الحياة تقاوم اثار الحرب ..عودة طيور الخريف إلى غابات السنط بالخرطوم

سهام صالح

صحفية سودانية

الخرطوم /الغد السوداني – عادت أسراب من الطيور المهاجرة إلى غابات السنط في قلب الخرطوم، في مشهد يعيد إلى المكان بعضاً من مظاهر الحياة الطبيعية، رغم ما تعرضت له الأشجار من قطع جائر خلال الحرب، وما أصاب الموائل الطبيعية في العاصمة من تدهور وضغوط متزايدة.

وتتحول غابات السنط، إلى جانب جزيرة توتي، في هذا الوقت من العام إلى محطات مهمة للطيور المهاجرة التي تصل إلى السودان مع موسم الخريف، قبل أن تبدأ رحلة العودة إلى مواطنها الأصلية. ويعد ظهورها مجدداً في المناطق التي تضررت بفعل الحرب مؤشراً لافتاً على استمرار الحياة في هذه البيئات، على الرغم من الأضرار التي لحقت بها.

 

ويقول منير خليل، المهتم بالطيور وعالم الآثار، إن السودان يستضيف في هذا الوقت من العام نحو 1200 نوع من الطيور، بينها نحو 300 نوع مهاجر، وفق أحدث إحصائية للحياة البرية.

 

ويصف خليل رحلة الطيور إلى السودان بأنها تسلك مسارين رئيسيين؛ يأتي أولهما من أوروبا في أسراب تعبر البحر المتوسط إلى مصر، ثم تتجه جنوباً عبر أسوان وشمال السودان ومروي وصولاً إلى الخرطوم. وتكون جزيرة توتي وغابات السنط من أولى محطاتها، قبل أن تنتقل إلى مناطق أخرى، بينها جزيرة التمساح وشلال السبلوقة والحديقة النباتية، ثم تتجه إلى مناطق النيل الأبيض ومحمية الدندر.

أما المسار الثاني، فتأتي عبره طيور من داخل القارة الأفريقية، بينها أنواع تصل من إثيوبيا وكينيا.

وتتعدد أسماء وأنواع الطيور التي تستوطن السودان خلال موسم الخريف. فـ«الحاجة» اسم متداول محلياً لأحد الطيور التي تهاجر من روسيا مروراً بالجزيرة العربية، قبل أن تصل إلى السودان عبر الأراضي المقدسة. ويأتي «السمبر» مع بدايات الأمطار، ويشتهر بهدوئه ومهارته في بناء الأعشاش وحرصه على حماية بيضه، قبل أن يعود بعد فقس الصغار إلى موطنه الأصلي.

ويفضل طائر الهدهد قضاء فصل الخريف في شمال السودان، وتطلق عليه بعض القبائل اسم «ود أب شكتو»، فيما يعد «الزرزور» من أكثر الطيور الخريفية انتشاراً، إذ يوجد في مناطق واسعة من الريف والمدن السودانية. كما يصل «البيكلو» من إيطاليا في رحلة طويلة إلى السودان، ويفضل المناطق كثيفة الأشجار، ويعرف بصوته الرقيق الحاد. أما البجع الأبيض، فيأتي من أوروبا في مجموعات، ويستقر في البحيرات التي تتشكل بفعل مياه الأمطار.

وتواجه هذه الطيور، مع ذلك، تحديات متزايدة في موائلها الموسمية داخل السودان. ويشير خليل إلى أن تغير المناخ لم يعد العامل الرئيسي في تفسير هجرة الطيور، بعدما أصبحت الأضرار التي تلحق بموائلها الأصلية، وتدهور البيئة، من أبرز العوامل المؤثرة في تحركاتها.

ولا تقتصر الضغوط على مناطقها الأصلية؛ إذ بدأت الطيور تواجه الخطر ذاته في بعض محطات هجرتها على ضفاف النيل، ومن بينها مناطق داخل الخرطوم. وتتعرض جزيرة توتي، التي تستضيف وحدها نحو 90 نوعاً من الطيور، لضغوط مرتبطة بتحويل الأراضي الزراعية إلى مبانٍ سكنية وشق الطرق، بينما أدت الحرب إلى مزيد من الأضرار التي طالت الأشجار والغطاء النباتي.

وحاولت جمعيات تطوعية معنية بالطيور والبيئة لفت انتباه المنظمات المحلية والدولية إلى المخاطر التي تهدد هذه الموائل، باعتبار أن حماية مناطق تجمع الطيور لا ترتبط بالحفاظ على التنوع الحيوي فحسب، وإنما بصون جزء من التوازن البيئي أيضاً.

وتحمل هجرة الطيور كذلك حضوراً في الذاكرة الشعبية السودانية، إذ دخلت رحلاتها الموسمية في الفنون والأدب والرقص الشعبي، لتصبح عودتها السنوية مشهداً يتجاوز الطبيعة إلى جزء من الثقافة المحلية.

وفي الخرطوم التي أنهكتها الحرب، تبدو عودة الطيور إلى غابات السنط، رغم الأشجار التي قطعت والموائل التي تضررت، مشهداً صغيراً لاستعادة الحياة لمساحات فقدت كثيراً من ملامحها خلال سنوات القتال.