السودان في مختبر مقاومة بلا لجان؟

الجميل الفاضل يكتب:
منذ أكثر من ثلاثة أعوام، لم يعد السودان مجرد بلدٍ في حرب؛ بل صار، كأنما دون أن يدري، مختبراً لكينونة الإنسان على الأرض.
فيه يُضرب الحق بالباطل، والخير بالشر، والبركة بالمحق؛ حيث تتنازع الأرضَ قوتان: قوةٌ تريد أن تُفرغ الحياة من معناها، وأخرى خفية تصر على أن يبقى للإنسان ما هو أعمق من ظاهر أسباب الحياة.
هنا تعمل المحقة بكل ما أوتيت من: خرابٍ، ونهبٍ، ونزوحٍ، وجوعٍ، وانهيارٍ اقتصادي، وفقرٍ يتسع، وأمنٍ يتلاشى، حتى صار السودان، بحسابات أهل الدنيا، من أفدح الكوارث الإنسانية على ظهر هذا الكوكب.
فبلغة الأرقام: السودان ينهار، لكن بلغةٍ أخرى لا تدخل في جداول الاقتصاد: السودان لا يزال حياً، إذن كيف ذلك؟.
إذ كلما جُرّد السوداني من شيءٍ في محيطه الخارجي، إنبثق من داخله شيءٌ آخر.
يُؤخذ بيته، فتعمر دارٌ أخرى في قلبه.
يُؤخذ ماله، فتبدو مظاهر غنى وثراء في نفسه.
يقل طعامه، فيتقاسم رغيفه مع من هو أفقر منه.
يضيق الأفق أمامه، فتخرج من لسانه بتلقائية تامة عبارات تعكس صورة تناقض واقعه المادي تماماً، هي: «الحمد لله» كلما إفتقر، و«الله كريم» كلما جاع.
كأن الإنسان هنا، بعد أن يفقد الأسباب كلها، يكتشف سبباً لا يُفقد.
فمن بين أهل السودان أناسٌ لا يكاد يراهم أحد: شُعثٌ غُبر، أتقياء أنقياء، أخفياء، تزدريهم الأعين، ويستهين بهم الناس، ولا يعرف أهل الدنيا سر ما بينهم وبين الله.
لكنني أظنهم من خواص خواصه، ومن أهل سره سبحانه وتعالى، أو قل: من أهل سر سره الخفي عن الناس.
هؤلاء هم، في ظني، ملح هذه الأرض التي بدأت تفقد شيئاً من طعمها.
لا يظهرون في الصورة، ولا يطلبون اسماً ولا مقاماً، لكنهم لا يزالون يحفظون للحياة نكهة ومذاقاً: يدٌ تعطي وهي محتاجة، وقلبٌ يرحم وهو موجوع، ودعوةٌ في آخر الليل تصعد إلى السماء بغير حجاب. هؤلاء ربما لا نعرفهم، لكن بهم، وببركة ما بينهم وبين الله، لا يزال السودان يتنفس.
وهنا تلوح مفارقة أخرى.
تقول الفيزياء إن المقاومة، وفق قانون “أوم”، هي نسبة فرق الجهد إلى شدة التيار: أي أن المقاومة تكشف مقدار العائق أمام سريان التيار.
وفي هذا سرٌّ يستحق التأمل: ربما لا تُقاس مقاومة الإنسان بمقدار ما يقع عليه من بلاء، إنما بمقدار ما يسمح بمروره من نورٍ رغم هذا البلاء.
فأعظم مقاومة ليست أن تمنع الشر من الوصول إليك؛ فذلك قد لا يكون ممكناً.
لكن أن يمر بك الشر ولا ينال منك، فذلك شيء آخر.
أن تُظلم ولا تظلم، أن تجوع ولا تمنع طعامك على قلته عن جائع آخر.
أن تُكسر ولا تكسر خاطر غيرك، أن تمر النار في جسدك ولا تسكن روحك.
لعل هذا هو معنى ما صار إليه بعض شعب السودان في هذه المحنة الطويلة.
لقد صار البعض، من حيث لا يقصد، أمثولةً في الصبر على البلاء.
فالمصائب هنا تكاد تأخذ بعضها برقاب بعض، ومع ذلك يمضي الناس؛ كلما انقطع سبب للحياة، وجدوا سبباً آخرا للبقاء على قيد الحياة كما ينبغي.
إذ كلما ضاق رزقهم، اتسعت الرحمة بينهم، وكلما اشتد الظلم عليهم، لهجت ألسنتهم بالشكر أولاً، قبل أن يجأروا بالدعاء.
وكأن ثمة قانوناً عادلاً في هذا الكون، يبتلي الناس والجماعات والشعوب، الأمثل فالأمثل؛ كلٌّ على مدى وسعه، وقدره، ومقامه، وطاقة احتماله.
إذ ليس ثقل البلاء بالضرورة دليلاً على الهوان؛ ولذلك قد يكون مقدار الامتحان على قدر اتساع الوعاء.
وبالتالي فإني قد لا أرى السودان اليوم فقيراً تماماً، وإن كانت خزائنه الظاهرة قد أفرغت.
فثمة اقتصادٌ آخر لا يدخل في الناتج المحلي الإجمالي: هو اقتصاد الرحمة، وثمة ثروةٌ أخرى لم تُنهب، هي ثروة المروءة، وثمة موردٌ لم ينضب، هو مورد البركة.
وثمة احتياطيٌّ استراتيجي لا تعرفه البنوك: هم أهل السر هؤلاء، الذين يأخذون بيد هذه البلاد الآن، من جهةٍ لا تقرأها الخرائط، ولا ترصدها الأقمار الصناعية.
لهذا لا أقول إن السودان لم ينكسر، لقد انكسر كثيراً.
ولا أقول إنه لم يتألم، لقد تألم بما يكفي لأن يصبح ألمه مأساة وكارثة.
لكنني أقول شيئاً آخر: إنه لم يتحول إلى يومنا هذا لما أراده له صانعو الخراب أن يكون.
وهذه هي المعجزة الحقيقية: أن تمر المحنة عبر البلاد ولا تقتل روحها.
أن يمر الشر بنا ولا يصبح مقيماً فينا.
أن يطول الليل بيننا ولا ينسينا طريق الفجر.
ولذلك، حين يسألنا أهل علم الحساب: كيف لا يزال السودان حياً بعد كل هذا؟ ربما لا نملك جواباً تقبله دفاتر الاقتصاد.
لكننا نملك جواباً آخر: لأن في هذه الأرض أناساً ما زال النور يعرف طريقه إليهم.
شُعثاً غبراً، أتقياء أنقياء، أخفياء، لا يعرفهم أهل الدنيا، بينهم وبين الله سرٌّ ما زال التيار به جارياً، والنبض قائماً، والسودان حياً.
علي أية حال، قد يكون هذا هو سر “المقاومة” ما بعد لجانها: أن تمر المحنة بنا دون أن تسكننا، وأن يبقى في قلوب الصالحين منا موضعٌ للنور وسط كل هذا الظلام.