الدبلوماسية القطرية: من صناعة السلام إلى تنفيذه وماذا عن السودان؟

مهدي داود الخليفة يكتب..

ظللت، منذ سنوات، أتابع بإعجاب بالغ التحركات الدبلوماسية لكلٍّ من دولة قطر وسلطنة عُمان، لما تقدمانه من نموذج عربي وإسلامي متميز في توظيف الدبلوماسية الهادئة، والوساطة، والحوار في خدمة السلام والاستقرار. وقد أثبتت تجربتاهما أن صِغر الدولة لا يعني صِغر تأثيرها، وأن امتلاك رؤية مستقلة، والقدرة على التواصل مع الخصوم، والحفاظ على ثقة أطراف النزاع، يمكن أن يحوّل الدولة الصغيرة إلى لاعب مؤثر في القضايا الإقليمية والدولية.

لكن خبراً صغيراً في حجمه، كبيراً في دلالاته، أعاد لفت انتباهي بصورة خاصة إلى الدبلوماسية القطرية.

ففي 24 أغسطس 2026، بدأت في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية أول مهمة ميدانية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار بين القوات الحكومية وتحالف نهر الكونغو/حركة 23 مارس (AFC/M23)، في إطار آلية أنشأها اتفاق السلام الذي توسطت فيه قطر. وجاء ذلك عقب اجتماع ممثلي الحكومة الكونغولية والحركة في سويسرا، واتفاقهما على خارطة طريق جديدة للمفاوضات وآلية لمراجعة التقدم ومعالجة تحديات التنفيذ.

وهنا توقفت طويلاً أمام هذا الخبر، ووجدت نفسي أطرح سؤالاً مشروعاً:

إذا كانت قطر قد توسطت بين حكومة الكونغو وحركة مسلحة مدعومة من رواندا، واستطاعت أن تنقل العملية من طاولة الحوار إلى الاتفاق، ثم إلى آليات المراقبة والتنفيذ، فلماذا لا يكون للسودان نصيب مماثل من هذا الدور، والسودان يحترق منذ أكثر من ثلاث سنوات؟

ما يميز التجربة القطرية في الكونغو ليس مجرد استضافة المفاوضات، وإنما قدرتها على الانتقال من الوساطة إلى هندسة التنفيذ.

فالمسار تطور من إعلان مبادئ في يوليو 2025 إلى إطار للسلام وُقّع في الدوحة في نوفمبر من العام نفسه، ثم إلى ترتيبات لمراقبة وقف إطلاق النار والتحقق منه، وصولاً إلى الانتشار الميداني في أغسطس 2026.

وهذه، في تقديري، هي النقلة النوعية.

فالدبلوماسية التقليدية قد تعتبر جمع الأطراف إلى طاولة التفاوض إنجازاً بحد ذاته. أما التجربة القطرية فتقدم مفهوماً أكثر تقدماً: جمع الأطراف، ومساعدتها على الاتفاق، ثم بناء الآليات التي تجعل الاتفاق قابلاً للتنفيذ والمراقبة.وهذا هو الفارق بين صناعة الاتفاق وهندسة السلام.

لا شك أن للوساطة القطرية في الكونغو أبعاداً إنسانية وسياسية، لكن تفسيرها يحتاج إلى قراءة أوسع. فقد بنت قطر خلال العقدين الماضيين نموذجاً للدولة التي تستخدم الوساطة باعتبارها أداة للقوة الناعمة وبناء النفوذ الدبلوماسي، مستفيدة من خبراتها في ملفات متعددة، من لبنان واليمن و غزة وأفغانستان إلى دارفور.

وتنبع قيمة هذا الدور من قدرة الدوحة على التواصل مع أطراف قد يصعب على القوى الكبرى التواصل معها مباشرة. فعندما تستطيع دولة صغيرة أن تتحدث مع الحكومة، والحركة المسلحة، ودول الجوار، والولايات المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، فإنها تبني رصيداً دبلوماسياً لا يمكن فرضه بالقوة.

والأهم أن قطر لا تبدو في الكونغو وكأنها تنافس القوى الكبرى، بل تسعى إلى أن تكون شريكاً لا غنى عنه في عملية السلام.

فالمسار القطري بين كينشاسا وAFC/M23 يسير بالتوازي مع المسار الأمريكي بين الكونغو ورواندا، بينما تشارك الولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي وتوغو وسويسرا إلى جانب قطر في متابعة تنفيذ إطار الدوحة.

وهنا تكمن براعة الدبلوماسية القطرية: لا تحتاج الدوحة إلى أن تكون القوة الأكبر حتى تصبح قوة أساسية في الملف.

لا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي في الحالة الكونغولية، خصوصاً أن شرق الكونغو غني بالمعادن الاستراتيجية، وأن استقرار المنطقة يمكن أن يفتح الباب أمام إعادة الإعمار والاستثمار.

لكنني أتحفظ على اختزال الدور القطري في البحث عن المعادن الكونغولية، إذ لا أرى ما يكفي من الأدلة للقول إن هذا هو الدافع الأساسي للوساطة.

الأدق، في رأيي، أن قطر تستفيد استراتيجياً من عملية سلام يمكن أن تقود إلى:

استقرار، أمن ، إعادة إعمار ، استثمارات ، انفتاح اقتصادي.

غير أن المكسب الأهم يظل في بناء النفوذ، وتوسيع شبكة العلاقات، وتعزيز صورة قطر كوسيط دولي موثوق.

فالسؤال بالنسبة لي ليس: لماذا تتوسط قطر في الكونغو؟

بل: لماذا لا تستخدم قطر في السودان الخبرة نفسها التي راكمتها في دارفور والكونغو؟

فقطر ليست غريبة عن السودان؛ بل إن للدوحة تاريخاً طويلاً في ملف السلام السوداني. فقد استضافت مفاوضات دارفور التي أفضت إلى وثيقة الدوحة للسلام في دارفور عام 2011، بعد سنوات من التفاوض وبمشاركة ودعم أممي وأفريقي ودولي.

كما أن العلاقة السودانية القطرية تتجاوز الحسابات السياسية إلى أبعاد إنسانية وتاريخية. ولا أشك أن سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني قد ورث من والده، الأمير الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، محبة السودان والاهتمام بقضاياه.

كما استمعت أكثر من مرة إلى الرجل الحكيم الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري السابق، وهو يعبر عن انزعاجه وألمه مما يجري في السودان.

ومن هنا، فإنني لا أنظر إلى الدور القطري المحتمل في السودان باعتباره مجرد مبادرة دبلوماسية أخرى، وإنما أراه أيضاً مسؤولية أخلاقية تجاه بلد تربطه بقطر علاقات تاريخية وإنسانية عميقة.

ماذا يمكن أن تقدم قطر للسودان؟

إن السودان لا يطلب من قطر أن تحمل عبء الحرب وحدها، ولا أن تحل محل المجتمع الدولي. وربما كل ما يحتاجه الآن هو أن تعود الدوحة إلى دورها التاريخي، وأن تستخدم خبرتها وعلاقاتها وثقة الأطراف بها لفتح نافذة جديدة في جدار الحرب.

السودان لا يحتاج إلى مؤتمر جديد ينتهي ببيان، بقدر ما يحتاج إلى عملية سلام ذات بنية تنفيذية واضحة.

وهذه العملية يمكن أن تقوم على سلسلة مترابطة:

وساطة ، هدنة قابلة للتحقق ، آلية مراقبة مستقلة ، حماية المدنيين ،ممرات إنسانية، تبادل الأسرى والمحتجزين ، ترتيبات أمنية، معالجة جذور الصراع ، حوار سياسي سوداني شامل ، ترتيبات انتقالية ، ضمانات إقليمية ودولية ، آلية تنفيذ ومساءلة.

وهنا تصبح التجربة القطرية في الكونغو ذات أهمية خاصة للسودان.

فالمشكلة السودانية لم تكن دائماً غياب المبادرات؛ فقد تعددت مسارات جدة، والاتحاد الأفريقي، والإيغاد، والرباعية، والخماسية، والأمم المتحدة. لكن الفجوة ظلت قائمة بين الاتفاق والتنفيذ.

لقد كثرت البيانات، وتعددت الدعوات، وتكررت الهدن التي لم تصمد، بينما ظل المدني السوداني يدفع الثمن.

لذلك، قد لا يحتاج السودان إلى مسار تفاوضي جديد بقدر حاجته إلى تصميم مختلف لعملية السلام.

في تقديري، تستطيع قطر، إذا قررت العودة إلى الملف السوداني، أن تقدم قيمة مضافة حقيقية دون أن تحل محل الولايات المتحدة أو السعودية أو مصر أو الاتحاد الأفريقي أو الأمم المتحدة.

يمكن للدوحة أن تكون جسراً بين هذه المسارات، وأن تساعد في بناء عملية متكاملة لا تتنافس فيها المبادرات، بل تتكامل.

والأهم أن يكون للسودانيين أنفسهم دور مركزي في تحديد مستقبل بلادهم، بمشاركة القوى المدنية والسياسية والمجتمعية، بعيداً عن احتكار مستقبل السودان بواسطة الأطراف العسكرية.

فالتجربة الكونغولية تقدم درساً واضحاً: نجاح الوساطة لا يقاس فقط بقدرتها على جمع الخصوم، وإنما بقدرتها على تحويل التوافق السياسي إلى ترتيبات قابلة للتحقق على الأرض.

من هنا، فإنني أكتب هذه الكلمات لا انتقاداً لقطر، وإنما دعوة صادقة إليها.

لقد كان لقطر في السودان تاريخ طويل من الوساطة والوفاء، وكانت الدوحة إحدى أهم العواصم التي فتحت أبوابها أمام السودانيين عندما ضاقت بهم ساحات التفاوض.

واليوم السودان أكثر احتياجاً إلى ذلك الدور من أي وقت مضى.

إذا كانت قطر استطاعت أن تجمع حكومة الكونغو وحركة AFC/M23، وأن تساعدهما على الوصول إلى إطار للسلام، ثم تنتقل معهما إلى آليات مراقبة وقف إطلاق النار، فلماذا لا تساعد السودانيين على بناء مسار مماثل؟

وما أبعد الكونغو عن قطر جغرافياً، وما أقرب السودان إلى الوجدان القطري!

ولا ندعو قطر إلى الانحياز إلى الجيش أو قوات الدعم السريع أو أي طرف عسكري؛ وإنما ندعوها إلى الانحياز إلى السودان: إلى المدنيين، وإلى وقف الحرب، وإلى وحدة البلاد، وإلى استعادة الدولة، وإلى سلام لا ينتصر فيه طرف على طرف، وإنما ينتصر فيه السودان على الحرب.

أعتقد أن الدبلوماسية القطرية أمام فرصة مهمة لتطوير تجربتها من وساطة النزاع إلى هندسة السلام المستدام.

والسودان، بما يمثله من أهمية عربية وأفريقية وإقليمية، يمكن أن يكون ساحة مناسبة لتطبيق هذه الخبرة، لا من خلال مبادرة قطرية منفردة، وإنما عبر شراكة مع واشنطن والرياض والقاهرة والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، مع وضع القرار السوداني في قلب العملية.

فالسلام المستدام لا يصنعه الوسطاء وحدهم، وإنما يحتاج إلى إرادة الأطراف، وضمانات دولية، وآليات تنفيذ ومراقبة ومساءلة.

ولعل الدبلوماسية القطرية، التي انتقلت في الكونغو من مجرد استضافة المفاوضات إلى المساهمة في تنفيذ اتفاق السلام ومراقبته، تستطيع أن تقدم للسودان شيئاً أكبر:

أن تساعد السودانيين على تحويل السلام من أمنية إلى عملية، ومن اتفاق إلى واقع، ومن وقف للقتال إلى بداية لاستعادة وطن.