
من مقاعد 2023 إلى 4 سنوات أماماً.. كيف شطرت الحرب مستقبل طلاب السودان؟
لم تترك الحرب في السودان منذ اندلاعها في أبريل/نيسان 2023 المدارس وحدها خارج الخدمة، بل دفعت جيلاً كاملاً من الطلاب إلى مسارات تعليمية متباعدة، تحددها الجغرافيا وقدرة الأسرة على النزوح أو مغادرة البلاد، أكثر مما تحددها المناهج والسنوات الدراسية.
في الوقت الذي تمكن فيه طلاب سودانيون غادروا إلى دول الجوار من مواصلة تعليمهم بصورة منتظمة والتقدم عدة سنوات في السلم التعليمي، بقي طلاب آخرون داخل مناطق الحرب عاجزين عن الوصول إلى مدارسهم، وبعضهم لم يتجاوز المستوى الدراسي الذي كان عليه عند اندلاع القتال.
بين الطرفين ظهرت فئة ثالثة: أطفال نزحوا داخل السودان، وفقدت أسرهم مصادر الدخل والممتلكات، فدخل بعضهم سوق العمل مبكراً لمساعدة أسرهم.
تكشف هذه المسارات المتوازية أن أثر الحرب على التعليم لم يعد يقاس بعدد المدارس المغلقة أو الطلاب خارج الفصول فقط، وإنما بدأ يظهر في تفاوت السنوات الدراسية، واختلاف فرص التعلم، وتباين المناهج والامتحانات والشهادات.
عام دراسي مضغوط لملاحقة سنوات الحرب
في ولايات خرجت لاحقاً من سيطرة قوات الدعم السريع، بينها الجزيرة وسنار والنيل الأبيض وأجزاء من شمال كردفان، اتجهت السلطات التعليمية إلى ما عُرف بـ«العام الدراسي المضغوط» لمحاولة تقليص الفجوة التي خلفها توقف الدراسة.
وتقوم التجربة على اختصار العام الدراسي إلى نحو ثلاثة أشهر، مع تقليص فترات الراحة والانتقال سريعاً إلى العام التالي.
ساعد ذلك في تقليص جزء من الفجوة الزمنية لدى طلاب بعض الولايات، بعدما اقترب بعضهم من إكمال عدة سنوات دراسية خلال فترة زمنية قصيرة، مع الاتجاه إلى عام دراسي رابع مضغوط وموحد في أجزاء واسعة من السودان، باستثناء المناطق التي تدير فيها قوات الدعم السريع نظاماً تعليمياً منفصلاً.
لكن محاولة استعادة الزمن التعليمي تحمل سؤالاً آخر: ماذا يحدث لجودة التعليم وصحة الطلاب النفسية عندما يتحول العام الدراسي إلى سباق مع الزمن؟
الدكتور عايد عبد الحفيظ يرى أن اختصار العام الدراسي وإلغاء الإجازات لا ينبغي أن يتحولا إلى سياسة دائمة من دون تقييم.
وقال عبد الحفيظ لـ«الغد السوداني» إن تكثيف الدراسة لفترات طويلة قد ينعكس على قدرة الطلاب على الاستيعاب، كما يمكن أن يزيد من شعورهم بالإرهاق والنفور من المدرسة.
وأوضح أن الإجازة ليست وقتاً ضائعاً من العملية التعليمية، وإنما مساحة لاستعادة النشاط الذهني والنفسي والاستعداد للعام الدراسي التالي، داعياً إلى إخضاع تجربة التعليم المضغوط لتقييم أكاديمي ونفسي قبل التوسع فيها.
طالب سوداني يعيش أربع سنوات تعليمية.. وآخر ما زال في 2023
أنتجت الحرب مفارقة يصعب تجاهلها.
طالب سوداني غادر البلاد إلى مصر أو السعودية أو سلطنة عُمان أو أوغندا استطاع في حالات عدة مواصلة دراسته بصورة منتظمة، بينما بقي طالب آخر في منطقة حرب عاجزاً عن الوصول إلى المدرسة.
الفارق لم يعد شهراً أو عاماً دراسياً واحداً، وإنما قد يصل إلى عدة سنوات.
الطالب الذي تمكنت أسرته من توفير مدرسة وإقامة آمنة خارج السودان واصل الصعود في السلم التعليمي، فيما فقد الطالب الذي بقي في منطقة القتال سنوات من التعليم، وقد يجد نفسه بعد انتهاء الحرب أمام زملاء من جيله سبقوه بمراحل دراسية كاملة.
وتزداد الفجوة اتساعاً مع النازحين داخل البلاد.
فقدت أسر كثيرة مصادر دخلها ومدخراتها وممتلكاتها، ولم يعد بإمكانها تحمل تكاليف النقل أو المستلزمات الدراسية أو حتى الطعام بصورة منتظمة. ومع استمرار النزوح، أصبح بعض الأطفال جزءاً من اقتصاد الأسرة اليومي.
وهنا تتحول المشكلة من «طفل لم يذهب إلى المدرسة» إلى «طفل تغيرت حياته بسبب غياب المدرسة».
فالطفل الذي أمضى سنوات في السوق قد يكتسب نمط حياة ومهارات مرتبطة بالعمل، بينما يصبح الرجوع إلى مقعد الدراسة أكثر صعوبة كلما طال الانقطاع.
عندما تصبح المدرسة امتيازاً جغرافياً
قبل الحرب، كان الاختلاف بين الطلاب يرتبط في الغالب بالفروق الاقتصادية والاجتماعية وجودة المدارس. أما بعد الحرب، فقد أضيف عامل أكثر قسوة: مكان وجود الطالب.
طالب في منطقة آمنة نسبياً يستطيع مواصلة الدراسة، وآخر في منطقة قتال قد لا يجد مدرسة مفتوحة أصلاً، وثالث نزح إلى مدينة أخرى قد يلتحق بفصل مكتظ أو مدرسة مؤقتة.
وهكذا أصبح الموقع الجغرافي عاملاً مباشراً في تحديد المستقبل التعليمي.
هذه الفجوة تهدد بخلق جيل سوداني لا يمتلك تجربة تعليمية واحدة، بل تجارب مختلفة بحسب المكان الذي عاش فيه خلال الحرب.
مدارس مدمرة.. ومجتمعات تدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
لم تنجُ المدارس من آثار الحرب. فقد تعرضت مؤسسات تعليمية للتدمير أو التخريب أو النهب، بينما واجهت السلطات صعوبات كبيرة في إعادة تشغيل المدارس في ظل تضرر البنية التحتية واستمرار القتال والنزوح.
لكن الفراغ الذي خلفته الدولة أفسح المجال أمام المجتمعات المحلية لتولي جزء من المهمة. في عدد من المناطق، لجأت المجتمعات إلى إعادة تأهيل مدارس، وتجهيز فصول مؤقتة، واستخدام مبان ومساحات داخل الأحياء لاستيعاب الطلاب.
وترى الباحثة الاجتماعية راشدة عثمان أن هذه التجربة تمثل واحدة من أبرز الدروس التي أفرزتها الحرب.
وقالت عثمان لـ«الغد السوداني» إن مجتمعات محلية لم تنتظر دائماً تدخل المؤسسات الرسمية، بل بادرت إلى إنشاء فصول مؤقتة وإعادة تأهيل المدارس المتاحة وتوفير أماكن بديلة للأطفال المحرومين من الدراسة.
وأضافت أن هذه المبادرات، رغم محدودية مواردها، أثبتت قدرة المجتمع المحلي على المساهمة في استعادة العملية التعليمية، مشيرة إلى إمكانية تطويرها بعد الحرب من خلال إعادة تأهيل المدارس داخل الأحياء، وإنشاء فصول إضافية في المناطق ذات الكثافة السكانية، والاستفادة من المباني والمساحات المتاحة إلى حين اكتمال إعادة الإعمار.
لكن المبادرات المجتمعية تكشف في الوقت نفسه عن مشكلة أخرى: ليست كل المناطق تملك المجتمع نفسه أو الموارد نفسها.
فالحي القادر على جمع الأموال وإعادة بناء مدرسة يستطيع استعادة التعليم أسرع من منطقة نزح معظم سكانها أو فقدوا مصادر دخلهم. وبذلك يمكن أن يتحول القدرة على تمويل المدرسة إلى عامل جديد يحدد مستقبل الأطفال.
المعلم.. الحلقة التي تحاول الصمود
لا يمكن إعادة بناء التعليم من دون المعلم، لكن الحرب أضعفت هذه الحلقة أيضاً.
تراجع قيمة الجنيه السوداني وارتفاع تكاليف المعيشة جعلا رواتب كثير من المعلمين عاجزة عن مواكبة الاحتياجات الأساسية، بينما فرض العام الدراسي المضغوط ساعات عمل مكثفة وفترات راحة أقل.
وبعض المعلمين اضطروا إلى البحث عن أعمال إضافية أو مغادرة مهنة التدريس.
وفي واقعة تختصر حجم الضغوط الاقتصادية التي يعيشها بعض العاملين في التعليم، توفي أحد المعلمين في ولاية نهر النيل إثر انهيار بئر للتنقيب عن الذهب، بعدما اتجه إلى البحث عن مصدر دخل بديل.
هذه الوقائع تطرح سؤالاً يتجاوز العام الدراسي الحالي: من سيُدرّس الجيل الذي يفترض أن يعيد بناء السودان بعد الحرب إذا فقد النظام التعليمي معلميه اليوم؟
فإعادة بناء المدارس من الطوب والإسمنت قد تكون ممكنة خلال سنوات، لكن إعادة بناء خبرة المعلمين واستقرارهم المهني تحتاج إلى سياسات طويلة الأجل.
«شهادة سودانية» موازية.. عندما يصل الانقسام إلى المدرسة
الأكثر خطورة في المشهد التعليمي لا يتعلق فقط بالسنوات التي فقدها الطلاب، بل بما بدأ يظهر على مستوى الشهادة نفسها.
فمنذ استقلال السودان عام 1956، ظل امتحان الشهادة السودانية أحد الرموز المشتركة للنظام التعليمي الوطني.
لكن الحرب دفعت هذا النموذج الموحد إلى منطقة غير مسبوقة.
وأعلنت حكومة «تأسيس» نتيجة امتحانات شهادة سودانية موازية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، معلنة حصول الطالبة الأولى على نسبة 91.7 في المائة.
وبغض النظر عن قيمة النتائج نفسها، فإن وجود امتحان وشهادة في منطقة خارج النظام التعليمي الذي تديره السلطات في مناطق أخرى يكشف انتقال الانقسام السوداني إلى مؤسسة يفترض أنها عابرة للمناطق والانتماءات السياسية.
المسألة هنا ليست مجرد امتحانين.
السؤال الأكبر هو: ماذا سيحدث للطلاب عندما تنتهي الحرب ويعودون إلى جامعة أو مؤسسة تعليمية أو سوق عمل يحتاج إلى تحديد أي شهادة يعتمد؟
وهل ستعترف المؤسسات التعليمية والوظيفية مستقبلاً بكل هذه المسارات، أم سيجد آلاف الطلاب أنفسهم أمام أزمة اعتراف ومعادلات وشهادات؟
الحرب لا تقسم الأرض فقط.. إنها تقسم المسار التعليمي
بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، أصبح السودان أمام واقع تعليمي متعدد المسارات.
هناك طالب واصل دراسته خارج البلاد. وهناك طالب عاد إلى المدرسة بعد انقطاع طويل. وهناك طالب يعيش في منطقة حرب ولم يحصل على تعليم منتظم منذ 2023. وهناك طفل دخل سوق العمل. وهناك طالب يتلقى تعليماً في نظام مضغوط. وهناك طالب آخر يخضع لنظام امتحانات مختلف.
هذه ليست مجرد فجوات مؤقتة يمكن ردمها بمجرد إعلان انتهاء الحرب.
كل سنة إضافية من الانقطاع تعني صعوبة أكبر في إعادة الأطفال إلى المدارس، وكلما طال بقاء الطفل في سوق العمل ارتفعت كلفة دمجه مجدداً، وكلما تعددت أنظمة الامتحانات زادت الحاجة لاحقاً إلى ترتيبات وطنية معقدة لتوحيد المسارات والاعتراف بالمؤهلات.
ماذا سيحدث عندما تنتهي الحرب؟
قد تنتهي المعارك قبل أن تنتهي آثارها على التعليم. فالسودان سيواجه بعد الحرب مهمة مزدوجة: إعادة بناء البنية التحتية التعليمية، وإعادة بناء الثقة في نظام تعليمي وطني واحد.
وهذا يعني إعادة تأهيل المدارس، واستعادة المعلمين، ودعم الطلاب الذين فقدوا سنوات دراسية، ووضع برامج للعودة إلى التعليم للأطفال الذين دخلوا سوق العمل، ومعالجة الآثار النفسية للحرب، والأهم وضع آلية وطنية للتعامل مع اختلاف المناهج والامتحانات والشهادات التي ظهرت خلال سنوات الصراع.
وتشير تجربة التعليم المجتمعي التي تتحدث عنها راشدة عثمان إلى إمكانية الاستفادة من المبادرات المحلية في مرحلة إعادة الإعمار، بينما يفتح تحذير عايد عبد الحفيظ بشأن العام الدراسي المضغوط نقاشاً آخر حول ضرورة ألا يكون تعويض الزمن على حساب جودة التعليم وصحة الطلاب.
جيل يدفع فاتورة الحرب
في النهاية، لا تكمن خسارة السودان التعليمية في عدد المدارس التي دمرت وحدها، ولا في عدد السنوات الدراسية التي توقفت.
الخسارة الأعمق هي أن الحرب بدأت تصنع تفاوتاً في أعمار الطلاب التعليمية، ومساراتهم الدراسية، وفرصهم في المستقبل، وحتى الشهادات التي يحملونها.
طالب خرج من السودان قد يجد نفسه متقدماً بأربع سنوات على زميل بقي في منطقة القتال.
طفل اضطر إلى العمل قد يحتاج إلى سنوات كي يعود إلى الفصل.
ومعلم فقد قدرته على الاستمرار في المهنة قد يترك فراغاً يصعب تعويضه.
وفي المقابل، يمكن لمبادرة محلية أن تعيد فتح مدرسة، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة بناء نظام تعليمي وطني موحد.
لهذا فإن السؤال الذي سيواجه السودان بعد الحرب لن يكون فقط: كم مدرسة سنعيد بناءها؟
بل سيكون أكثر تعقيداً: كم سنة خسرها هذا الجيل؟ وهل يستطيع السودان أن يمنع الحرب من تحويل تلك السنوات الضائعة إلى مستقبل ضائع؟
