
سرديات
…وعن حفلة التيس
The Feast Of The Goat
كان الكلام موجعاً…
…ديكتاتور مهووس بمظهره..يلبس زيا عسكريا مليئا بالاوسمة، مع أنه لم يخض حربا..وكان يضع مساحيق تجميل على وجهه ويصبغ شعره؛ ليظل في نظر شعبه شابا وسيما..وكان يعتبر نفسه بطلا قوميا، ويأمر بأن تنصب له التماثيل في كل مكان!..
فينسنت، طفل دون الخامسة من العمر، وُلد بعيب خلقي في قدمه اليسرى..كانت أقصر من اليمنى ببضع بوصات..لذلك كان يظلع حين يمشي، وإذا جرى كانت قدمه المعاقة لا تلامس الأرض
Congenital Limb Length Discrepancy (CLLD)..
لذلك كانت لعبته المفضلة هي (الحَجلة) ذلك أن القفز بقدم واحدة، لم يكن صعبا عليه..( الحجلة لعبة قِوامُها أن يقفزَ الصبيُّ، على قدم واحدة، فوق مربعات مرسومة على الأرض، من غير أن تلمسَ قدمُه أضلاع المربعات..لعبة شعبية معروفة في كثير من البلدان وتمارس بنفس شروطها في كل مكان..في انجلترا تعرف باسم Hopscotch..)..
فينسنت لم يمارس لعبتَه في ذلك الصباح الباكي في أكتوبر من عام ١٩٣٧..كان الموت إليه أسرع..حكى تفاصيل مصرعه رجل كان ضمن فرقة القتل المكلفة بتصفيته….(رفعه جنديان وقذفاه إلى اعلى، وقبل ان يلامسَ جسدُه الأرضَ، عاجله الآخرون بوابل من الرصاص..أشلاؤه تبعثرت هنا وهناك ودماؤه ما لامست الأرض..تبخرت!)..
تلك كانت بداية *مجزرة البقدونس* في الشريط الحدودي الفاصل بين جمهورية الدومينيكان وهايتي..
*مجزرة البقدونس* هي حادثة تطهير عرقي وقعت في أكتوبر عام 1937 على الحدود بين جمهورية الدومينيكان وهايتي.
الدولتان كانتا تحت الاستعمار الأمريكي قبل المجزرة ببضع سنوات، غير أن ديكتاتور الدومينيكان رافائيل تروخيو، بدأ بعد توليه الحكم، حملة تطهير عرقي بهدف التخلص من المهاجرين والعمال الهايتيين السود، القاطنين في المناطق الحدودية لجمهورية الدومينيكان.. “*لا أريد السود في بلادي..إنهم يلوثون دماء شعبي النقي..اقتلوهم جميعا حيث كانوا..رجالا ونساء ..شبابا واطفالا..اقتلوهم جميعا*”..
كان قصد الديكتاتور تروخيو هو “تبييض” الثقافة والتركيبة السكانية للمناطق الحدودية، بمحو وجود السود في أراضيه (ثقافة وبشرا)..
كان الجنود الدومينيكان يحملون غصناً من البقدونس (ويسمى بالإسبانية perejil) ويطلبون من المشتبه بهم نطقَه..
يتحدث الهايتيون اللغة الكريولية، بينما يتحدث الدومينيكان الإسبانية. كان نطق حرف الراء أو مخارج الحروف في كلمة بقدونس (في صيغتها اللاتينية) يشكل عقبة أمام الناطقين بالكريولية، وكان من يخطئ في نطقها بالشكل الإسباني يُقتل فوراً، بأمر من ديكتاتور البلاد الدموي ..
كان فينسنت الطفل المعاق، أول الضحايا، في ذلك الصباح الباكي، ما لذنب جناه، سوى لونه الأسود..
حصدت المجزرة نحو ثلاثين ألف شخص من الهايتيين..
أمر الرئيس الأمريكي، عصرئذ، روزفلت، ديكتاتور الدومينيكان رفائيل، بدفع مبلغ ٧٥٠ الف دولار لاسر الضحايا..استكثر الديكتاتور هذا المبلغ واكتفى بدفع ثلاثين ألف دولار فقط..وهذا ما جعل الرئيس الأمريكي، حين بلغه الخبر، ان يصفًه بقوله:
He’s a son of a bitch-but he’s our son of a bitch..
(*ديكتاتور ابن كلب، لكنه ابن كلبنا*)..(ترجمة غير حرفية)..
وروزفلت يقصد، أن رفائيل رغم سوئه، يظل رجل أمريكا، في وجه التمدد الشيوعي، في الدول المطلة على البحر الكاريبي..
الفظاعات التي ارتكبها ديكتاتور الدومينيكان في حق شعبه، وفي حق شعوب الدول المجاورة؛ ذكرها في عمل روائي شائق، الروائي البيروفي (من بيرو) Peruvian *ماريو فارغاس يوسا* الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام ٢٠١٠.
ظهرت الرواية في الاسواق، في مطلع الألفية، بعنوان *حفلة التيس*
The Feast of the Goat..
الديكتاتور رفائيل، كان يلقبه شعبه ب “*التيس*”..وهو اللقب الذي كان يتباهى به هذا المأفون، لما للتيس من رمزية للفحولة في ثقافتهم (التيس يرمز للفحولة، اي الرجل الذي لا يشبع جنسياً.. الذي ينكح كل شيء…وهو ما كانه هذا الديكتاتور الداعر..)…
سنوات حكم الديكتاتور، والتي امتدت لواحد وثلاثين عاما، كانت عبارة عن حفلة مستمرة للتيس وأعوانه. حفلة نهب، قتل، اغتصاب للبلد. كل أهل الدومينيكان كانوا مدعوين للحفل، بالإجبار.
تعد حفلة التيس” (The Feast of the Goat) واحدة من أعظم الأعمال الأدبية العالمية، وتدور أحداثها في جمهورية الدومينيكان، وتتمحور حول الأيام الأخيرة من حكم الديكتاتور Rafael Trujillo (رافائيل تروخيو)، الذي عُرف بلقب “التيس” (El Chivo)…
حكم تروخيو البلاد بيد من حديد، ونظام بوليسي مرعب، لمدة 31 عاماً (من 1930 حتى اغتياله عام 1961).
تتميز الرواية بتركيبة سردية عبقرية، تبدأ بعودة محامية دومينيكانية، تُدعى “أورانيا كابرال” إلى وطنها عام 1994، بعد غياب دام 35 عاماً، في أمريكا. تزور والدَها المحتضر (الذي كان مسؤولاً كبيراً في نظام تروخيو) لتبوحَ له بسر صادم، حول سبب هروبها وقطيعتها له، وهو سر يكشف مدى تغلغل الديكتاتور في الحياة الشخصية لمساعديه…(الاب كان قد قدّم ابنتَه للديكتاتور ليغتصبها، حتى يحافظَ على وظيفته)..
ثم ينقلنا الكاتب إلى داخل عقل الديكتاتور تروخيو نفسُه، في آخر أيام حياته عام 1961. يصور روتينه اليومي، هوسه بالنظام والنظافة، وتراجع قوته الجسدية، وكيف كان يتعامل مع وزرائه ومساعديه بإذلال مستمر، ليضمن ولاءهم…
ثم يأتي دور (المتآمرين) وهم مجموعة من سدنة النظام البوليسي (بعضهم كانوا مقربين جدا من الديكتاتور)..يختبيء هؤلاء في سيارة ليلة 30 مايو 1961..ينتظرون مرور موكب تروخيو لاغتياله، عائدا من زيارة عاهرة… يستعرض هذا الجزء من الرواية، دوافع كل شخص منهم، والانتهاكات الشخصية والنفسية التي تعرضوا لها، ودَفعتهم للتخطيط للتخلص منه..
ثم تتحدث الرواية عن تأليه الحاكم (Cult of Personality): كيف نجح الديكتاتور في جعل الشعب والمسؤولين يرونه كـ “منقذ للوطن”، لدرجة ان تُعلق- بأمر منه- صورتُه على جدران المنازل بجانب الصور الدينية…
وتُظهر الرواية كذلك، كيف كان الديكتاتور يعتمد على إهانة كبار المسؤولين والمثقفين وتجريدهم من كرامتهم (مثل استغلال زوجاتهم أو بناتهم) لضمان عدم قدرتهم على التمرد…
ثم تسلط الرواية الضوءَ، على الخوف حين يتحول إلى أداة سيطرة، تشلّ المجتمع بالكامل، وتجعل الصديق يشك في صديقه، والأب يخاف من ابنه..
على الرغم من أن رواية *حفلة التيس* تعد عملا خياليا، إلا أن الروائي، استند إلى توثيق تاريخي دقيق، وزيارات ميدانية، ومقابلات مع عائلات الضحايا، والسياسيين المعاصرين لتلك الحقبة (ومنهم من كان عضوا في فرقة الموت التي قتلت الطفل المعاق فينسنت)… نجحت الرواية في تقديم تحليل سيكولوجي عميق، للكيفية التي يُصنع بها الطاغية، وكيف تظل آثار الديكتاتورية حية في نفوس الشعوب؛ حتى بعد عقود من زوال الحاكم….
الصفحة الأخيرة من الرواية، تسرد بتفاصيل مذهلة، نهاية الديكتاتور، وكيف انه بال على سرواله، حين ازفت الساعة:
*..كان منبطحاً على الأرض، وجهه ملتصق بالأسفلت. خيط رفيع من الدم يسيل من فمه. قبعته كانت على بعد أمتار، كطائر ميت. التيس، الزعيم، محسن الوطن، أبو الوطن الجديد، الجنراليسيمو، لم يعد الآن أكثر من شيء بهيئة إنسان، بنطاله مبلل بالبول، ممدد على الطريق.”*
*He was face down, his face against the asphalt. A thin trickle of blood came out of his mouth. His hat was a few meters away, like a dead bird. The Goat, the Chief, the Benefactor of the Fatherland, the Father of the New Fatherland, the Generalissimo, was now nothing more than a thing with human form, his pants soaked in urine, lying on the road…*
تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي عام 2005 وحققت نجاحاً كبيراً, عالمياً وعربياً….
اقتباسات من كتاب *نظام التفاهة* لالان دينو
*The Mediocracy;*
*The Politics of the Extreme Centre*
طرحها احد اعضاء مجموعتنا في الواتساب، فكانت هي المدخل للحديث عن *حفلة التيس*، وعقد مقارنة بين العملين..
نجد أن العلاقة بين الكتابين عميقة جداً، ولا تفوت على فطنة القاريء..
أحد الكتابين يشرح *السبب* والثاني يشرح *النتيجة القصوى* لنفس المرض.
في “*نظام التفاهة*”، يقول المؤلف الكندي: النظام يكافئ الشخص الفارغ، المطيع، الشخص الذي لا يسأل أسئلة كبيرة..بل يعمل ما يؤمر به..
في “حفلة التيس”، الديكتاتور لا يريد جنرالات أذكياء أو وزراء مفكرين، بل يريد اناساً تافهين بامتياز..كل وزراء تروخيو في الرواية، شخصيات مضحكة، مهووسة بالألقاب، تتنافس في من يمدح التيس أكثر.
لماذا؟
لأن المبدع يعد خطراً على الديكتاتور، أما التافه فيمكن التحكم عليه..الديكتاتور صنعه نظام تفاهة خاص به.
المؤلف الكندي يقول نظام التفاهة يخترع لغة إدارية بلا معنى: “التميز، الولاء، إعادة الهيكلة..”..
الديكتاتور فعل نفس الشيء: كان يجبر الإذاعات والصحف على ان تكرر ليل نهار “العصر المجيد لتروخيو”.. “فخر الأمة”…وغيرها من الالقاب، بلغة فارغة تكرر كل يوم، حتى يصدقها الناس ويتوقفوا عن التفكير النقدي. (وهذا بالضبط ما تحذر منه الدكتورة مشاعل التي قامت بترجمة كتاب نظام التفاهة الى العربية)..
الكاتب الكندي دونو يحذرك: انتبه، أنت تعيش في نظام يكافئ السطحية…
فارغاس يوسا، في المقابل، يقول لك: إذا لم تنتبه، فإن هذه السطحية، ستتحول إلى ديكتاتورية كاملة، تأكل حتى شرفك.
الأول (المؤلف الكندي) يشخص المرض قبل ان يستفحل (في الشركة او الجامعة)، والثاني (يوسا) يظهر نفس المرض في مراحله المتأخرة : مرحلة السرطان (في القصر الرئاسي)…
(رواية حفلة التيس حقيقية ولا خيال فيها سوى الاسماء “ومنها اسم المحامية واسماء المتآمرين وآخرين” التي قال عنها الروائي إنه استبدلها بأسماء وهمية مع اضافة بعض التفاصيل التي اقتصتها فنيات السردية
