«قصير» في المدرسة.. «سوداني» في كأس العالم: منتخب يقاوم الحرب بالكرة

الخرطوم/ مهند بلال – في السودان، حيث دفعت الحرب كرة القدم إلى الهامش، يحاول منتخب قصار القامة أن يفعل العكس تماماً: أن يعيد الرياضة إلى الواجهة، ولو من بوابة بطولة عالمية ما زال الوصول إليها حلماً يصطدم بالمال والأمن والنزوح.

القصة بدأت بمبادرة من متطوعين وصحفيين رياضيين، قبل أن يتحول المنتخب إلى كيان رسمي عام 2020. ومنذ ذلك الوقت، ظل الفريق يبحث عن فرصة حقيقية للظهور خارج السودان، لكن الطريق لم يكن سهلاً.

كان الموعد الأول في الأرجنتين عام 2023. استعداداتٌ سبقت البطولة، وحلمٌ بالمشاركة، لكن التمويل لم يصل، فسقطت الرحلة قبل أن تبدأ. ومع الحرب، صار تأمين المعسكر والسفر والمشاركة أكثر تعقيداً.

النسخة الثانية من كأس العالم، المقررة في المغرب، تمنح المنتخب فرصة جديدة. 24 منتخباً يستعدون للبطولة، بينهم الأرجنتين حاملة اللقب، ومصر والسعودية والمغرب عربياً، بينما يحاول السودانيون الوصول إلى خط البداية قبل أن تغلق أبواب البطولة مرة أخرى.

«نريد أن ندخل البسمة والفرحة»

محمد نور كشة، رئيس الاتحاد السوداني لقصار القامة، لا يخفي صعوبة المهمة. لكنه يتحدث عن اللاعبين بلغة مختلفة عن لغة الأرقام والتمويل.

يقول لـ«الغد السوداني» إن الحرب والظروف التي مرت بها البلاد لم تقتل إصرار اللاعبين، مؤكداً أنهم يريدون تشريف السودان وإدخال البسمة إلى شعب عاش سنوات الحرب.

في هذه القصة، لا تبدو البطولة مجرد منافسة رياضية. بالنسبة إلى الفريق، المشاركة نفسها انتصار مؤجل.

من «أنت قصير» إلى قميص السودان

إبراهيم عبدالله آدم، 20 عاماً، يعرف جيداً كيف يمكن أن تتحول كرة القدم إلى مساحة للإقصاء.

خلال إحدى الدورات المدرسية، أراد المشاركة مع بقية الطلاب، لكنه قوبل بالرفض. كان السبب، كما يروي، أن زملاءه رأوا في قصر قامته دليلاً على عدم قدرته على اللعب.

تلك اللحظة لم تُنهِ علاقته بالكرة. على العكس، انتهت به إلى منتخب السودان لقصار القامة. اليوم، لا يحتاج آدم إلى إقناع أحد بأنه يستطيع اللعب. يكفي أن يدخل الملعب مرتدياً قميص المنتخب.

رحلة تعثرت قبل أن تصل إلى كأس العالم

شعيب محمد أحمد، 25 عاماً، قائد المنتخب، انضم إلى الفريق في نوفمبر 2019، ويعرف تفاصيل الرحلة منذ بدايتها.

محاولات المشاركة الخارجية اصطدمت بجائحة كورونا، ثم تعثرت مشاركة أخرى في البطولة الأفرو-آسيوية بالمغرب عام 2021. وعندما جاءت فرصة كأس العالم في الأرجنتين عام 2023، كان الاستعداد موجوداً، لكن الحرب والتمويل أوقفا الرحلة.

الآن، يتحدث شعيب عن المغرب باعتبارها فرصة جديدة، لا يريد المنتخب أن يخسرها.

لاعبون تجمعهم الحرب وتفرقهم الجغرافيا

محمد عبدالله ماذدا، الخبير الكروي والمدرب، يرى في المنتخب نموذجاً مختلفاً من الصمود الرياضي.

اللاعبون، بحسب حديثه لـ«الغد السوداني»، جاءوا من مناطق مختلفة من السودان، ويحمل كثير منهم آثار الحرب والنزوح، لكنهم تجمعوا مجدداً من أجل التدريب والاستعداد.

بالنسبة إلى ماذدا، فإن ارتداء شعار السودان لا يجعل المنتخب أقل قيمة من المنتخب الأول أو أي منتخب شبابي آخر. هناك لحظة تختصر كل شيء: عندما يدخل اللاعبون الملعب، يرتدون قميص السودان، ويُعزف السلام الجمهوري. في بلدٍ أفسدت الحرب فيه كثيراً من تفاصيل الحياة، تبدو تلك اللحظة أكبر من مباراة.

منتخب قصار القامة لا يحاول فقط الوصول إلى كأس العالم. إنه يحاول الوصول إلى حق بسيط: أن يُرى لاعبوه كرياضيين أولاً، وأن تمنحهم كرة القدم مساحة لا تسأل عن طول القامة، ولا عن مدينة النزوح، ولا عن قسوة الحرب.

وربما لهذا السبب تحديداً، فإن الطريق إلى المغرب بالنسبة إليهم ليس طريقاً إلى بطولة فقط؛ بل محاولة لاستعادة شيء من السودان الذي تحاول الحرب ابتلاعه.

(تحرير/ وتصوير – مهند بلال)