ماذا يمسك جبريل على الدولة؟
الممشى العريض
خالد ابو شيبة يكتب..
قبل أربعة أشهر كتبت المقال أدناه وأنا أظن أن ما يحدث للاقتصاد السوداني من تدهور وما يعيشه المواطن من ضيق وعجز وقسوة في تفاصيل الحياة اليومية ربما يدفع أصحاب القرار إلى مراجعة سياساتهم أو على الأقل إلى الإحساس بوجع الناس.
لكنني أعود اليوم إلى المقال ذاته لا لأنني سعيد بأن ما حذرت منه قد حدث وإنما لأنني حزين على وطنٍ تتسع فيه المعاناة بينما يبدو أن لا أحد يريد أن يسمع أنين المواطن.
قبل أربعة أشهر كان السؤال: إلى أين يمضي الاقتصاد؟ واليوم أصبح السؤال أكثر إيلاماً: إلى متى يظل المواطن وحده يدفع ثمن كل شيء؟ تتغير الأرقام يرتفع الدولار تتآكل قيمة الجنيه تتسع دائرة الفقر ويصبح الحصول على أبسط ضروريات الحياة معركة يومية بينما تظل المسؤولية السياسية أقوى من وجع الناس وتظل بعض المقاعد عصية على الرحيل مهما كان حجم الفشل.
ولذلك أعيد نشر هذا المقال اليوم ليس للتذكير بما كتبته فقط وإنما لأقول إن الأزمة لم تعد تحتمل الصمت وإن المواطن السوداني الذي تحمل الحرب والنزوح والفقد والجوع يستحق أن يجد من يشعر به لا من يزيد أعباءه.
وأمام استمرار هذا المشهد يظل السؤال الذي طرحته قبل أربعة أشهر قائماً بل أكثر إلحاحاً: ماذا يمسك جبريل على الدولة؟ ولماذا يبدو أن بقاءه في موقعه أصبح أقوى من كل هذا الوجع؟
وهذا هو المقال كما كتبته قبل أربعة أشهر.
حرب جبريل على المواطن.. أخطر من حرب الجيش والدعم السريع
لدي قناعة راسخة عبرت عنها منذ الأيام الأولى لهذه الحرب اللعينة عندما بادر وزير المالية جبريل إبراهيم إلى رفع رسوم استخراج الجواز وزيادة الدولار الجمركي ورفع الرسوم والجبايات بينما كان المواطن السوداني المغلوب على أمره يرزح تحت وطأة النزوح والجوع وفقدان الأمن والهم والغم.
يومها قلت إن جبريل يخوض حرباً أخرى ضد المواطن حرباً لا تُسمع فيها أصوات المدافع ولا الانفجارات لكنها تهد حيل الناس وتستنزف ما تبقى من قدرتهم على الحياة حرب هي أخطر من حرب الجيش والدعم السريع التي دفع المواطن ثمنها موتاً ونزوحاً وخراباً.
اليوم للأسف الشديد تجاوز سعر الدولار حاجز الـ(5800) جنيه والاقتصاد يواصل الانهيار ويجلس في الركن القصي من غرفة الإنعاش بينما لا تبدو هناك سياسات تعيد الثقة أو تخفف معاناة المواطنين.
وفي المقابل نجد «فكي جبرين ولا هماه» حيث يتمسك وبكل ميتة قلب وعدم إحساس وحياء بمنصبه باعتباره استحقاقاً سياسياً وكأن «تسمّره» على الكرسي أهم من إنقاذ اقتصاد وطن ينهار أمام الجميع.
يتحدث الرجل كثيرٱ عن قضايا دارفور بينما قوات حركته منتشرة في الشرق والعاصمة وكل المناطق الآمنة وقطعٱ ما كان ينتظره السودانيون من الرجل هو أن يؤدي واجبه وزيرٱ للمالية وأن يقدم حلولٱ توقف التدهور الإقتصادي الذي أصبح يلتهم دخول الناس ومدخراتهم ولكن لا حياة لمن تنادي
اتفاق جوبا المشؤوم الذي جاء بفكي جبرين إلى السلطة بلا فهم ولا مقدرات ولا أي فِكر تغيرت ظروفه السياسية كثيرٱ ورحل من وقّعه بعد أن تم التآمر عليه وعلى الثورة التي جاءت به وتبدلت بعد ذلك موازين القوى لكن المواطن ما زال يدفع ثمن المحاصصات والاستحقاقات السياسية التي لا تعني له شيئاً أمام لقمة العيش.
الحروب مهما طالت سيأتي اليوم الذي تنتهي فيه وسيجلس المتحاربون يومٱ إلى طاولة التفاوض بعد أن يستردوا عقلهم ولكن السؤال الذي يفرض نفسه من يوقف الإنهيار الاقتصادي؟ ومن ينقذ المواطن من السياسات الغبية البلهاء الرعناء المستفزة التي جعلت حياته أكثر قسوة؟
اللهم أنت العدل المنتقم الجبار الذي حرمت الظلم على نفسك وجعلته بين عبادك محرمٱ نسألك أن تنتقم عاجلاً غير أجل من كل تافه واطيء جبار منزوع الرحمة والإنسانية ساهم في اذلالنا وإهانتنا واوصلنا إلى هذا الحال وانتقم اللهم من كل من تسبب في أذى هذا الشعب ومن شق على الناس فاشقق عليه وأرنا في كل من ظلم السودان وأهله عدلك الذي لا يضيع.
