لا تستمع الى نصائح جميع كبار السن!
ابراهيم سالكا يكتب ..
ليس كل من تقدم به العمر تقدم به العقل وليس كل من عاش سنوات طويلة خرج من الحياة بحكمة تضيء له ولغيره فالعمر وحده لا يصنع الحكمة كما ان مرور الزمن لا يعني بالضرورة ان الانسان تعلم من تجاربه فقد يعيش المرء ستين عاما لكنه يكرر الخطأ نفسه في كل عام وكأنه لم يعش الا يوما واحدا يتكرر ستين مرة
نحن في مجتمعاتنا نمنح الكبير مكانة تستحق الاحترام وهذا امر جميل تفرضه الاخلاق والعادات وقبل ذلك تعاليم الدين لكن احترام الكبير شيء واعتبار كل ما يقوله حقيقة لا تقبل النقاش شيء آخر فالكبير يحترم لسنه ومكانته وتجربته ولكن النصيحة تقاس بمضمونها لا بعمر صاحبها والحكمة لا تأتي بمجرد ان يصل الانسان الى مرحلة عمرية معينة
هناك كبار في السن اذا تحدثوا شعرت ان السنوات التي عاشوها قد تحولت الى بصيرة في كلماتهم ترى التجربة حاضرة والعقل متزنا والحديث هادئا والاحكام عادلة لا يستعجلون ولا يدعون امتلاك الحقيقة ويعرفون ان الحياة اوسع من تجاربهم وان ما يصلح لهم قد لا يصلح لغيرهم هؤلاء جديرون بالاستماع لانهم لم يجمعوا السنوات فقط بل جمعوا معها الفهم والمراجعة والتعلم
وفي المقابل هناك من يكبر في السن لكنه لا يكبر في الوعي يظل اسير غضبه وعاداته وانفعالاته ونظرته الضيقة للحياة وقد يحمل اخطاء شبابه معه الى شيخوخته دون ان يحاول مراجعتها وقد يعتقد ان طول عمره يمنحه حق الوصاية على الآخرين وكأن السنوات شهادة تلقائية في الحكمة
والحقيقة التي قد تبدو قاسية لكنها ضرورية هي ان الحمقى يكبرون ايضا
هذه العبارة ليست دعوة الى احتقار كبار السن ولا انتقاصا من قدرهم وانما تذكير بأن الانسان لا يصبح حكيما لمجرد ان الزمن مر عليه فكما ان الشاب قد يكون عاقلا ناضجا يستطيع ان يرى ما لا يراه بعض الكبار فان الكبير قد يظل محدود الرؤية اذا لم يتعلم من تجاربه ولم يراجع افكاره ولم يتواضع امام تغير الحياة
الحكمة ليست في عدد التجاعيد على الوجه ولا في عدد السنوات التي مرت على الانسان الحكمة في القدرة على فهم ما حدث وفي معرفة لماذا حدث وفي استخراج الدرس منه ثم عدم تكرار الخطأ نفسه
قد تجد شابا في الثلاثين يتحدث بعقل رجل خبر الحياة وتجد رجلا في السبعين يتصرف بعقل طفل غاضب يريد ان ينتصر في كل موقف وقد تجد اميا بسيطا لم يدخل مدرسة قط لكنه يعرف من طبائع الناس ما لا يعرفه بعض اصحاب الشهادات وقد تجد انسانا محدود التجربة لكنه يمتلك قلبا صافيا وعقلا متزنا وقدرة عجيبة على رؤية الامور كما هي
لذلك لا تجعل العمر معيارك الوحيد للحكم على الناس
استمع الى النصيحة ثم انظر الى صاحبها والى تجربته والى منطقه والى نتائج حياته قبل ان تجعل كلامه قانونا لحياتك
ليس المطلوب ان نسأل الكبير كم عمرك قبل ان نسمع كلامه وليس المطلوب ايضا ان نرفض كلام الشاب لمجرد صغر سنه فالمعيار الحقيقي هو ماذا يقول ولماذا يقوله وهل يتفق كلامه مع العقل والواقع والقيم وهل ثبتت صحة نصيحته في حياته ام انه ينصح الآخرين بما لم يستطع هو ان يطبقه
ومن اكثر الامور التي تفسد علاقة الاجيال ببعضها ان يتحول احترام الكبير الى سلطة مطلقة تمنع النقاش وتغلق باب السؤال فيقال لك هكذا فعلنا وهكذا وجدنا آباءنا وكأن الماضي وحده دليل على الصواب
لكن الحياة تتغير
ما كان صالحا في زمن معين قد يحتاج الى مراجعة في زمن آخر وما كان ممكنا في الماضي قد يصبح غير مناسب اليوم وما كان الناس يخشونه بالامس قد يصبح امرا عاديا في الحاضر
والحكيم من الكبار هو الذي يدرك هذه الحقيقة ولا يشعر ان تغير الزمن اهانة لتجربته بل يعتبره امتدادا طبيعيا للحياة
الحكمة الحقيقية لا تقول للجيل الجديد افعلوا ما فعلنا لاننا اكبر منكم بل تقول لهم تعلموا مما اصبنا فيه وابتعدوا عما اخطأنا فيه وابنوا على ما نجحنا فيه ولا تجعلوا احترامكم لنا يمنعكم من تصحيح اخطائنا
ومن اجمل ما يمكن ان يتركه الكبير لمن بعده ليس مجموعة اوامر وانما مجموعة دروس
ان يقول لهم هذا ما تعلمته من الحياة وهذا ما ندمت عليه وهذا ما تمنيت لو عرفته في شبابك وهذا ما انصحك به لانني جربته وهذا ما لا انصحك به لانني دفعت ثمنه
هنا تتحول السنوات الى ثروة حقيقية
اما ان يعيش الانسان طويلا ثم يستخدم عمره فقط ليطالب الآخرين بالطاعة فهو لم يحول تجربته الى حكمة بل حولها الى سلطة
ولا ينبغي للانسان كذلك ان يقع في الطرف الآخر فيرفض كل نصيحة من كبير السن بحجة ان الزمن تغير فهناك تجارب انسانية لا يغيرها الزمن فالصدق والامانة والوفاء واحترام الوالدين وحفظ الحقوق وضبط النفس واجتناب الظلم والرفق بالناس كلها قيم لا تبلى بتغير العصور
المشكلة ليست في نصيحة الكبير ولا في نصيحة الصغير المشكلة في ان نسمع بلا تفكير او نرفض بلا تفكير
العاقل لا يسأل فقط من قال هذه النصيحة بل يسأل ماذا قال ولماذا قاله وما الدليل عليه وما الذي يمكن ان يحدث اذا اتبعته
وقد تكون النصيحة الصحيحة في كلمة يقولها طفل وقد تكون الحكمة في تجربة امرأة مسنة وقد تكون البصيرة في حديث عامل بسيط وقد تجدها عند عالم او مفكر او رجل عاش حياته بين الناس
فالانسان الحكيم يتعلم من الجميع ولا يجعل كبرياء العمر ولا غرور العلم ولا صغر السن حجابا بينه وبين الحقيقة
واذا اردت ان تعرف الرجل الكبير الحكيم فانظر الى اثر السنين عليه
هل جعلته اكثر رحمة ام اكثر قسوة
هل جعلته اكثر تواضعا ام اكثر غرورا
هل جعله مرور الزمن اكثر تفهما للناس ام اكثر ادانة لهم
هل اصبح اكثر هدوءا ام اكثر صراخا
هل تعلم ان يقول لا اعرف ام اصبح يعتقد انه يعرف كل شيء
هل يستطيع ان يعتذر عندما يخطئ ام يرى الاعتذار نقصا في حقه
هل يتقبل اختلاف الاجيال ام يريد ان يعيش الجميع وفق مقاييس زمنه
فهذه الاشياء هي التي تكشف قيمة التجربة
فالسنوات تستطيع ان تزيد الانسان خبرة اذا كان يتعلم منها لكنها تستطيع ايضا ان تزيده عنادا اذا كان يرفض مراجعة نفسه
ولهذا فان اجمل ما يمكن ان يصل اليه الانسان في نهاية العمر ليس ان يقول عشت اكثر منكم وانما ان يقول تعلمت اكثر مما كنت اعرف
والكبير الذي يصل الى هذه المرحلة يصبح كنزا لمن حوله
لا يفرض نفسه عليهم ولا يطاردهم بالنصائح ولا يستخدم عمره كسلاح في النقاش بل يتحدث عندما يكون للكلام معنى ويسكت عندما يكون الصمت اكثر حكمة ويعرف ان لكل جيل تجربته ولكل انسان طريقه
وفي النهاية لا تجعل العمر معيارا وحيدا للحكمة
احترم الكبير نعم
استمع الى صاحب التجربة نعم
لكن لا تسلم عقلك لاحد
خذ من الكبير حكمته ومن الشاب حماسه ومن العالم علمه ومن البسيط فطرته ومن التجربة درسها ومن الخطأ عبرته
وتذكر دائما ان الحياة لا تمنح شهادات الحكمة بمجرد بلوغ سن معينة
فبعض الناس تكبر اجسادهم وتبقى عقولهم في مكانها
وبعضهم تكبر عقولهم قبل اجسادهم
وبعضهم كلما تقدم به العمر ازداد تواضعا ورحمة وبصيرة
وهؤلاء هم الذين يستحقون ان نصغي اليهم
لانهم لم يكبروا في السن فقط
بل كبروا في المعنى ايضا
