أرض بملايين الدولارات ومشروع مع شركات أجنبية.. كيف خسر الكوباني أرضه وأصوله في الباقير؟

أجراه/ أمين محمد الأمين – على مدى 14 عاماً، تقول أسرة الكوباني إنها تخوض معركة إدارية وقانونية لاستعادة أرض استثمارية في منطقة الجديدة الثورة ـ الباقير، أو الحصول على تعويض عن أصول ومنشآت تقول إنها أقامتها على الموقع قبل أن تُنزع أجزاء واسعة منه وتُمنح لجهات أخرى.

القضية، وفق رواية عصام الكوباني في حوار مع «الغد السوداني»، لا تتعلق بأرض خالية، بل بموقع تقول الأسرة إنها أنفقت عليه ملايين الدولارات، وأقامت فيه بنية تحتية ومعدات صناعية، واستعدت لإطلاق مشروع للمشروبات الغازية بالشراكة مع شركات أجنبية.

لكن المشروع لم يرَ النور.

وبين موافقة حكومية سابقة على توفير النقد الأجنبي، وتراجع لاحق من بنك السودان، وقرارات نزع متتالية، وتقارير معاينة يقول الكوباني إنها فُقدت، وأكثر من 100 خطاب رسمي بلا نتيجة، تبدو القضية ــ بحسب روايته ــ مثالاً على الكلفة التي يمكن أن يدفعها المستثمر عندما تتحول الإجراءات الحكومية من حماية الاستثمار إلى جزء من النزاع نفسه.

تنبيه مهني: المعلومات الواردة في هذا التقرير تستند إلى إفادات عصام الكوباني في حوار مع «الغد السوداني»، ولم تتوافر للتقرير، حتى وقت نشره، إفادات رسمية مقابلة من بنك السودان أو الجهات الاستثمارية والولائية المعنية بشأن الوقائع والقرارات محل النزاع.

من تجارة المحاصيل إلى مشروع صناعي كبير

يقول عصام الكوباني إن نشاط أسرته في السودان يمتد لأكثر من قرن، بدأ بتجارة المحاصيل وتصديرها، قبل أن يتوسع إلى تصنيع الحبوب الزيتية في معاصر بأم روابة والأبيض والخرطوم بحري.

ومع اتساع النشاط، اتجهت الأسرة إلى التصنيع الغذائي والمشروبات الغازية، عبر مشروع تقول إنها خططت له بالتعاون مع شركة «شويبس» الأمريكية.

وبحسب إفادة الكوباني، لم يكن المشروع مجرد خطة على الورق؛ إذ جرى التعاقد مع شركات أجنبية لتوريد خطوط الإنتاج ومكونات المصنع، بينها شركات ألمانية وبلجيكية، كما شملت الخطة إنشاء مصنع للصناديق البلاستيكية وتجهيزات أخرى مرتبطة بالمشروع.

هذه التفاصيل مهمة في فهم جوهر النزاع: الأسرة لا تطالب، وفق روايتها، بأرض لم تستخدمها، بل بحقوق مرتبطة باستثمار تقول إنها شرعت فعلياً في تنفيذه.

126 ألف متر مربع.. الأرض التي بدأت منها الأزمة

حصل المشروع، وفق الوثائق التي يقول الكوباني إن الأسرة تحتفظ بها، على القطعة رقم 32، مربع 1/2، بالجديدة الثورة ـ الباقير، بمساحة إجمالية تبلغ نحو 126,500 متر مربع.

وتقول الأسرة إنها حصلت كذلك على موافقة من بنك السودان لتوفير النقد الأجنبي بالسعر الرسمي في ذلك الوقت، وهو ما دفعها إلى تحويل أموال إلى الخارج لشراء المعدات وخطوط الإنتاج.

لكن نقطة التحول جاءت عندما تراجع البنك، بحسب الكوباني، عن التزامه بتوفير النقد الأجنبي.

يقول إن هذا التراجع لم يوقف عملية شراء المعدات فقط، بل وضع استثماراً كاملاً أمام خطر النزع، بعدما أصبحت الأرض ــ من وجهة نظر الجهات الإدارية ــ مرتبطة بمشروع لم يبدأ الإنتاج فيه.

وهنا بدأت، بحسب روايته، سلسلة طويلة من النزاعات.

مشروع جاهز.. ثم نزع الأرض

لم تستسلم الأسرة، وفق الكوباني، لاحتمال فقدان الأرض.

ويقول إن والده أدخل شريكاً قطرياً، سعيد الزياني، وأُنشئ مشروع لغربلة وفرز المحاصيل باستخدام تقنيات حديثة، مع استيراد معدات ومحطة كهرباء خاصة.

لكن وفاة الوالد وشريكه القطري لم توقف النزاع. بحسب الكوباني، صدر في عام 2012 قرار بنزع أجزاء من الموقع. ويورد أرقاماً لافتة: نحو 90 ألف متر مربع اقتُطعت ومنحت لمطاحن «الحمامة»، إضافة إلى نحو 10 آلاف متر قال إنها ذهبت إلى شركة صيدلانية.

الأكثر إثارة في روايته هو أن عملية النزع، بحسب قوله، لم تقتصر على الأرض، وإنما شملت منشآت وقواعد خرسانية وموجودات استثمارية قال إن قيمتها تصل إلى نحو مليوني دولار في الجزء الذي مُنح لمطاحن الحمامة.

أما المساحة التي بقيت للأسرة، فيقول إن خطاباً استثمارياً أشار إلى مساحة لا تتجاوز 172.96 متراً، وهي مساحة لا تكفي، بحسب وصفه، لاستمرار المشروع الأصلي.

أين ذهبت المنشآت والأصول؟

هنا تنتقل القضية من نزاع على قطعة أرض إلى سؤال أكبر: ماذا يحدث للأصول التي يبنيها المستثمر على أرض تُنزع منه لاحقاً؟

الكوباني يقول إن أموال الأسرة لم تكن محصورة في قيمة الأرض، بل جرى ضخها في قواعد خرسانية وجملونات وآبار وصهاريج ومحطات ضخ وأسوار ومعدات ومرافق مرتبطة بالمشروع.

ويقول إن الأسرة لم تحصل، وفق روايته، على تعويض عادل عن تلك الأصول.

وهذا هو أحد أهم محاور النزاع، لأن قيمة الخلاف ــ بحسب إفادته ــ لا يمكن اختزالها في سعر الأرض، بل تمتد إلى قيمة استثمار يقول إنه جُمد بالكامل.

تقرير معاينة «ضاع».. ثم معاينة أخرى

في مارس/آذار 2023، أي في بداية الحرب، يقول الكوباني إنه شارك في معاينة للمنشآت مع لجنة شكلها مدير الاستثمار آنذاك، الصادق التلودي.

الهدف كان، بحسب روايته، توثيق المنشآت والأصول الموجودة في الموقع. لكن عندما عاد للسؤال عن نتيجة المعاينة، يقول إنه تلقى إجابة مفادها أن التقرير «ضاع».

لاحقاً، بحسب إفادته، شُكلت معاينة جديدة، لكنها لم تتحرك ــ وفق روايته ــ إلا بعد نحو ثلاثة أشهر.

هذه الواقعة، إن صحت، تطرح سؤالاً إدارياً جوهرياً: كيف يمكن لمستثمر متنازع على ملكيته وأصوله أن يثبت حقوقه إذا كانت التقارير الرسمية التي توثق تلك الأصول لا تصل إلى ملف القضية؟

لكن الإجابة النهائية عن هذا السؤال تحتاج إلى الاطلاع على محاضر اللجان والقرارات الأصلية وسجل المكاتبات الرسمية، وهو ما لم يتسن لـ«الغد السوداني» التحقق منه بصورة مستقلة.

أكثر من 100 خطاب.. ولا نهاية للنزاع

يقول الكوباني إنه طرق أبواب الولاة والوزراء والجهات المختصة، وأرسل أكثر من 100 خطاب رسمي للمطالبة بحل القضية.

ويضيف أن أحد الولاة السابقين، إسماعيل العاقب، وعده ــ بحسب روايته ــ بالتعويض ومنحه أرضاً بديلة، قبل أن تتغير الظروف الإدارية.

وفي الإدارة القانونية، يقول الكوباني إنه تلقى تأكيداً شفهياً من مسؤول قانوني سابق بأن ملف الأسرة يتضمن حقوقاً تستحق المتابعة القضائية. لكن، وفق روايته، لم يتحول ذلك التأكيد إلى موقف مكتوب أو إجراء يحسم النزاع.

ثم جاء دور المحامي.

يقول الكوباني إن محامياً تولى متابعة الملف، لكنه توقف لاحقاً عن الرد على اتصالاته. وهكذا، بحسب روايته، أصبحت القضية عالقة بين مكاتب حكومية، وخطابات، ولجان معاينة، وتقارير مفقودة، ومتابعات قانونية لم تكتمل.

الحرب لم تُنهِ القضية.. بل زادت تعقيدها

بدأ النزاع قبل الحرب بسنوات طويلة، لكن الحرب جعلت استعادة الحقوق أكثر صعوبة. فالمؤسسات الحكومية نفسها تعرضت للانتقال والتعطل، بينما أصبحت الملفات الاستثمارية القديمة أكثر عرضة للتجميد والتأجيل.

وفي حالة الكوباني، يقول صاحب القضية إن نشاط الأسرة ظل متوقفاً لمدة 14 عاماً، وإن رأس المال الذي كان يفترض أن يمول المشروع أصبح محصوراً في أرض وأصول متنازع عليها.

المفارقة أن النزاع بدأ أصلاً بسبب مشروع كان يفترض أن يضيف نشاطاً صناعياً واستثمارياً إلى الاقتصاد السوداني.

وبدلاً من ذلك، تقول الأسرة إنها انتهت إلى فقدان الأرض وتعطل رأس المال وملاحقة الجهات الحكومية طوال سنوات.

لماذا لا تصل القضية إلى المحكمة؟

قد يبدو الحل الطبيعي لأي نزاع على الملكية أو نزع الاستثمار هو القضاء. لكن الكوباني يقدم سبباً مالياً يحول دون ذلك.

يقول إن قيمة الدعوى تصل إلى ملايين الدولارات، وإن الرسوم القضائية المطلوبة تبلغ 5% من قيمة الدعوى. وبحسب روايته، فإن الأسرة، التي جمدت أصولها داخل الموقع وتوقف نشاطها، لا تستطيع تحمل هذه الكلفة.

وهنا تظهر مفارقة أخرى: النزاع يحتاج إلى القضاء كي يُحسم، لكن الوصول إلى القضاء نفسه يحتاج إلى أموال تقول الأسرة إنها فقدتها بسبب النزاع.

بين المستثمر الوطني و«رسالة الاستثمار»

القضية، إذا ثبتت وقائعها بالوثائق الرسمية، تتجاوز حدود نزاع عائلي على أرض.

فهي تطرح سؤالاً أكبر حول مصير المستثمرين الذين يحصلون على موافقات حكومية، ثم يضخون أموالاً في مشروعاتهم، قبل أن تتغير القرارات أو السياسات التي قامت عليها استثماراتهم.

كما تفتح ملفاً حساساً يتعلق بكيفية التعامل مع الأصول والمنشآت عند نزع الأراضي الاستثمارية، ومن يحدد قيمتها، وكيف يحصل أصحابها على التعويض، وما إذا كانت الجهات التي تتسلم الأرض الجديدة تتحمل أي التزامات تجاه المستثمر السابق.

ولا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة من طرف واحد.

لذلك، فإن حسم القضية يحتاج إلى مراجعة قرارات تخصيص الأرض، ومستندات الاستثمار، وموافقات بنك السودان، وملفات التحويلات، ومحاضر لجان المعاينة، وقرارات النزع، ومستندات الجهات التي آلت إليها المساحات المنزوعة، وأي قرارات تعويض أو تسوية صدرت لاحقاً.

ماذا يريد الكوباني الآن؟

بعد 14 عاماً من النزاع، يقول عصام الكوباني إن الأسرة لا تطلب تسوية سياسية أو امتيازاً استثنائياً.

مطالبها، وفق ما عرضه لـ«الغد السوداني»، محصورة في خيارين: إعادة الأرض بكامل مساحتها حتى تتمكن الأسرة من استكمال مشروعها مع شركائها، أو تقييم وتعويض المنشآت والأصول والمعدات التي تقول إنها انتُزعت ومنحت لجهات أخرى.

ويوجه الكوباني مناشدته مباشرة إلى رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان، مطالباً بتدخل عاجل لحسم الملف.

لكن السؤال الذي سيظل مفتوحاً حتى ظهور الوثائق والردود الرسمية هو: هل كانت قضية الكوباني مجرد تعثر استثماري في دولة أنهكتها البيروقراطية، أم أن هناك قرارات إدارية أفضت فعلياً إلى نقل أرض وأصول مستثمر إلى مستثمرين آخرين دون تسوية حقوقه؟

الإجابة لا يمكن أن تُحسم بالمناشدات أو الاتهامات وحدها.

إنها موجودة في “الملفات، وفي القرارات، وفي الخرائط، وفي محاضر اللجان”.وفي السؤال الأهم: من يملك اليوم الأرض والمنشآت التي تقول أسرة الكوباني إنها دفعت ثمنها؟

  • ملاحظة تحريرية

تعتمد هذه المادة على إفادات عصام الكوباني الواردة في الحوار المنشور مع «الغد السوداني». ولا تُعد الاتهامات الواردة فيها أحكاماً قضائية أو حقائق مثبتة بصورة مستقلة. ويظل من حق بنك السودان والجهات الحكومية والاستثمارية والجهات التي آلت إليها الأراضي والمنشآت الرد على ما ورد، على أن تنشر «الغد السوداني» أي ردود موثقة تصل إليها.