بين هبوط الدولار والغلاء.. الاقتصاد السوداني تحت المجهر

الخرطوم /  الغد السوداني – أمين محمد الأمين-شهدت أسواق العملات الأجنبية في السودان تقلبات حادة ومتسارعة، رسمت حالة من الارتباك والغموض في المشهد الاقتصادي المأزوم أساساً بفعل الحرب وتداعياتها الممتدة. وبين تراجع حاد للعملة الوطنية وصلت فيه أسعار الصرف إلى مستويات قياسية، ثم هبوط مفاجئ لسعر الدولار، ظلت أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية مستقرة في ذروتها السعرية دون أن تطرأ عليها تراجعات تذكر، مما أثار حيرة الشارع وتساؤلات المتابعين. وفي هذا الاستطلاع، يحلل الخبراء والمحللين الاقتصاديين جذور التحركات الأخيرة في سوق العملات، ويشخصون أسباب جمود الأسعار، محددين الأدوات النقدية والرقابية المتاحة للحد من المضاربات وصون الأمن الغذائي للمواطنين.


جمود الأسعار
أكد الخبير الاقتصادي الدكتور هيثم محمد فتحي أن التذبذب المفاجئ الأخير في سعر صرف الدولار لا يعني بالضرورة انخفاض أسعار السلع في الأسواق المحلية؛ مشيراً إلى أنه على الرغم من اتساق ذلك مع النظرية الاقتصادية، إلا أنه يستبعد حدوثه عملاً في الوقت الراهن، نتاج ما وصفه بـ “جشع بعض التجار” إلى جانب ضعف الرقابة الحكومية على حركة الأسواق.

آليات السوق
وأوضح د. هيثم أن الاقتصاد لا يخضع لنظام التسعير الجبري، مبيناً أن المحاولات الحكومية السابقة لإلزام التجار بأسعار محددة باءت بالفشل بداعي تعارضها مع مبادئ اقتصاد السوق الحر، وهو ما يفسر التفاوت الصارخ في أسعار السلعة ذاتها بين متجر وآخر داخل الحي الواحد.

هامش الربح
وأضاف الخبير الاقتصادي أن معظم السلع التي تسجل ارتفاعاً في أسعارها لا تعود إلى الانخفاض بسهولة، حتى في حال تراجع سعر الدولار أو هبوط الأسعار عالمياً، حيث يعمد بعض التجار إلى التعامل مع فروق الأسعار باعتبارها هامش ربح إضافي يُحتفظ به بدلاً من تمريره إلى المستهلك.

النقد الأجنبي
وفند د. هيثم المبررات التي يطرحها بعض المستوردين بشأن تحملهم تكلفة نقد أجنبي أعلى من السعر الرسمي المعلن في البنوك، مؤكداً أن الحكومة عملت على توفير النقد الأجنبي اللازم للعمليات الاستيرادية عبر الجهاز المصرفي، مما ينفي وجود أي تسويغ للحديث عن أسعار مزدوجة للدولار أمام المستوردين.

تكاليف الطاقة
وفي سياق متصل، أشار إلى أن ارتفاع أسعار النفط يُستغل كـ “مبرر عام” للإبقاء على المستويات السعرية المرتفعة، مشدداً على أن أثر النفط يتفاوت من سلعة إلى أخرى، ولا يمكن اتخاذه ذريعة لعدم تخفيض أسعار جميع المنتجات، ولا سيما تلك التي لا ترتبط مباشرة بتكاليف الطاقة.

ضعف الرقابة
ولفت إلى أن تحجج بعض التجار بالخشية من عودة الدولار للارتفاع مستقبلاً أو بطول دورة الاستيراد لا يقدم تفسيراً منطقياً لاستمرار الغلاء، مؤكداً أن السبب الرئيسي يكمن في استغلال بعض المتعاملين لضعف آليات الرقابة والمحاسبة داخل الأسواق.

دورة الاستيراد
وشرح د. هيثم أن تكلفة السلع المستوردة ترتبط رسمياً بسعر الصرف الذي تُدبر على أساسه العملة وقت التعاقد؛ فالمستورد الذي تحصل على الدولار بسعر مرتفع لا يمكنه إعادة حساب التكلفة وفق السعر المنخفض عند وصول الشحنة، كون التكلفة الفعلية قد تحددت مبكراً منذ بدء عملية الاستيراد.

التوازن السعري
ويرى الخبير الاقتصادي أن تراجع الدولار قد يستتبع انخفاضاً جزئياً في الأسعار لكنه لن يعيدها مطلقاً إلى مستوياتها السابقة، حيث تنزع الأسعار عادة نحو الاستقرار عند مستوى متوسط يعكس إجمالي عناصر التكلفة وليس متغير سعر الصرف فحسب.

الضغوط الخارجية
ونبه إلى أن تكلفة الاستيراد لا تزال تشكل عاملاً ضاغطاً، ولا سيما بالنسبة للسلع المجلوبة من دول تعاني من الحروب والاضطرابات العالمية، وهو ما تؤدي إلى وصول المنتجات إلى السوق المحلية بتكلفة باهظة رغم انخفاض سعر الدولار مقابل الجنيه السوداني.

مدخلات الإنتاج
واختتم الدكتور هيثم محمد فتحي حديثه بالإشارة إلى أن سعر الصرف ليس المحدد الوحيد لتكلفة السلعة، لافتاً إلى أن تصاعد أسعار الطاقة وزيادة أجور العمالة أسهما بشكل مباشر في رفع تكاليف الإنتاج الإجمالية، وهو ما انعكس نهائياً على أسعار البيع للمستهلكين.


مظاهر التذبذب
في السياق ذاته، أكد الأكاديمي والمحلل الاستراتيجي الدكتور عثمان أبو المجد أن تحركات سعر الصرف الأخيرة، سواء بارتفاع الدولار أو تراجعه اللاحق، تعكس جملة من العوامل المتداخلة؛ في مقدمتها اتساع الفجوة بين الصادرات والواردات، وسعي بعض الموردين لتأمين احتياجاتهم من العملة الأجنبية تغطيةً لمتطلبات الاستيراد، فضلاً عن الدور المحوري لكبار المتعاملين في السوق الموازي للتحوط وحماية رؤوس أموالهم وسط تهاوي قيمة الجنيه.

سلوك السوق
وأوضح د. أبو المجد أن استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسية بالتزامن مع التراجع النسبي لسعر الصرف يرجع بشكل مباشر إلى جشع بعض التجار واستغلالهم للظروف الراهنة لتحقيق أرباح طائلة على حساب المستهلك؛ مشيراً إلى غياب التوازي المفترض بين هبوط الدولار وانخفاض أسعار السلع في الأسواق.

الأمن الغذائي
وحذر الخبير الاستراتيجي من أن ترك الأسواق لممارسات المضاربة والتكسب الرخيص يمس الأمن الغذائي للمواطنين بشكل مباشر، مشدداً على أن تحسن قيمة الجنيه يجب أن ينعكس إيجابياً على القوة الشرائية، ومتطرقاً إلى أهمية تدخل الدولة لتخفيف الأعباء عبر التوسع في مراكز البيع المخفض داخل الأحياء والمحليات.

السياسات النقدية
ولفت د. أبو المجد إلى أن الحد من تحكم كبار المضاربين يظل مرهوناً بمدى فاعلية السياسات النقدية والإجراءات الحكومية، داعياً إلى إحكام الرقابة وفرض عقوبات رادعة على المضاربين والمستحوذين على النقد الأجنبي، وتوجيه الموارد نحو السلع الاستراتيجية التي تشكل أولوية قصوى للبلاد.

الأزمات الخارجية
وأشار إلى أن اضطراب إمدادات الوقود يرتبط أيضاً بأزمات إقليمية ودولية تؤثر على حركة الملاحة عبر الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب، وهو ما يلقي بظلاله على تكاليف الشحن وتوفر الطاقة، لينعكس سلباً على التكلفة النهائية للمستهلك المحلي.
المخططات الاقتصادية
ونبه الخبير الاستراتيجي إلى مخاطر فرض التعامل بعملات محددة أو الاشتراط الصارم للتداول بالدولار في صفقات استيراد الوقود، واصفاً ذلك بالسياسات المستهدفة للإضرار بالاقتصاد الوطني، ومؤكداً على ضرورة تنويع الخيارات الاقتصادية والمقاصات المالية لمواجهة الضغوط الخارجية على العملة الوطنية.

الرقابة الأمنية
واختتم الدكتور عثمان أبو المجد بالتشديد على المحورية البالغة لدور جهاز الأمن الاقتصادي في المرحلة الحالية، داعياً إلى تفعيل الأدوات الرقابية والتنفيذية لملاحقة التجاوزات التي تمس الاستقرار الاقتصادي، بما يكفل ضبط حركة الأسواق وحماية الجنيه السوداني من المضاربات الضارة.

 


تراجع مؤقت
وأكد الخبير الاقتصادي الدكتور أبو بكر التجاني أن هبوط سعر صرف الدولار إلى مستوى 7,600 جنيه لا يعكس أي تعافٍ هيكلي للاقتصاد، موضحاً أنه تراجع مؤقت ناتج عن منافسة محتدمة وتضارب مصالح بين المضاربين والتجار أنفسهم. ونبه إلى غياب المقومات الهيكلية للتحسن؛ كزيادة الصادرات أو تدفق وديعة مالية ضخمة، مبيناً أن الأيام القادمة ستكشف ما إذا كان هذا السعر صورياً أم معبراً عن حركة السوق الحقيقية.

جمود الأسعار
وأرجأ د. التجاني استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسية رغم هبوط الدولار إلى شراء التجار لشحناتهم بسعر الصرف المرتفع السابق (بين 8,000 و9,000 جنيه)؛ ما يجعل تخفيضها السريع أمراً معقداً لكونها تمثل رؤوس أموالهم المرصودة للتداول والربح. وأشار إلى أن تراجع أسعار السلع لا يحدث طفرة واحدة، بل يتخذ مساراً انخفاضياً تدريجياً.

تقييد الحسابات
وعن الأدوات النقدية المتاحة، شدد الخبير الاقتصادي على ضرورة فرض قيود مشددة على الحسابات المصرفية لكبار المضاربين للحد من السحوبات المالية الضخمة يومياً وأسبوعياً. ولفت إلى أنه في ظل غياب حصائل الصادرات وتأخر الودائع الخارجية لتغذية البنوك التجارية ومقابلة الطلب على النقد، يظل حصر كبار التجار وتجفيف سيولتهم النقدية الأداة الأكثر نجاعة في الوقت الراهن.

تراجع تدريجي
وحول أثر المضاربة في السلع على الأمن الغذائي، أوضح د. التجاني أن أحجام الشراء ستقل نتاج عزوف المواطنين عن الشراء بالأسعار العالية؛ ما سيتسبب في تراكم المعروض بالأسواق (خاصة الدقيق والسكر). وأكد أن هذا الركود سيفسح المجال لتراجعات تدريجية في الأسعار، حيث سيتجه التجار للتخلص من مخزونهم وتفادي استمرار الخسائر.

تكبد الخسائر
وأضاف أن مرحلة الانخفاض الحالية ستفرض على تجار السلع والعملات تحمل جزء من الخسائر المالية كأمر واقع، بعد أن حققوا أرباحاً طائلة في الفترات السابقة. وأشار إلى أن محاولات التصريف السريع للمخزون ستدفع بالأسعار نحو الهبوط المتوازي مع سعر الصرف، وهو ما يسهم نسبياً في تخفيف حدة أزمة الأمن الغذائي عن كاهل المواطنين.

كبار المضاربين
ورأى د. التجاني أن معالجة اضطراب سوق العملات تبدأ بكبح حركة كبار التجار وتحجيم رؤوس أموالهم، لافتاً إلى أن المتداولين في الشوارع ليسوا سوى وكلاء لصالح كبار المضاربين المعروفين لدى أجهزة الأمن الاقتصادي. وأكد أن تحييد النشاط المالي لهؤلاء الكبار سينعكس فوراً على هبوط أسعار العملات الأجنبية.

حلول هيكلية
واختتم الدكتور أبو بكر التجاني إفادته بالتأكيد على أهمية الحلول الاقتصادية الكلية؛ وفي مقدمتها تنظيم صادرات الذهب، وإلزام تصدير السلع بإعادة الحصائل إلى بنك السودان المركزي، والعمل على استجذاب وديعة دولارية. وشدد على أن الحزمة العاجلة تتطلب مواجهة المضاربين أمنياً ونقدياً، وتقييد حركتهم المالية داخل الجهاز المصرفي لاستعادة تعافي الجنيه السوداني.

تهاوي الجنيه
إلى ذلك، أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور الفاتح عثمان محجوب أن هذه الزيادات المتلاحقة انعكست بصفة مباشرة على الأسعار المحلية، مما أسفر عن موجة غلاء طالت مختلف السلع، ولا سيما أن أغلبها إما مستورد بالكامل أو يعتمد بصورة أساسية على مدخلات إنتاج أجنبية.

تداعيات الحرب
وأرجع د. الفاتح الانخفاض المتواصل لقيمة العملة الوطنية إلى وجود خلل هيكلي وفجوة واسعة بين العرض والطلب على النقد الأجنبي، متطرقاً إلى الدور المحوري للحرب الراهنة في تفاقم الأزمة. وأبان أن الصراع المسلح تسبب في انحسار حجم الصادرات، إلى جانب لجوء ملايين السودانيين إلى دول الجوار، مما أدّى إلى تحويل معظم مدخرات وتحويلات المغتربين لمساندة ذويهم في مناطق اللجوء والنزوح، لتفقد البلاد بذلك أحد أهم مصادرها التغذوية من النقد الأجنبي.

العوامل الهيكلية
وأكد الخبير الاقتصادي أن تهاوي سعر الصرف يعود إلى عوامل واقتصادية واقعية وليس مجرد نتاج لمؤامرات خارجية، مع عدم استبعاده تماماً لإمكانية تدخل أطراف خارجية في التأثير سلباً على قيمة الجنيه. وأشار إلى أن الضغوط الهيكلية المتمثلة في شح الموارد وزيادة الطلب تظل المحدد الأبرز لحركة سوق الصرف.

ارتباك الأسواق
وعزا د. الفاتح الارتفاع الاستثنائي في أسعار السلع إلى اتخاذ غالبية المصانع والشركات التجارية قراراً بتجميد عمليات البيع، مما أحدث حالة من عدم اليقين والارتباك الشامل داخل الأسواق. وأوضح أن هذه الحالة ضاغطة ومؤقتة، ومن المتوقع أن تبدأ في التلاشي بمجرد استئناف المصانع لنشاطها وإعلان قوائم الأسعار الجديدة.

انتظار الاستقرار
ولفت إلى أن معظم القاعات الإنتاجية والتجارية فضلت التوقف المرحلي عن طرح منتجاتها، بانتظار اتضاح الرؤية بشأن اتجاهات سعر الصرف واستقراره عند مستويات محددة، سواء بالارتفاع أو الانخفاض. ويرى أن هذا الترقب يهدف إلى تفادي الخسائر الناجمة عن التقلبات السعرية السريعة.

وفاء الإمدادات
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن الحركة السعرية للسلع أضحت مرتبطة كلياً بسعر صرف الجنيه، في ظل انسياب الواردات وتدفق المنتجات بسلاسة من أسواق رئيسية مثل مصر والسعودية والإمارات والصين والهند، فضلاً عن امتلاك المصانع والشركات لمخزون سلعي جبار يغطي غالبية الاحتياجات الاستهلاكية.

الدعم الخارجي
وشدد د. الفاتح على أن الاستعانة بقروض ميسرة أو منح مالية من الدول الشقيقة والصديقة بات أمراً حيوياً وضرورياً في الوقت الراهن؛ لتغذية شريان الاقتصاد وتحقيق استقرار سريع في سعر الصرف على المديين القصير والمتوسط، ومساندة الجهاز المصرفي في تلبية الطلب.


زيادة الإنتاج
واختتم الدكتور الفاتح عثمان محجوب إفادته بالقول إن استدامة استقرار الجنيه السوداني على المدى الطويل تظل مرهونة بإحداث قفزة حقيقية في الإنتاج المحلي وتحفيز حصائل الصادرات. ودعا الجهاز التنفيذي وحكومة الدكتور كامل إدريس إلى وضع ملف دعم الإنتاج والصادر في صدارة الأولويات والاهتمامات الراهنة لضمان التعافي الاقتصادي الشامل.