الدكتور النور حمد في الميزان (العقل الرعوي بين الوعي والطبع – الأطروحة، وانزياحاتها السياسية!)…

معتز محمد بشير  يكتب …
مدخل (الإنصاف قبل النقد):
لا ينبغي أن يُختزل أي مشروع فكري في مواقف صاحبه السياسية الآنية؛ فالحكم على الأطروحة يجب أن يُفصل، منهجيا، عن الحكم على مواقف صاحبها؛ من هذا المنطلق، فإن أطروحة الدكتور “النور حمد” حول (العقل الرعوي) تستحق أن يُنظر إليها بوصفها جهدا تفسيريا جادا، يحاول أن يمسك بخيط ناظم لتعثر السودان، بل والفضاء العربي والإفريقي بأسره، في الإمساك بأسباب الحداثة؛ فهي، من حيث المبدأ، محاولة لتفسير الظاهرة لا لتبريرها، وهذا وحده يستحق أن يُحسب له، بصرف النظر عمّا اعتراها لاحقا من ارتباك أو تحولات في التوظيف.
غير أن الإنصاف للمشروع لا يعني التغاضي عمّا اعترى صاحبه من خلل منهجي جوهري، وعجزه عن الفصل بين العقل الأكاديمي والعقل السياسي، حتى انجرفت أطروحته، في بعض مواضعها اللاحقة، من موقع التحليل إلى موقع التوظيف والتبرير السياسي الآني، بعيدا عن صرامتها التأسيسية الأولى؛ وهنا بيت القصيد.

خيانة الإكليروس الفكري (من “بندا” إلى “غرامشي”):
حين ينزلق مفكر من موقع التحليل البنيوي المجرد إلى موقع التوظيف السياسي المناسباتي، فإنه لا يُخرج نفسه فحسب من دائرة الصرامة الأكاديمية، بل قد يعيد إنتاج الآلية نفسها التي حذّر منها “جوليان بندا” في كتابه المفصلي (خيانة المثقفين)؛ حيث يرى بندا أن وظيفة “الإكليروس” الفكري، أي طبقة العلماء والمفكرين، ينبغي أن تنحاز إلى قيم مجردة كالعدل والحقيقة، لا إلى مصالح فئوية أو سياسية آنية؛ وأن الخيانة الحقيقية للمثقف لا تكمن في تغيير رأيه، فالمراجعة والنقد حق أصيل في المعرفة، وإنما في تطويع المعيار المعرفي نفسه لخدمة غرض سياسي متغير.
فمراجعة الأطروحة، أو حتى نقضها، ليست عيبا، بل فضيلة معرفية؛ لأن طبيعة المعرفة وشروطها تقوم على السيرورة والنقد والديناميكية؛ العيب هو ترك باب موارب بدل المراجعة الصريحة، بعدم الإفصاح عن التحول، والاكتفاء بالانزياح الصامت نحو ما يخدم الموقف السياسي الراهن؛ وهو ما يجعل خطاب المفكر بلا معيار ثابت يمكن مساءلته، أو اختبار اتساقه، أو الوثوق باستمراريته المنهجية.
ويضيف “أنطونيو غرامشي” بعدا آخر مفيدا هنا، في تفريقه بين المثقف التقليدي الذي يزعم الترفع فوق الصراعات الاجتماعية والسياسية، والمثقف العضوي الذي يعي موقعه داخل بنية اجتماعية ومصالح تاريخية بعينها؛ ومأزق “حمد”، من هذه الزاوية، هو مأزق من يتنكر لعضويته السياسية بلغة الحياد الأكاديمي؛ فيصبح خطابه هجينا، لا يفي بشرطي الاتساق معا لا هو تحليل بنيوي مجرد، ولا هو موقف سياسي مُعلن يتحمل صاحبه تبعاته المعرفية والسياسية.

التراجع غير المعلن (حين تصطدم الأطروحة بالبراغماتية السياسية):
وهنا أصل إلى واحدة من أولويات هذا النقد، وربما إلى أكثر نقاطه حساسية التناقض بين مقتضيات أطروحة (العقل الرعوي) وبين بعض المواقف والتوظيفات السياسية اللاحقة التي اتخذها “حمد”.
فالمشكلة ليست في أن يغيّر المفكر موقفه السياسي؛ فهذا حق لا ينازعه فيه أحد، ولا في أن يكتشف قصورا في أطروحته الأولى فيراجعها؛ فالمراجعة العلمية، كما أسلفنا، ليست تهمة وإنما شرط من شروط حياة الفكرة؛ المشكلة تبدأ حين تتغير نتائج الأطروحة في التطبيق، بينما تظل الأطروحة نفسها قائمة في الخطاب وكأن شيئا لم يتغير.
هنا يصبح السؤال مشروعا هل جرى نقد الأطروحة الأولى ومراجعتها؟ أم جرى تجاوز بعض مقتضياتها سياسيا مع الإبقاء عليها نظريا؟.
ذلك أن (العقل الرعوي)، إذا كان، وفق بناء الأطروحة، بنية ثقافية وتاريخية تعيد إنتاج العصبية والغلبة والشخصنة وإضعاف المؤسسة، فلا يمكن أن تتغير أحكامنا على الفاعلين السياسيين الذين يجسدون هذه الآليات لمجرد أن موقعهم السياسي تبدّل، دون أن نقدم تفسيرًا نظريا لهذا الاستثناء.
فإذا كانت الرعوية بنية تتجاوز الأشخاص والانتماءات السياسية، فلا ينبغي أن تصبح فجأة أقل رعوية حين يأتي السلوك من الجهة التي نتعاطف معها سياسيا، أو أكثر رعوية حين يأتي من الجهة التي نختلف معها؛ وإلا تحولت الرعوية من مفهوم تحليلي إلى أداة انتقائية تُستدعى حيث تخدم الحكم السياسي، وتُعلق حيث تتعارض معه.
وهنا تحديدا تظهر البراغماتية السياسية في أكثر صورها إشكالا ليس باعتبارها قدرة على المناورة أو تغيير التكتيك، فهذا جزء طبيعي من السياسة، وإنما باعتبارها إعادة ترتيب للمعيار النظري وفق مقتضيات اللحظة السياسية؛ فالبراغماتية السياسية تصبح مشكلة معرفية عندما لا تقول: (لقد راجعت موقفي)، وإنما تتصرف كما لو أن الموقف الجديد كان متسقا منذ البداية مع الأطروحة القديمة؛ وهذا ما أراه في حالة “حمد” ليس تراجعا معلنا يمكن مساءلته، وإنما انزياحا غير معلن في حدود تطبيق الأطروحة ومجال استخدامها؛ فهو لم يقل لنا بوضوح إنني كنت مخطئا في هذا الجزء، أو إنني أعيد النظر في هذا الاستنتاج، أو إن الواقع الجديد أجبرني على تعديل هذه الفرضية؛ وإنما تُرك للقارئ أن يستنتج التعديل من تغير المواقف والاصطفافات.
وهنا تكمن المشكلة الأكاديمية تحديدا؛ لأن النظرية لا تُختبر فقط بما تقوله عن خصومنا، وإنما بما تستطيع تفسيره عندما يصبح الاختبار مؤلما لصاحبها نفسه.
إذا كانت الأطروحة تفسيرا بنيويا، فعليها أن تكون قادرة على عبور المواقف السياسية المتغيرة، وإلا فقدت جزءا من قوتها التفسيرية؛ أما إذا أصبحت صلاحية المفهوم مرتبطة بموقع الفاعل من الخريطة السياسية، فإننا لا نكون أمام تحليل بنيوي بقدر ما نكون أمام تسييس للمفهوم؛ والأكثر إشكالًا أن “حمد” نفسه كان قد منح أطروحته قوة تتجاوز الأشخاص والأحزاب؛ فهو لم يقل إن الرعوية حكر على جماعة سياسية بعينها، بل قدمها كبنية ممتدة في التاريخ والثقافة والمجتمع؛ وبالتالي، فإن أي تراجع عن تطبيق مقتضياتها على حالة سياسية ما يحتاج، علميا، إلى مراجعة معلنة لمعيار الأطروحة نفسها، لا إلى مجرد تغيير في موقع الحكم.
أنا هنا لا أطالب “حمد” بأن يظل أسيرا لما كتب إلى الأبد؛ فهذا يناقض جوهر المعرفة التي أدافع عنها في هذا المقال؛ إنما أطالبه بما هو أكثر بساطة وأكثر شجاعة أن يقول بوضوح، لقد تغير رأيي، وهذه أسباب التغيير، وهذه حدود أطروحتي القديمة، وهذا ما أحتفظ به منها وما أتراجع عنه.
أما أن تبقى الأطروحة قائمة في صورتها التأسيسية، بينما يجري تعطيل بعض نتائجها عندما تصطدم بالحساب السياسي، فذلك يخلق تناقضا بين المعيار المعرفي والموقف السياسي؛ وهنا لا يعود السؤال هل يحق للمفكر أن يغير موقفه؟؛ بالتأكيد يحق له؛ بل يصبح السؤال هل يملك المفكر شجاعة أن يُعلن أن تغييره للموقف يستلزم تغييرا في أطروحته، أم أنه يريد الاحتفاظ بمهابة الأطروحة القديمة، مع التحرر من تبعاتها حين لا تخدم اللحظة؟.
وهذه، في تقديري، هي المسافة الدقيقة بين المراجعة العلمية والبراغماتية السياسية؛ فالمراجعة تقول: أخطأت هنا، وأعيد بناء موقفي على ضوء معطيات جديدة؛ أما البراغماتية غير المعلنة فتقول ضمنيا: النظرية صحيحة، لكن تطبيقها يتغير بحسب موقع الفاعل السياسي؛ والفرق بين الاثنين ليس لغويا، بل معرفي وأخلاقي وسياسي.

الراعي الذي وشى بجيفارا (إعادة قراءة الاستثناء لا نقضه):
إضافةً إلى النماذج والأمثلة التي ذكرها “النور” حول ممانعة بعض الفئات للتغيير، بل وإعاقته، أستحضر ذلك الراعي الذي دلّ على مكان “تشي جيفارا” في غابات نانكاهوازو في بوليفيا، مما أسهم في الوصول إليه والقبض عليه، وانتهى الأمر بإعدامه؛ والمفارقة الصادمة أن “جيفارا” كان قد أفنى جانبا كبيرا من حياته في الدفاع عن قضايا الفلاحين والطبقات المسحوقة والعمال.
هذا المثال لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه واقعة عابرة، ولا بوصفه دليلا على طبع رعوي ثابت، بل يمكن قراءته بوصفه استثناءً كاشفا لفجوة الوعي بين الفاعل الثوري ومن يُفترض أنه المستفيد الأول من فعله؛ كما يمكن الاستعانة بـ”فرانز فانون”، الذي جادل في (معذبون الأرض) بأن الفلاحين، وبعض الفئات الريفية المهمشة، حين تُترك خارج بنية التنظيم والوعي الثوري، يمكن أن تصبح أكثر عرضة للاستدراج من القوى المضادة للثورة؛ لا لعطب جوهري في طبيعتها، وإنما لغياب الأداة السياسية والتنظيمية التي تحوّل غضبها العفوي إلى وعي منظم وفعل تاريخي؛ وهذا يتقاطع، بدرجة ما، مع الخلاصة التي يمكن استخراجها من الفقرة الأخيرة عند “حمد”، فتصبح العلة ليست بالضرورة بنيوية أبدية في الرعوية بوصفها طبعا، وإنما في غياب شروط الوعي والتنظيم التي تسمح بتحويل الفاعل الاجتماعي من موضوع للتاريخ إلى ذات فاعلة فيه.

من يعيق الحداثة؟ (اللومبروليتاريا في الميزان الماركسي):
بالنظر إلى التجربة السودانية المباشرة، نجد أن بعض الفئات الدنيا والمهمشة، في التاريخ الحركي لمظاهرات الطلاب، كثيرا ما وقفت حجر عثرة أمام الحراك، بل أعانت السلطة أحيانا على تفكيكه، بينما شكّلت قطاعات من الطبقة الوسطى وبعض الفئات المهنية والمدنية النواة الفعلية في حراك ثورة ديسمبر 2018م؛ هذه الملاحظات تجد سندا نظريا مهما عند “كارل ماركس” نفسه، خصوصا في الثامن عشر من برومير لويس بونابرت، حين تناول مفهوم اللومبروليتاريا بوصفها كتلة اجتماعية مفككة وغير مستقرة تنظيميا، يمكن، في ظروف سياسية وتاريخية معينة، استمالتها وتحويلها إلى أداة في يد القوى الرجعية؛ وليس ذلك بسبب موقعها الاقتصادي وحده، وإنما أيضا بفعل طبيعة وضعها الاجتماعي ودرجة تفككها وضعف تنظيمها وقدرتها على بلورة مصلحة مشتركة؛ لكن هنا ينبغي الانتباه إلى نقطة مهمة، لا يجوز اختزال الفئات الدنيا أو المهمشة في مفهوم اللومبروليتاريا؛ فاللومبروليتاريا مفهوم أكثر تحديدا من مجرد الطبقات الدنيا، كما أن الفارق بين البروليتاريا واللومبروليتاريا ليس مجرد فارق في درجة الوعي؛ إنما يتعلق الأمر بالموقع الاجتماعي والاقتصادي، وعلاقة الفئات بعملية الإنتاج، ودرجة الاستقرار والتنظيم، والقدرة على تحويل المصلحة المشتركة إلى فعل جمعي منظم.
وهذا التمييز بالذات هو ما يفتح الباب أمام نقد أطروحة الدكتور “النور حمد”.

نقدي للنور حمد (الوعي لا الطبع، والتراكم الكمي المفضي إلى تحول كيفي):
هنا يكمن جوهر الأطروحة المضادة التي أطرحها؛ وهي، في تقديري، أدق فلسفيا وأكثر مرونة تاريخيا من الطرح الأصلي عند “حمد” العقل الرعوي ليس عطبا جوهريا أبديا يحول بنيويا دون الحداثة؛ كما قد يوحي بعض صيغ طرح “حمد” المتكئ على ثنائية “ابن خلدون” بين البداوة والحضارة بوصفها ثنائية ذات امتدادات تاريخية طويلة، وإنما هو حالة وعي قابلة للتحول، شرطها الأداة والتنظيم والتراكم؛ وهذا الطرح يستعيد أحد قوانين الديالكتيك الأساسية، ألا وهو قانون تحول الكم إلى كيف؛ إذ إن التغيرات الكمية التدريجية، حين تتراكم وتبلغ حدًا معينا، يمكن أن تُحدث قفزة نوعية في طبيعة الظاهرة ذاتها.
وتطبيقا على أطروحتنا حول العقل الرعوي، فإن هذا العقل ليس جوهرا ثابتا خارج التاريخ، بل هو نتاج لتراكم من الشروط المادية والاجتماعية والمعرفية؛ فإذا تراكم الوعي عبر التعليم، والتنظيم السياسي، والتجربة النضالية المتكررة، وتوسعت القدرة على النقد الذاتي، بالقدر الكافي، فإن البنية الرعوية بوصفها بنية وعي يمكن أن تنقلب كيفيا إلى وعي مدني ـ حداثي؛ لا لأن طبيعة الجماعة تبدلت بيولوجيا، ولا لأن ثقافتها اختفت بمعجزة، وإنما لأن شروطا تاريخية جديدة تراكمت إلى الحد الذي يسمح بإنتاج كيف جديد من الوعي؛ وهذا يمنح الطرح مرونة تفسيرية تفتقر إليها أطروحة “حمد” في صيغتها الأقرب إلى الحتمية الثقافية. فـ”حمد” يقارن السودان بإثيوبيا، مثلا، بوصف الأخيرة محظوظة بحماية جغرافية أبقت على قدر من تواصليتها الحضارية؛ وهذا تفسير جغرافي ـ تاريخي مهم، لكنه يكاد، إذا أُخذ إلى نهايته المنطقية، يجعل من الرعوية قدرا تاريخيا يصعب الفكاك منه.
أما إذا استعرنا أدوات “باولو فريري” في مفهوم الوعي النقدي، فإن ما يحدد قابلية أي جماعة، رعوية كانت أو حضرية، للانخراط في التحديث، ليس أصلها الاجتماعي وحده، بل مدى امتلاكها لأدوات نقد واقعها وفهم شروط وجودها وقدرتها على تحويل هذا الفهم إلى ممارسة؛ وهذا شرط يمكن بناؤه سياسيا وتربويا وتنظيميا، لا مجرد انتظاره من محض التطور الجغرافي أو التاريخي.
عليه أنا هنا لا أنفي أطروحة “النور حمد” في أن العقل الرعوي، بما يحمله من قيم وعلاقات وأنماط تفكير، يمكن أن يشكل عائقا أمام الحداثة والتقدم؛ بل أتفق مع هذا الجانب من تشخيصه؛ لكن خلافي يبدأ من النقطة التي يتحول فيها هذا العائق من بنية وعي قابلة للتغيير إلى ما يشبه طبعا ثقافيا ثابتا؛ فالرعوية، في تقديري، ليست قدرا اجتماعيا ولا جوهرا مغلقا، وإنما نمط من الوعي تنتجه شروط تاريخية واجتماعية محددة … الخ كما أبنت سابقا.

بُعد نفسي مُكمّل (الإنكار بوصفه آلية دفاع لا طبعا):
يلحظ “حمد” نفسه، في مقالاته، أن الإنكار والمكابرة سمتان ملازمتان لبنية العقل الرعوي؛ ويمكن تعميق هذه الملاحظة بأداة تحليلية من علم النفس المعرفي، بدل تركها في مستوى الوصف الأخلاقي العام، وذلك عبر مفهوم التنافر المعرفي الذي صاغه “ليون فستنغر”؛ فحين تتعارض تجربة الفشل المتكرر، كما في تجربة الإسلاميين التي أشار إليها “حمد”، مع صورة الذات الإيديولوجية المتعالية أو مع صورة الجماعة عن صوابها التاريخي، قد يلجأ الفاعل، فردا كان أو جماعة، إلى تبرير الفشل بدل مراجعة المقدمات التي قادت إليه، تفاديا للكلفة النفسية والمعرفية الناتجة عن إعادة بناء منظومة المعنى بأكملها.
هذا التفسير النفسي لا يهدم أطروحة “حمد” بقدر ما يوسعها؛ فالإنكار ليس خاصية جوهرية للرعوي، بما هو رعوي، وإنما آلية دفاع نفسي عامة يمكن أن تشتد كلما ضعفت أدوات المراجعة النقدية، وخصوصًا داخل الجماعات المغلقة أيديولوجيا أو تنظيميا؛ وهنا نعود مجددا إلى جوهر المسألة الوعي لا الطبع؛ فالإنسان لا يولد حاملا عقلا رعويا باعتباره قدرا لا فكاك منه، وإنما يتشكل وعيه داخل شروط تاريخية واجتماعية ومادية محددة؛ وما يتشكل تاريخيا يمكن، من حيث المبدأ، أن يعاد تشكيله تاريخيا.

من الرعوية إلى الفاعلية التاريخية:
ربما تكون القيمة الحقيقية لأي أطروحة فكرية في قدرتها على أن تتحول من أداة لتفسير الواقع إلى سؤال عن إمكانية تغييره؛ وهنا بالضبط أجد حدود أطروحة (العقل الرعوي) وإمكان تجاوزها في آن واحد؛ فإذا كانت الرعوية قد تشكلت تاريخيا، فلا يجوز أن تتحول هي نفسها إلى قدر فوق التاريخ؛ وإذا كان الوعي نتاجا لشروط اجتماعية ومادية وتاريخية، فإن تغيّر هذه الشروط لا بد أن يفتح إمكانا لتغيّر الوعي الذي أنتجته؛ وما نرفضه هنا ليس تشخيص الرعوية بوصفها عائقا، وإنما تحويل العائق إلى ماهية، والعادة التاريخية إلى طبيعة، والشرط الاجتماعي إلى مصير.
ومن هنا فإن المسألة لا تنتهي عند القول بأن ثمة عقلا رعويا يقاوم الحداثة، بل تبدأ عند السؤال الأصعب: ماذا نفعل بهذا الوعي حين نريد تغييره؟ فالتاريخ لا يُنتج فقط بنى تعيد إنتاج نفسها، وإنما تنتج داخله أيضًا لحظات انكسار وإعادة تركيب؛ لحظات يصبح فيها الإنسان، والجماعة، والطبقة، والتنظيم، قادرين على تحويل ما ورثوه إلى شيء آخر. وفي هذه المسافة تحديدا تقع الفاعلية التاريخية: أن لا يكون الإنسان مجرد نتاج لشروطه، بل قادرا، عبر الوعي والتنظيم والممارسة، على إعادة إنتاج شروط جديدة.
لذلك، لا أرى أن تجاوز العقل الرعوي يعني انتظار اختفائه الطبيعي، ولا استبدال جماعة بأخرى، ولا البحث عن مجتمع أكثر حداثة بحكم جغرافيته أو تاريخه؛ وإنما يعني إنتاج الشروط التي تجعل الوعي نفسه قادرًا على نقد ما ورثه وتجاوزه؛ وحين يصبح النقد ممارسة اجتماعية، والتنظيم أداة للوعي، والتجربة مادة للتعلم، لا يعود الماضي حكمًا نهائيا على المستقبل.
وهنا، في تقديري، تكمن المسألة التي ينبغي أن يبقى عندها النقاش مفتوحا: ليس هل يوجد عقل رعوي، ولا حتى هل يعوق الحداثة؛ وإنما هل نملك الشجاعة الفكرية والسياسية لتحويل الإنسان من موضوع تفسره البنية إلى ذات تشارك في تغييرها؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فإن الرعوية ليست نهاية التاريخ، بل واحدة من شروطه التي يمكن أن تُفكك وتُعاد صياغتها؛وعندها لا يعود الرهان على الخروج من الرعوية فحسب، بل على صناعة الإنسان القادر على إنتاج تاريخ مختلف.
✨✨✨
المراجع:
💢 النور حمد، العقل الرعوي في استعصاء الإمساك بأسباب التقدم

💢 النور حمد، مقالات (العقل الرعوي) 2016.

💢 عبد الله علي إبراهيم، (النور حمد والعقل الرعوي: تشريح التشريح).

💢 Karl Marx, The Eighteenth Brumaire of Louis Bonaparte.

💢 Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks.

💢 Julien Benda, La Trahison des Clercs.