الحوار السوداني.. إعادة السياسة إلى السودان
مهند عوض محمود صديق يكتب ..
منذ سنوات، لم يعانِ السودان من نقص المبادرات، ولا من قلة الوسطاء، ولا من شح قاعات المؤتمرات. اجتمع السودانيون في أديس أبابا، وجوبا، والقاهرة، وجدة وغيرها، وتشكلت آليات ثلاثية ورباعية وخماسية، وصدرت بيانات واتفاقات وخرائط طريق، ودعمت قوى إقليمية ودولية عمليات سياسية متعددة. ومع ذلك، وصل السودان إلى واحدة من أسوأ الحروب في تاريخه الحديث. ربما كان السؤال الخطأ طوال الوقت: أين نجمع السياسيين؟ والسؤال الأهم هو: أين توجد السياسة السودانية نفسها؟
المشكلة التي لم نناقشها بما يكفي هي أن السياسة السودانية تعرضت خلال السنوات الماضية لعملية تهجير تدريجي خارج مجتمعها الطبيعي. أصبحت مواقف الداخل تُقرأ أحياناً من الخارج، وأصبح تعريف «القوى المدنية» يمر عبر عدد محدود من التنظيمات والتحالفات، بينما ظلت قطاعات واسعة من المجتمع السوداني خارج دائرة صناعة القرار السياسي. الإدارات الأهلية، والمهنيون، والنساء، والشباب، والطلاب، والقطاع الخاص، والمزارعون، والنازحون، واللاجئون، والمجتمعات التي تحملت الكلفة الأكبر للحرب، كثيراً ما حضرت في الخطاب باعتبارها فئات يجب تمثيلها أو مساعدتها، لكنها نادراً ما كانت شريكاً مباشراً في تصميم العملية السياسية نفسها.
وهنا تكمن، في تقديري، أهم فرصة في الحوار السوداني–السوداني المطروح الآن. ليست قيمته في أنه أول حوار، ولا في أن لجنته تملك وصفة سحرية، ولا في أن كل القوى وافقت عليه؛ فهذا لم يحدث ولن يحدث في البداية. قيمته الحقيقية يمكن أن تكون في شيء أعمق: إعادة السياسة إلى السودان.
واحدة من أكثر العبارات استخداماً منذ اندلاع الحرب هي «القوى المدنية». لكن من هم المدنيون؟ هل هم أعضاء الأحزاب والتحالفات وحدهم؟ السوداني الذي يعيش في قرية في الجزيرة مدني، والمرأة النازحة مدنية، والمزارع في القضارف، والطبيب، والمهندس، والطالب، ورجل الأعمال، والقيادة الأهلية، واللاجئ في مصر أو تشاد، جميعهم مدنيون أيضاً. ولا يوجد سبب منطقي يجعل إرادة هؤلاء لا تصل إلى العملية السياسية إلا عبر وسيط حزبي. هذا ليس تقليلاً من أهمية الأحزاب؛ فالأحزاب ضرورة لأي نظام ديمقراطي جاد، لكنها تظل جزءاً من مجتمع أكبر منها. ولذلك فإن الانتقال من حوار النخب إلى حوار المجتمع ليس مجرد توسع في التمثيل، وإنما تصحيح لبنية السياسة السودانية نفسها.
ومن المفارقات السودانية أننا نطالب أحياناً بتحقيق الاتفاق قبل أن نوافق على الحوار. نسأل: هل وافق هؤلاء؟ هل رفض أولئك؟ هل سيجلس هذا التيار مع ذلك التيار؟ لو كان الجميع متفقاً مسبقاً، فما الحاجة إلى الحوار؟ الحوار ليس اجتماع المتفقين، بل إدارة الاختلاف قبل أن يتحول إلى صراع، وإيجاد المساحة التي تسمح للخصوم بأن يسمع بعضهم بعضاً. لذلك فإن الاختبار الحقيقي لأي مسار جديد لا ينبغي أن يكون عدد المؤيدين له، بل قدرته على الوصول إلى المتحفظين والرافضين، وفهم أسباب رفضهم، وبناء حد أدنى من الثقة يسمح لهم بالمشاركة.
وهناك زاوية أخرى ظلت بعيدة نسبياً عن صلب العمل السياسي: النازحون واللاجئون. نحن نتحدث عنهم غالباً بلغة المنظمات الإنسانية: غذاء، دواء، مأوى، عودة. لكن اللاجئ ليس حقيبة مساعدات، والنازح ليس رقماً في تقرير. كلاهما مواطن له رأي في الدولة التي سيعود إليها، وله سؤال مشروع: ما الذي سيمنع تكرار ما حدث؟ إذا أراد السودان حواراً مختلفاً فعلاً، فعليه أن ينقل هؤلاء من خانة المستفيدين من الإغاثة إلى خانة أصحاب المصلحة في الدولة. يجب أن يكون لهم صوت في قضايا العودة الآمنة والطوعية، والعدالة، والخدمات، وإعادة الإعمار، وترميم المجتمعات التي دمرتها الحرب.
والقول إن الحوار يجب أن يُعقد داخل السودان لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد اختيار لمكان الاجتماع. المقصود أن تكون قضايا الحوار متصلة بحياة الناس، وأن تصل إليه أصوات المجتمعات، وأن يخضع لاختبار الرأي العام السوداني، وأن تكون هناك علاقة يومية بين العملية السياسية والواقع الذي يفترض أنها تريد تغييره. وهذا لا يعني إقصاء السودانيين في الخارج؛ فالمشاورات يمكن أن تذهب إليهم أينما كانوا، ويمكن أن تُعقد خارج البلاد إذا كان ذلك ضرورياً لبناء الثقة. لكن مركز الثقل السياسي يجب أن يعود إلى السودان.
ولا يعني ذلك التقليل من دور المجتمع الإقليمي والدولي. السودان يحتاج الاتحاد الأفريقي، والجامعة العربية، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ودول الجوار، وكل من يستطيع المساهمة في وقف الحرب والمساعدات وإعادة الإعمار وتوفير الضمانات. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين المساندة والملكية. العملية التي تعتمد على الخارج في هندستها تحتاج إليه لاحقاً لحمايتها وتنفيذها، وقد تتعثر عندما تتغير أولوياته. أما العملية التي تنمو داخل المجتمع، فقد تستفيد من الدعم الخارجي، لكنها لا تستمد حياتها منه.
ولهذا فإن الترحيب الإقليمي بأي مبادرة سودانية مهم، لكنه لا ينبغي أن يصبح مصدر شرعيتها. الشرعية الحقيقية تأتي من قدرتها على طرق الأبواب السودانية المختلفة، والاستماع إلى المتناقضين، والمحافظة على استقلالها عندما تبدأ المصالح الحقيقية في التصادم.
وسيكون خطأً أن نقيس نجاح الحوار باليوم الذي تمتلئ فيه قاعة بالمشاركين وتلتقط الصور. السودان فعل ذلك كثيراً. الاختبار الحقيقي يبدأ قبل القاعة: هل استطاع السودانيون الاتفاق على قواعد العملية؟ هل شعر المختلفون بالأمان؟ هل تمكنوا من التعبير عن آرائهم دون خوف؟ هل دخلت معاناة المواطن إلى صلب النقاش؟ هل وصل صوت النازح والمرأة والشباب والأقاليم؟ وهل أصبحت العملية أكبر من الأشخاص الذين بدأوها؟
إذا حدث ذلك، فعندها فقط يمكن القول إننا لا نشهد مؤتمراً سياسياً جديداً، وإنما بداية لإعادة بناء السياسة السودانية نفسها. السودان لا يحتاج إلى حوار آخر يضيف وثيقة جديدة إلى أرشيفه؛ يحتاج إلى إعادة العلاقة بين المواطن والسياسة، وبين المجتمع والدولة، وبين الاختلاف والسلام.
ولذلك فإن السؤال الأهم ليس: هل ستنجح لجنة التهيئة؟ السؤال الأكبر هو: هل يستطيع السودانيون، بعد سنوات من تدويل أزمتهم وتهجير سياستهم، أن يعيدوا السياسة إلى وطنها؟
إذا نجحوا في ذلك، فلن يكون الحوار مجرد طريق للخروج من الحرب، بل قد يكون بداية لاستعادة السودان نفسه.
