل، ومن واقع المشهد الحالي، لا تبدو الرياض طرفا بريئا في هذا المشهد، فالمملكة تدرك جيدا هشاشة الطرف الذي تتفاوض معه وانعدام شرعيته، ومع ذلك تختار، بمحض إرادتها، التعامل مع سلطة حرب منقسمة، بدلا من انتظار عودة مؤسسات سودانية شرعية، لأن التفاوض مع طرف ضعيف لا يحاسبه أحد يجعل الصفقة أسهل وأكثر ربحا.
ويكشف تسويق الملف تحت عنوان «إدارة الفرص الاستثمارية في الحدود البحرية» عن جوهر الدافع الحقيقي، والمتمثل، بحسب هذا الطرح، في أنه لا يتعلق بالحدود والسيادة بقدر ما يتعلق بالموارد والامتيازات الاقتصادية التي تُنتزع من دولة منهكة في أضعف لحظاتها.
وظل اتفاق 1974 عالقا لعقود، لأن ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة قضية بالغة الحساسية. والآن، فجأة، تتسارع الخطوات في خضم حرب واقتتال داخلي، وهو توقيت لا يمكن اعتباره بريئا أو محايدا.
ويطرح هذا التوجه، إن حدث فعلا، الكثير من الأسئلة حول سبب إصرار سلطة عاجزة عن توفير الأمن لمواطنيها، وعاجزة حتى عن السيطرة على كامل أراضيها، على توقيع اتفاق حدودي دائم سيلزم أجيالا سودانية قادمة لم تُستشر ولم توافق.
كما ستكون الرياض أيضا في قلب الأسئلة الحائرة، وتحديدا حول سر قبولها بالتوقيع مع طرف كهذا، ما لم تكن مستفيدة، على الأرجح، من غياب الرقابة والمساءلة اللذين يوفرهما غياب أي مؤسسة منتخبة.
ما يُعَدّ اليوم في الخفاء ليس مجرد خط على خريطة، بل رهن لثروات السودان البحرية ومستقبله الاقتصادي بتوقيع سلطة لا تمثل، بحسب هذا الطرح، أحدا سوى نفسها.
وما دام هذا المسار مستمرا من دون كشف الخرائط والوثائق أمام الرأي العام السوداني، ومن دون رقابة مستقلة، فإن المسؤولية عن أي تفريط في حقوق السودان البحرية تقع مناصفة على عاتق من وقّع في بورتسودان ومن قبل التوقيع في الرياض.
