وداعا.. المناضل على عسيلات

 حسين سعد يكتب ..
رحل علي عسيلات، الشيوعي العتيق، وترك وراءه شيئاً أكبر من الحزن؛ ترك سيرة رجلٍ عاش منحازاً للناس، ومحباً للوطن، وحافظاً لذاكرةٍ سودانية لا تُكتب في الكتب وحدها، وإنما تُحفظ في القلوب والأغنيات والقصائد.
لا أستطيع أن أكتب عن عسيلات دون أن تعود بي الذاكرة إلى تلك الزيارة التي جمعتني به في قريته العسيلات، قبل ٢٠ عاما برفقة العمالي من الله عبد الوهاب والمصور فخري يس كنت في تلك الفترة اعمل في صحيفة الايام واجريت مقابلة مطولة مع عسيلات . يومها استقبلونا بالنحاس، في مشهدٍ سوداني أصيل، كأن القرية كلها كانت تفتح لنا أبوابها لاستقبال ضيوفٍ طال انتظارهم.
وكان عسيلات، بمحبته وشهامته وحضوره الآسر، يقرأ لنا قصائد محجوب شريف التي كان يحفظها عن ظهر قلب. لم يكن يقرأ الشعر كمن يستعرض محفوظاته؛ كان يستعيد حياةً كاملة. كان صوته يحمل شيئاً من ذلك السودان الذي نحبه، السودان الذي قاوم القهر بالكلمة، وبالأغنية، وبالأمل.
كان عسيلات قد عانى طويلاً قبل رحيله من داء السكري، حتى انتهى الأمر إلى بتر إحدى ساقيه. لكن المرض لم يستطع أن يبتر منه روحه، ولا ذاكرته، ولا ذلك العشق القديم لمحجوب شريف، ولا إيمانه بالناس والوطن.
أتذكره اليوم فأشعر أن بعض الرجال لا يرحلون مرة واحدة. يرحلون بأجسادهم، لكنهم يتركون ظلالهم في الأمكنة التي مروا بها، وفي الوجوه التي أحبتهم، وفي الحكايات التي تُروى عنهم.
سيبقى عسيلات في ذاكرتي كما رأيته يومها في قريته: رجلاً بسيطاً وعميقاً، تستقبلك خلف ابتسامته حكايات عمرٍ طويل من النضال، ثم يأخذك إلى عالم محجوب شريف، فيستعيد القصائد وكأنه يستعيد شبابه، ويستعيد معها وطناً ظل يحلم به حتى آخر العمر.
يا عسيلات، نم هانئاً.
لقد تعبتَ كثيراً، وصبرتَ كثيراً، وحملتَ من أوجاع الوطن ما يكفي.
وسيبقى النحاس الذي استقبلنا به في قريتك، وصوتك وأنت تنشد محجوب شريف، وذاك اللقاء البعيد، شاهداً على أن الإنسان قد يغيب، لكن اللحظة الصادقة لا تموت.
رحم الله علي عسيلات، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ورفاقه ومحبيه الصبر والسلوان.
إلى اللقاء يا عسيلات…
سنظل نسمع في الذاكرة صوتك، ونقرأ معك قصائد محجوب شريف.