وثيقة الموقف المشترك للقوى المناهضة للحرب: خطوة مهمة نحو بناء رؤية سودانية للسلام
مهدي داود الخليفة يكتب..
تمثل وثيقة الموقف المشترك التي أصدرتها في أديس أبابا، في 23 أغسطس 2026، مجموعة من القوى السودانية المناهضة للحرب وغير المصطفة مع طرفيها، خطوة سياسية مهمة في اتجاه بناء خطاب سوداني أكثر وضوحًا بشأن إنهاء الحرب. وتكتسب الوثيقة أهميتها من توقيتها، ومن تنوع القوى والشخصيات المشاركة فيها، ومن محاولتها الانتقال من مجرد رفض الحرب إلى تقديم تصور متكامل لما تسميه «عملية السلام التي نريد».
وتأتي الوثيقة في وقت تبحث فيه الآلية الخماسية، المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد» والجامعة العربية، عن مسارات لإطلاق عملية سياسية سودانية شاملة، بعد مشاوراتها في أديس أبابا في يونيو الماضي، والتي ركزت على إمكانية تشكيل لجنة تحضيرية لحوار سوداني-سوداني شامل.
أبرز إيجابيات الوثيقة أنها لا تكتفي برفض دعوة الفريق البرهان إلى الحوار، وإنما تضع تعريفًا مختلفًا لعملية السلام. فهي تميز بوضوح بين «الحوار» السياسي العام وبين عملية السلام التي تبدأ بوقف العدائيات، وتتضمن ترتيبات إنسانية وأمنية وسياسية، وتنتهي بوقف دائم لإطلاق النار واتفاق سلام وانتقال مدني.
وهذا التفريق مهم جدًا، لأنه ينقل النقاش من سؤال:من يشارك في الحوار؟ إلى سؤال أكثر جوهرية:ما الهدف من العملية السياسية وما النتائج التي ينبغي أن تقود إليها؟
كما أن الوثيقة تحسب لها دعوتها إلى ثلاثة مسارات متزامنة: المسار الإنساني، ومسار وقف إطلاق النار، والمسار السياسي. وهذه مقاربة واقعية؛ إذ يصعب تصور عملية سياسية ذات مصداقية بينما تستمر الحرب وتتفاقم الكارثة الإنسانية.
ومن نقاط القوة كذلك تأكيدها على وحدة السودان ورفض تحويل واقع السيطرة العسكرية إلى تقسيم سياسي دائم، وعلى المشاركة المتوازنة للشباب والنساء والنازحين واللاجئين وسودانيي المهجر.
الوثيقة تستخدم مفاهيم تتقاطع بدرجة كبيرة مع ما أعلنته الآلية الخماسية نفسها: عملية سودانية القيادة والملكية، شاملة، تعالج جذور النزاع، وتحفظ وحدة السودان وسلامته الإقليمية.فالخماسية أكدت بعد مشاورات يونيو أنها تسعى إلى عملية سياسية «سودانية القيادة والملكية» وإلى مسار شامل ومستدام للسلام.
كما أن رؤية الوثيقة للرباعية تتقاطع مع خارطة الطريق التي طرحتها الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر في سبتمبر 2025، والتي دعت إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تليها عملية انتقالية مدتها تسعة أشهر نحو حكم مدني، وأكدت أنه لا يوجد حل عسكري قابل للاستمرار للصراع.
ومن هذه الزاوية، فإن الوثيقة قابلة للحوار مع الرباعية والخماسية وليست وثيقة معزولة عن أجندة الوساطة الدولية.
ولكن هل تكفي الوثيقة لإقناع الوسطاء؟
هنا أعتقد أن الإجابة تحتاج إلى قدر من التحفظ.
الوثيقة قوية من حيث المبادئ، لكنها أقل اكتمالًا من حيث آليات التنفيذ. فالوسطاء الدوليون لا يبحثون فقط عن الرؤية السياسية، وإنما يريدون معرفة: من يجلس مع من؟ ومن يمثل من؟ وكيف يتم اتخاذ القرار؟ وما الذي يحدث إذا رفض أحد الأطراف وقف إطلاق النار؟ ومن يراقب التنفيذ؟ وكيف تنتقل البلاد من الهدنة إلى الترتيبات الأمنية ثم إلى الانتقال السياسي؟
وهذه الأسئلة تحتاج إلى إجابات أكثر تحديدًا.
كما أن الوثيقة تستخدم لغة حادة في توصيف دعوة البرهان، مثل «الحوار التضليلي» و«اختطاف الدولة» و«الاستبداد». وقد تكون هذه اللغة مفهومة سياسيًا داخل السودان، لكنها قد تقلل من قدرتها على أن تكون وثيقة تفاوضية تصلح لأن تتعامل معها الوساطة الدولية باعتبارها أساسًا لبناء توافق، لا مجرد بيان موقف. وكان من الأفضل، في تقديري، الاستعانة بشخصية دبلوماسية متمرسة في إعداد وصياغة الوثائق والمذكرات السياسية، لضبط اللغة والمصطلحات بما يحافظ على جوهر الموقف السياسي، وفي الوقت نفسه يمنح الوثيقة قدرًا أكبر من المهنية والمرونة والقبول لدى الأطراف الدولية والإقليمية المعنية بالوساطة.
والأمر نفسه ينطبق على استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية. فمن الناحية السياسية يمكن للوثيقة أن تضع خطوطًا حمراء واضحة تجاه القوى التي تراها مسؤولة عن الحرب أو تقويض الانتقال الديمقراطي. لكن الأفضل أمام الوسطاء هو صياغة هذا الموقف في إطار معايير المشاركة: رفض أي قوة تستخدم السلاح أو التحريض أو ترفض الانتقال المدني أو تعمل على تقويض السلام، بدل أن يبدو الأمر وكأنه استبعاد قائم على الهوية السياسية وحدها.
في تقديري، كانت الوثيقة ستصبح أكثر قوة وتأثيرًا لو تضمنت خطة تنفيذية مختصرة من خمس نقاط:
أولًا، تحديد خطوات عملية لأول ثلاثين يومًا تبدأ بهدنة إنسانية شاملة وفتح الممرات الإنسانية.
ثانيًا، إنشاء آلية مستقلة لمراقبة وقف إطلاق النار وتوثيق الخروقات.
ثالثًا، تحديد الضمانات الدولية والإقليمية اللازمة لتنفيذ الاتفاق، وربطها بعقوبات على الطرف الذي يعرقل العملية.
رابعًا، وضع تصور أوضح لتوحيد المنابر الدولية، بحيث تتكامل الخماسية والرباعية والاتحاد الأفريقي والترويكا بدل تعدد المسارات.
خامسًا، تحديد آلية واضحة لاختيار ممثلي القوى المدنية، حتى لا يتحول شعار «التمثيل الشامل» إلى خلاف جديد حول من يمثل المدنيين.
المطلوب الآن: تحويل الوثيقة إلى مبادرة تفاوضية
القيمة الحقيقية للوثيقة لن تتحدد بعدد الموقعين عليها، وإنما بقدرتها على التحول من وثيقة موقف إلى وثيقة تفاوض.
ولهذا ينبغي إرسالها رسميًا إلى الآلية الخماسية والرباعية، مع طلب اجتماع مباشر لمناقشة مضمونها، وليس الاكتفاء بتداولها إعلاميًا. والأفضل أن تقدم القوى الموقعة معها ورقة تنفيذية من عدة صفحات تحدد ما تقترحه للمرحلة الأولى، ومن يمثل القوى المدنية، وكيف تبدأ الهدنة، وكيف تتم مراقبتها، وكيف تنتقل العملية إلى التفاوض السياسي.
فالخماسية أعلنت أصلًا أنها تسعى إلى بناء عملية شاملة، وقد أظهرت مشاورات يونيو أن القوى السودانية تستطيع الوصول إلى أرضية مشتركة رغم الخلافات العميقة.
ومن هنا، فإن وثيقة أديس أبابا يمكن أن تكون نقطة انطلاق مهمة لبناء كتلة مدنية سودانية تفاوضية إذا أحسنت القوى الموقعة عليها تطويرها.
أما إذا بقيت في حدود إعلان المبادئ ورفض مواقف الخصوم، فقد تكون وثيقة سياسية جيدة، لكنها لن تتحول إلى أداة مؤثرة في عملية السلام.
الخلاصة أن الوثيقة تمتلك شيئًا مهمًا: رؤية سودانية للسلام تتقاطع في أجزاء كبيرة منها مع ما تبحث عنه الوساطة الدولية. وما ينقصها ليس المزيد من المبادئ، وإنما المزيد من الأدوات: آليات تنفيذ، ضمانات، تمثيل واضح، جدول زمني، وآلية موحدة للتعامل مع الوسطاء.
وهنا تحديدًا يمكن أن تنتقل القوى المناهضة للحرب من موقع «الطرف الذي يرفض الحرب» إلى موقعالطرف المدني الذي يقدم للوسطاء مشروعًا عمليًا لإنهائها.
