الخرطوم حقت أبو منو؟ مايو تجيب من داخل الميدان

محمد عبدالله كندشة يكتب

وغدًا…
سوف يولد من يحمي الكلمةَ بالسيف
ومن يكتب الحقَّ بدمه لا بالحبر
ومن يقف على خطِّ النار صامدًا
وغدًا…
سوف يعلم القاتلون
أن الكلمة التي حاولوا دفنها
ستزهر في قلوب الملايين
وأن الصوت الذي صمتوه
سيظل يتردّد في كل شارعٍ وبيت
وفي كل ضميرٍ حي

منذ تباشير الصباح، انتظمت جنوب الحزام حركة دؤوبة، يخالطها حماس وقلق وترقب، كترقب عريس يتهيأ لليلة الدخلة. حتى إذا انتصف النهار، تقاطرت جموع أفيال مايو زرافات ووحدانا من كل حدب وصوب، يمّموا وجوههم شطر الشمال، صوب العاصمة، وغايتهم واحدة لا تتبدل: انتزاع تاج كأس والي الخرطوم “الصمود”.

“وإن الأرض لفالحها”
تنادوا واصطفوا
أن حيّ على الفلاح

وما التسمية اعتباطا، فإن عبقرية الاسم تختزل مجاهدات أهالي جنوب الحزام وصمودهم تحت القصف المدفعي وهدير الطيران وتطاير الرصاص، في بقعة كانت من أشد بؤر العمليات التهابا، دفع أهلها ثمنا باهظا من الأرواح والجراح، فما وهنوا لما أصابهم وما استكانوا. ولقد كان أول ظهور جماهيري للبرهان بعد خروجه من القيادة العامة من داخل استاد حي الإنقاذ، شهادة قاطعة على صمود جنوب الحزام، غير أن دورة الصمود جاءت لتؤكد الحقيقة القاطعة: إن أوتاد الأرض وركائز العاصمة هم أهل الأطراف، أولئك الذين ثبتوا أوصالها يوم هجرها أهلها فارّين من نير الجحيم وحمم اللهب.

“أوتاد الأرض وركائز العاصمة”

عُمال المدن .. كلات المواني .. الغُبش التعاني .. بحارة السُفن .. حشّاشة القِصوب.. لقّاطة القطن .. الجالب الحُبال .. الفِطن الفرن .. الشغلانتو نار .. والجو كيف سُخن

وما ذلك بغريب، فأبناء جنوب الحزام هم من يبكّرون مع الفجر، يرفدون مؤسسات العاصمة بالسواعد والعقول، يبعثون الحياة في كل جنباتها، سلما وحربا وثورة.
يغيثونها حين تستغيث
في كل وقت وحين

“الصور نفس المشاهد”

واكتظ شيخ الاستادات عن آخره، وامتلأت جنباته حد الترع، وارتفعت الهتافات تعانق عنان السماء، فعاد إليه مجده القديم محررا من الصمت والسكون. تلك المدرجات التي كانت بائسة هجرتها جماهير العاصمة طويلا، عادت اليوم لتكتسي بجمهور جنوب الحزام لوحة زاهية باذخة، جوابا عمليا صارخا على سؤال: “الخرطوم حقت أبو منو؟”. وكان التلفزيون القومي حاضرا، عدسة تنقل للعالم كيف يكون الصمود، وكيف تدار المعارك الحربية، وكيف يكون الحفر بالهاوزر والبوكلين، ليشهد أن ما جرى لم يكن مجرد مباراة فحسب، بل كان ملحمة مكتملة الأركان. لقد كُسبت المباراة وحُسمت نتيجتها في المدرجات قبل أن تبدأ، قبل أن يطلق الحكم صافرته، ولاحت أمارات البطل في وجوه سمراء متعبة شاحبة من مصارعة الظروف الصعبة التي تمر بها العاصمة من شح الخدمات ونقص الغذاء والكساء والدواء ولكن “رغم الظروف والحال الحرن” احتشدت لا تلوي على شيء تحت لهيب شمس الخرطوم، ومن ذاق ويل التدوين وأهوال الطيران وتحدى الرصاص ونير التتار لا ترهبه حرور الشمس.

“يا شعبا لهب ثوريتك”

أما داخل المستطيل الأخضر، فقد دارت معركة من طراز آخر، معركة شاردة من عصور السيّاف والمنجنيق والقلاع، معركة حربية ضارية تشبه تلك التي خاضتها ذات المنطقة يوم تحرير الخرطوم. فما هي إلا عشر دقائق من بداية الاجتياح الكامل، عبر المشاة أرضا والغطاء الجوي عبر المدفعية والمسيرات، حتى فتح نجوم مايو حمم الجحيم على الفرقة السابعة من كل المحاور، أول برميل متفجر استقر في شباك الفرقة السابعة مشاة على ساحة الدقيقة عشرة . وفي غمرة التقدم، التف مهاجمو الفرقة السابعة وعدّلوا الكفة، فارتدت أفيال مايو إلى الوراء، عن وعي بأن الحرب كر وفر.

“وكان تعب منك جناح في السرعة زيد”

وفي خضم التراجع، لاحت للفرقة السابعة فرصة سانحة للتقدم، بركلة جزاء من داخل المناطق المحررة للأفيال، غير أن دفاعات مايو الأرضية تصدت لها ببسالة، بفضل براعة حارسها المتألق وضابط الدفاعات الأرضية سليم كوه، فانتهت الجولة الأولى على وقع التعادل 1-1.

ثم عادت الأفيال بعد هدنة الربع ساعة من إطلاق النار التي فرضها الحكم، عادت وهي تدرك أنها على موعد مع التاريخ. فبسط اللون البرتقالي سيطرته على ساحة النزال طولا وعرضا، ونفذ التفافا محكماً ناجحاً أطلق خلاله قذيفتين مدفعيتين في غضون ثلاث دقائق تواليا أيقظ دويهما العاصمة من أقصاها إلى أدناها، هدفان كفلا لنجوم مايو السيادة المطلقة، كان من بينهما هدف الحسم بتوقيع هداف الفريق ومرعب الشباك، ضارب ال23 الماهر، محمد عبدالله نيالا.

حاولت الفرقة السابعة العودة إلى معاقل الأفيال، وأفلحت في إطلاق قذيفة سكنت شباك كوه، لكنها كانت خسارة تكتيكية محدودة الأثر. فقد أحسن أبطال مايو امتصاص الصدمة، وسيّروا دفة اللقاء كيفما أرادوا، حتى دنا المغيب وانجلى غبار المعركة، ليعلن نجوم مايو التحرير الكامل، وينتهي الصراع المثير بفوز مستحق 3-2 وتتويج أحق حلال بلال بكأس الصمود لا فيه شك لا طق.

ولم يكتف نجوم مايو بالكأس، بل حصدوا الجوائز الفردية، فتوج جمال أباك بجائزة أفضل لاعب في البطولة، وظفر سليم كوه بجائزة أفضل حارس.

وعلى المدرجات، دوّى هتاف الجماهير:

احتجينا مع الاحتجو
وقلنا كلام موضوعي
قلنا المصنع حق الدولة
إيد العامل هي القاعد تنتج

وكانت الرسالة إلى والي الخرطوم واضحة: ضرورة إعادة كافة الخدمات إلى جنوب الحزام، المنطقة التي أوفت بوعدها، وأرسلت للعالم رسالة بأن أوتاد الأرض ها هنا قاعدون، وأن أياديهم هي التي تبني وتعمّر، وأنه لن تكون هناك عاصمة دون سواعدهم.

وفي الآن ذاته، تعالت المطالبة العادلة بتمكين فريق نجوم مايو من مقعده في الدرجة الثالثة، كاستحقاق طبيعي لمنطقة تتنفس كرة القدم، وتغذي دوريات العاصمة بمئات المواهب، منطقة ذات كثافة سكانية عالية، موعودة بأن تعيد الروح إلى ملاعب العاصمة، وأظن الوعد حق.

توج الأبطال بالذهب، وخطفوا الكأس الغالية. كان أبناء مولر في الموعد، فأحالوا ليل العاصمة نهارا. انطلقت الأفراح من وسط الخرطوم إلى جنوبها، وسار موكب الفرح يطوف شمال العاصمة ووسطها وشرقها، حتى حطت البعثة الظافرة رحالها في جنوب الحزام، لتعلن نجوم مايو أميرا متوجا على عموم العاصمة، بعد أن جندل عتاة فرق الممتاز: حي الوادي والناصر والأهلي والخرطوم الوطني.

وكان الإعلان الرسمي:
نجوم مايو يُسقطون الفرقة السابعة مشاة بثلاث قذائف، اثنتان من المدفعية والثالثة من الطيران برميل متفجر، ويبسطون سيطرتهم على كامل ولاية الخرطوم، وينصبون ارتكازاتهم في عموم محليات الخرطوم السبع.

هذا الإنجاز وذلك الإعجاز لم يكن ليكون لولا أبطال على صعيد آخر
وغدًا…
سوف ينهض من بين الركام
يحمل الكاميرا كراية
والصورة كرصاصة
والقلم كجدارٍ
والتحايا فرض حب لإعلام مايو دون استثناء فهم من صناع الفلاح.

أما جمهور جنوب الحزام عموما ومايو خصوصا فيستحق انحناءة وقبلة على رؤوس الغبش راس راس ولهم المحبة وعليهم السلام.

مبروك شعب جنوب الحزام

وفي الانتظار نجوم الإنقاذ والسلمة والأزهري والبركان لحمل راية جنوب الحزام، ليروي للعرب والعجم فصلاً جديداً من روعة المشهد.
جنوب الحزام قدام قدام