في الذكرى الـ128 لمعركة كرري: حين هُزِمَ الجيش ولم تُهزَم الأمة
مهدي داود الخليفة يكتب ..
في الثاني من سبتمبر من كل عام، لا يستعيد السودان ذكرى معركة فحسب، ولا يستعيد أسماء رجال سقطوا في ميدان القتال فحسب؛ وإنما يستعيد واحدة من أكثر صفحات تاريخه الوطني إثارةً وشموخاً وألماً.
إنها معركة كرري، التي وقعت في الثاني من سبتمبر عام 1898، في منطقة كرري شمال أم درمان، والتي مثّلت واحدة من أعظم المواجهات العسكرية في تاريخ السودان الحديث، وأكثرها دلالة على معنى التضحية في سبيل الحرية والسيادة.
تمر اليوم الذكرى الـ128 لكرري، وما زال دم الأنصار الطاهر ينساب نشيداً في ضمير الشعب السوداني؛ يرفض الانكسار، ويرفض الإهانة، ويرفض أن تتحول كرامة الوطن إلى سلعة في أسواق السياسة ومساومات القوة.
لم تكن الثورة المهدية مجرد انتفاضة عسكرية عابرة، وإنما كانت في جوهرها ثورة وطنية كبرى أعادت للسودانيين ثقتهم بأنفسهم، وحوّلت شعباً أنهكته سنوات السيطرة الأجنبية إلى شعب يرى نفسه قادراً على صناعة مصيره.
وفي فترة زمنية قصيرة، استطاع أتباع الإمام محمد أحمد المهدي أن ينتقلوا من حالة الضعف والاستكانة إلى حالة امتلاك المبادرة السياسية والعسكرية، وأن يؤسسوا دولة سودانية مستقلة في القرن التاسع عشر، في مواجهة واحدة من أقوى الإمبراطوريات التي عرفها العالم آنذاك.
لقد كان سقوط الخرطوم ومقتل غوردون لحظة فارقة في التاريخ الاستعماري البريطاني، لكنه كان في الوقت نفسه دليلاً على أن إرادة الشعوب قد تتغلب، في لحظات تاريخية معينة، على فارق هائل في الإمكانات العسكرية والتقنية.
ولعل أعظم ما في تجربة الثورة المهدية أنها لم تنتظر تساوي موازين القوى حتى تبدأ المقاومة؛ بل بدأت من إيمان أصحابها بأن الحرية تستحق أن يُدفع ثمنها.
كان طريق الثورة المهدية حافلاً بانتصارات عسكرية مذهلة. فمن انتصار شيكان وسقوط جيش هكس باشا، إلى حصار الخرطوم وسقوطها، ثم قيام الدولة المهدية، بدا وكأن التاريخ نفسه قد منح السودان فرصة نادرة لاستعادة استقلاله.
وكانت المفارقة أن رجالاً محدودي الإمكانات العسكرية استطاعوا هزيمة جيوش مدربة ومجهزة بأحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا العسكرية في ذلك العصر.
ولذلك فإن عظمة التجربة لا تكمن فقط في الانتصارات التي تحققت، وإنما في الزمن القصير الذي تحققت فيه.
ففي أقل من خمس سنوات تقريباً منذ اندلاع الثورة، استطاعت الثورة المهدية أن تصل إلى الخرطوم وأن تقيم دولة سودانية مستقلة.
وكان قائد الثورة نفسه، الإمام محمد أحمد المهدي، قد رحل عن الدنيا وهو في الثانية والأربعين من عمره.
إنها حقاً صفحة استثنائية في تاريخ السودان.
لكن كرري كانت مختلفة.
في الثاني من سبتمبر 1898 اصطدمت جموع الأنصار بقيادة الخليفة عبد الله بالقوات البريطانية-المصرية بقيادة اللورد كتشنر.
كان الفارق في السلاح والتكنولوجيا العسكرية هائلاً.
واجه الأنصار المدافع والرشاشات والأسلحة الحديثة بالسيوف والحراب والبنادق، وتقدموا في مواجهة قوة نارية هائلة يعرف أي قائد عسكري محترف صعوبة اختراقها.
وانتهت المعركة بهزيمة عسكرية وسقوط أعداد هائلة من الشهداء.
لكن التاريخ لا يقرأ المعارك دائماً بنتائجها العسكرية وحدها.
فكرري، رغم أنها كانت نهاية الدولة المهدية وعودة السودان إلى قبضة الاستعمار، لم تكن انتصاراً للاستسلام.
لقد كان المستعمر قادراً على احتلال الأرض، لكنه لم يكن قادراً على احتلال الذاكرة.
وكان يستطيع أن يسيطر على المدن، لكنه لم يستطع السيطرة على الروح السودانية التي ولدت من رحم الثورة.
لقد دخل الاستعمار السودان فوق أجساد آلاف السودانيين الذين سقطوا في كرري، لكنه ظل يدرك أن وراء تلك الأجساد شعباً لم يمت.
المستعمر احتل الأرض… لكنه لم يمتلك الروح
ولعل هذا يفسر جانباً مهماً من السياسة الاستعمارية في السودان.
فقد أدرك البريطانيون أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تستعيد الأجيال الجديدة روح الثورة المهدية.
ولهذا لم يكن تعامل السلطة الاستعمارية مع أي حركة وطنية أو تجمع سياسي يحمل ملامح التمرد على الاستعمار أمراً عابراً.
وحين ظهرت حركات المقاومة الوطنية لاحقاً، واجهتها السلطة بالقمع والإعدام والنفي والسجن.
من ود حبوبة إلى ثورة السلطان عجبنا و الفكي علي الميراوي وغيرهم من رموز الحركة الوطنية، ظل الاستعمار يتعامل مع فكرة المقاومة باعتبارها خطراً يجب احتواؤه قبل أن يتحول إلى ثورة.
وفي الوقت نفسه، كان الاستعمار يقدم المدارس والسكك الحديدية وبعض مظاهر الإدارة الحديثة، وهي أمور لا يمكن إنكار أثرها في التاريخ السوداني، لكنه كان يريد أيضاً أن يجعل من التنمية أداة لتثبيت شرعيته.
غير أن التاريخ يعلمنا درساً بالغ الأهمية:
التنمية لا تعوّض الحرية، والخدمات لا تشتري السيادة، والهبات لا تستطيع أن تحل محل حق الشعوب في تقرير مصيرها.
ولم تكن شجاعة الأنصار مجرد رواية سودانية نرددها اعتزازاً بتاريخنا.
لقد سجل بعض خصومهم أنفسهم شهادات بالغة القوة.
فقد وصف الكاتب البريطاني جورج وارينغتون ستيفنز، في كتابه مع كتشنر إلى الخرطوم، الجيش الذي واجهه البريطانيون بأنه كان من أكبر وأفضل وأشجع الجيوش التي قابلوها.
أما ونستون تشرشل، الذي شارك في حملة النيل وكتب لاحقاً عن تلك الحرب في كتابه حرب النهر، فقد ترك العبارة التي ظلت حاضرة في الذاكرة التاريخية:
“إنهم أشجع رجال مشوا على وجه الأرض.”
قد يختلف المؤرخون في تقييم الثورة المهدية، وقد يختلف السودانيون في قراءة بعض جوانب تجربتها السياسية والإدارية والعسكرية، وهذا حق طبيعي تفرضه الموضوعية التاريخية.
لكن لا ينبغي أن يختلف اثنان على أن الرجال والنساء الذين حملوا راية الثورة المهدية قاتلوا بإيمان استثنائي، وقدموا تضحيات هائلة، وتركوا للأجيال اللاحقة إرثاً من الكبرياء الوطني لا يمكن تجاهله.
لكن استحضار كرري اليوم لا ينبغي أن يكون دعوة إلى إعادة إنتاج الحرب.
هذه نقطة في غاية الأهمية.
فالشعوب لا تكرّم شهداءها بتكرار المآسي التي سقطوا فيها، وإنما بتعلم الدروس التي دفعوا حياتهم ثمناً لها.
لم يمت أولئك الرجال لكي يصبح السودان وطناً دائماً للحروب.
ولم يحملوا السيوف لكي يصبح السلاح هو الوسيلة الوحيدة لحل خلافات السودانيين.
ولم يقدموا أرواحهم لكي يتقاتل أبناء السودان الواحد فيما بينهم.
إن أعظم وفاء لكرري هو أن نفهم أن القوة الحقيقية للدولة ليست في كثرة البنادق، وإنما في قدرتها على حماية مواطنيها، وصون سيادتها، وتحقيق العدالة، وبناء مؤسسات وطنية يثق بها الشعب.
بعد 128 عاماً، تبدو المسافة الزمنية بين كرري والسودان المعاصر قصيرة على نحو غريب.
فالسودان لا يزال يبحث عن المعنى الكامل للاستقلال.
لقد حصلنا على الاستقلال السياسي في عام 1956، لكن معركة بناء الدولة الوطنية لم تنتهِ.
وما زال السؤال قائماً:
هل نستطيع أن نبني دولة يكون فيها الولاء للسودان قبل الولاء للجماعة والحزب والقبيلة والجهة؟
وهل نستطيع أن نؤسس جيشاً وطنياً موحداً، وقوات أمن مهنية، ودولة قانون، ومؤسسات سياسية ديمقراطية، واقتصاداً منتجاً، ومجتمعاً يتسع لكل أبنائه؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي المعركة الحقيقية لجيلنا.
فإذا كانت كرري قد أثبتت أن السوداني يستطيع أن يموت من أجل وطنه، فإن واجبنا اليوم أن نثبت أن السوداني يستطيع أيضاً أن يعيش من أجل وطنه، ويبنيه ويحميه ويصون وحدته.
الشجاعة ليست أن نموت فقط… وإنما أن نمنع الموت
لقد كان رجال كرري شجعان لأنهم لم يخافوا الموت.
لكن شجاعة الأجيال الحالية يجب أن تكون أكثر من ذلك.
الشجاعة اليوم هي أن نرفض الحرب حين تصبح الحرب تدميراً للوطن.
الشجاعة أن نرفض الظلم مهما كان مصدره.
الشجاعة أن نقول إن دم السوداني أغلى من أي سلطة، وإن السودان أكبر من أي قائد، وإن الوطن لا يمكن أن يكون غنيمة لأي طرف.
الشجاعة أن نضع حداً لدائرة الثأر والكراهية، وأن نعيد بناء الدولة على أساس المواطنة والعدالة والمساواة.
فالسودان الذي قاتل أجدادنا من أجله لم يكن سودان قبيلة أو جهة أو حزب.
كان السودان.
كرري… ذاكرة لا تموت
في الثاني من سبتمبر، حين نستعيد مشهد كرري، فلنستحضر أولئك الرجال كما كانوا: متقدمين نحو الموت وهم يؤمنون بأن وراءهم أرضاً تستحق أن تُحمى، وشعباً يستحق أن يعيش حراً كريماً.
لنستحضرهم لا لنمجد الموت، وإنما لنمجد التضحية.
ولا لنقدس الحرب، وإنما لنقدس الوطن.
ولا لنستدعي الماضي للانتقام، وإنما لنستدعيه لبناء المستقبل.
لقد سقطت أجسادهم في رمال كرري، لكن الفكرة التي حملوها لم تسقط.
فالاستعمار رحل، والدولة المهدية انتهت، والسنون تعاقبت، والأجيال تغيرت، لكن شيئاً واحداً بقي حياً:
إيمان السوداني بأن وطنه يستحق الحرية والكرامة والسيادة.
ولهذا، كلما أقبل الثاني من سبتمبر، سنقف احتراماً أمام كرري.
سنقرأ الفاتحة على أرواح الشهداء.
وسنقول لهم:
لقد ذهبتم أنتم، ولكن السودان الذي قاتلتم من أجله ما زال هنا.
وما زال النيل يجري.
وما زالت الأرض تحفظ خطى الذين مشوا عليها إلى الموت وهم لا يملكون إلا إيمانهم وشجاعتهم.
وما زالت كرري تقول لنا، بعد 128 عاماً:
إن الأرض قد تسقط تحت الاحتلال، وإن الجيش قد يُهزم في المعركة، ولكن الأمة التي ترفض الانكسار لا تُهزم أبداً.
رحم الله شهداء كرري، ورحم الله رجال الثورة المهدية ونساءها، الذين كتبوا بدمائهم واحدة من أروع صفحات التاريخ السوداني.
إنهم، بحق، كانوا من أشجع الرجال الذين مشوا على وجه الأرض.
ولهم الرحمة والمغفرة والخلود في ذاكرة السودان.
