سرديات

كنت لا أحب القراءة!
حاول ابي كثيرا في تصحيح مساري الدراسي البائس وما نجح..

كان يعمل بحاراً في إحدى سفن الملياردير اليوناني أوناسيس..قال لي ذات ليلة إن أوناسيس قال لموظفيه-وهم يحتفلون بالأرباح الضخمة التي حققتها شركتهم:

*من أراد النجاح في حياته عليه أن يركز على العقبة التي تحول دون نجاحه باصرار الراغب في تجاوزها*:

It is during the darkest moments; we must focus to see the light!

طلب أبي مني أن أحاول تطبيق ما قاله أوناسيس في علاقتي مع الكتب واهداني كتابا بعنوان:
*كنوز الملك سليمان*..قرأته بصعوبة؛ وذهني يحرضني على اجتياز العقبة وفق ما قال به أوناسيس! وأخيراً نجحت!
أعجبتني السياحة التي رافقت فيها شخصيات الرواية إلى أفريقيا وأدغالها!

سير رايدر هجارد؛ مؤلف هذه الرواية الممتعة؛ أدخلني إلى عالمه فبدأت أبحث عن كتبه وأقرأها حتى عشقت القراءة عموماً؛ كأفضل هواية أمارسها؛ بعد أن كانت لي بعبعا لا اقتربه؛ بل كنت اعادي كلَّ مَن حدثني عنها!

فعل القراءة فن تتلاقى فيه جوانب كثيرة مع فعل الكتابة الابداعية..

هكذا أجابت السيدة السبعينية على سؤالي عن تذوق متعة القراءة..

فعل القراءة قد لا يختلف كثيرا عن الكتابة الابداعية نفسها من حيث الأفكار التي تتولد من فعل القراءة..!

القاريء يتفاعل مع النص الذي أمامه مستحضرا خبراته السابقة؛ ومبتعدا عن معالجة المؤلف لفكرة معينة؛ وصولاً لأفكار جديدة غير نمطية! وهذه الافكار غير النمطية التي توصل إليها بعد قراءته للنص هي التي تجعله يتساءل:

هل ثمة فرق بين المبدع صاحب النص، وقاريء النص الذي تسوقه قراءتُه إلى خلاصات، غاب عن الكاتب تناولُها؛ حين ركّز كلَّ همه على الفكرة الرئيسية؟

بالطبع هناك جوانب يمر عليها الكاتب في عُجالة باعتبار أنها ليست ذات صلة بالفكرة الأساسية التي يعالجها..ولكن هذه الجوانب الهامشية قد تكون في نظر القاريء ذات أهمية لا تقل عن الفكرة الأساسية!

تهشُّ لك كأنّها تعرفُك من زمن، وتحدثك بصوتٍ خافتٍ فيه لُكْنة هندية مفعمة بالمرح. وجهُها مُغَضّن (منكسر الجفن خِلْقة او بسبب الكبر او البغضاء) مليءٌ بالتجاعيد. وجهٌ جميل، من أجمل ما وقعت عليه عيناك، يذكرك بوجوهٍ كثيرة احببتها وضاعت منك في زحام الحياة..

هكذا وصف *الطيب صالح* الأم تيريزا، الراهبة الأشهر على مستوى العالم حين التقاها بمحض الصدفة في مطار من المطارات..

هي كذلك كانت تحمل من صفات الام تيريزا الكثير، وكانت تذكرني بوجوه كثيرة عرفتها كلما استقبلتني بابتسامتها الوضيئة التي كانت ترتسم على محياها دائماُ..

اسمها *مارغريت* بريطانية من أصول يونانية..

*مارغريت* سيدة  تعدت عقدها السابع وتدير مع زوجها مكتبة لبيع الكتب المستعملة في العاصمة العمانية..تشتري منها الكتاب بسعر مخفض وحين تقراه تعيده للمكتبة-إن اردت-فتشتريه منك بسعر اقل بقليل من السعر الذي دفعته حين اشتريته..

توطّدت علاقتي بهذه المكتبة واسمها  دار النثر House of Prose وكانت تحتل حيزاً كبيراً من الطابق العلوي في مركز القرم التجاري.. واصبحتُ من مرتاديها بانتظام خلال سنوات الاغتراب..

معظم الكتب الموجودة فيها روايات..لم يحدث أن زرتُ المكتبة، إلا وكانت *مارغريت* تمسك بكتابٍ تقرا فيه..

حقيقةً، ابهرتني هذه السيدة السبعينية لأنها كانت تقرأ بتركيز يجعلها أحيانا لا تنتبه لدخول زائر إلى مكتبتها..سألتُها ذات يوم: من هو الروائي الذي تفضلينه على غيره؟
اجابتني دون تردد: *توم كلانسي*..Tom Clancy..
لم اسمع به من قبل..
سالتُها ولِمَ توم كلانسي دون غيره؟
قالت إنه الافضل في سوق الادب من حيث مبيعات رواياته.. القياس هو سرعة نفاد الكميات المعروضة من الكتاب في الأسواق في فترة زمنية معلومة!

طلبتُ منها ان تختارَ لي روايةً من رواياته، فرشّحت لي رواية بعنوان: Patriot Games
أي،  *مواقف بطولية*..
اشتريتُها وقرأتُها في أيام، على الرغم من حجمها الذي يعد كبيراً بمقارنتها مع الروايات الاخرى (يزيد عدد صفحاتها على ٦٥٠ من القطع الصغير)..وحين زرتُ المكتبة بعد ان اكملت قراءتَها، شعرتُ بانها كانت تتوقع مني ان اعيد لها الرواية ولكنها فوجئت حين أبديت لها رغبتي في اقتناء المزيد من روايات هذا المبدع الأمريكي..

وجدت له ثلاث روايات أخرى تحمل العناوين التالية:

*The Hunt for Red October;*

*The Sum of All Fears;*

*Clear and Present Danger*..

اشتريتها؛ وبدأت أعيد قراءتها كلما وجدت الى ذلك سبيلا؛   مدفوعا بكلام مديرة المكتبة عن تذوق متعة القراءة للدرجة التي تتلاقى فيها بعض جوانبها مع الكتابة الابداعية.

رواية *مواقف بطولية* قرأتُها اكثر من مرة، وفي كل مرة، كنتُ اكتشفُ جديدا لم اقف عليه في المرة السابقة أو وددت لو أن المؤلف سلط عليه المزيد من الضوء..

ثم عرفتُ لاحقا ان الرواية التي صدرت في الثمانينيات انتجت فيلما سينمائيا..

شاهدت الفيلم في احدى دور السينما العمانية في مطلع تسعينيات القرن الماضي، قبل سنوات من عودتي النهائية للسودان..

أحبطتُ! وكم تمنيت لو لم أشاهده!
لم يَرقَ الفيلم إلى المستوى الذي توقعتُه..

الصورة التي اختزلتها في ذاكرتي عن *جاك ريان* بطل الرواية لم تكن هي ذاتها في الفيلم الذي لعب فيه دور البطولة هاريسون فورد Harrison Ford وآن آرشر Anne Archer.

الروائي *توم كلانسي* أتاح لي-وبالطبع لغيري من القراء كذلك-فرصةً لكي اتخيلَ الشخصيات كما يحلو لي..ان ارسمَ ملامحَها..أن اتفاعلَ معها في بعض المواقف حسب الصورة المتخيّلَة..أما الشخصيات على الشاشة فكانت ذات أشكال محددة، هي أشكال الممثلين وليست الشخصيات التي كنت اختزلها في ذاكرتي.. فكان ذلك خصما على متعة القراءة وتذوقها..

مُخيلة القارىء يجب  ان تكون حرة غير مؤطرة بالحدود التي يرسمها كاتب السيناريو او المخرج…هكذا خَلُصت..

الرواية حين تنتج سينمائيا، تحرم القارىءَ من التمتع بتشكيل شخوصها على هواه، وتبعده بالتالي عن الروائي، حيث يشعر القارىء بانه شريك خفي له..يضحك معه تارة في مواقف ويغضب منه تارةً، في مواقف اخرى، إن رأى الروائي يحيد عن المسار الذي توقعه له وذلك بالتعويل على الصورة المختزلة في ذهنه.

وهذا ما قصده *غبرائيل  غارسيا ماركيز* حين رفض عروض دور السينما لانتاج رائعته *مئة عام من العزلة* وبرر رفضه بقوله:
الصورة المرئية المجسدة بالسينما تستبعد حاجة القارىء للتخيُّل والتصور وبالتالي تعفيه من دوره الانتاجي في القراءة وتحيله إلى مستهلك سلبي..

إن للمتلقي دوراً يُعلي من شأن القارىء في العملية الابداعية..

فِعلُ القراءة ابداعٌ يعمل له الروائي الف حساب وهو يكتب روايتَه ويراه مكمّلا لعمله من بعض الجوانب…

هكذا كان موقفي من رواية *مواقف بطولية* بعد ان قراتُها وشاهدتُها لاحقا فيلما سينمائياً احتفتْ به دورُ السينما ولكنّه لم يرُق لي..

هل فعل القراءة ابداع؟

Reading is an art form; because it requires many of the same skills as making art.
When we read, we are making the novel, the story, the play, the poem  the memoir with the author. On the shelf the pages are full of black marks  but the book comes alive in our hands  our ear, our eye..