جنوب السودان تستعيد سيادتها على مجالها الجوي بعد 15 عاماً من إدارة الخرطوم
جوبا / الغدالسوداني – استكملت جنوب السودان للمرة الأولى منذ استقلالها عام 2011 سيطرتها الكاملة على مجالها الجوي، منهية ترتيبات استمرت نحو 15 عاماً كانت بموجبها الخرطوم تتولى إدارة الحركة الجوية في الأجواء العليا للبلاد ومراقبة الرحلات العابرة وتحصيل رسوم المرور.
وجاء انتقال إدارة المجال الجوي إلى جوبا على مرحلتين؛ الأولى في 18 مايو/أيار 2026، مع تشغيل أول نظام وطني لإدارة الحركة الجوية وافتتاح برج مراقبة جديد في مطار جوبا الدولي، والثانية في 30 يونيو/حزيران، عندما وافقت منظمة الطيران المدني الدولي على إنشاء إقليم معلومات طيران مستقل في جوبا وفصله عن إقليم الخرطوم.
وكان انفصال جنوب السودان عن السودان في يوليو/تموز 2011 قد ترك ملف إدارة المجال الجوي دون انتقال فوري، بسبب افتقار الدولة الجديدة إلى البنية التحتية والكوادر المتخصصة القادرة على إدارة حركة الطيران، خصوصاً في الطبقات الجوية العليا. لذلك واصلت الخرطوم تقديم خدمات المراقبة والملاحة الجوية للطائرات العابرة.
وفي عام 2016، أبرم البلدان ترتيبا مؤقتا برعاية منظمة الطيران المدني الدولي، نص على استمرار إدارة السودان للمجال الجوي العلوي لجنوب السودان إلى حين تمكن جوبا من بناء قدراتها الفنية وتدريب مراقبيها الجويين. وكان يفترض أن ينتهي الترتيب في 2019، لكنه استمر لسنوات إضافية نتيجة تأخر استكمال البنية التحتية ونقص الكوادر المؤهلة.
وتعود بداية مشروع بناء منظومة وطنية لإدارة الحركة الجوية في جنوب السودان إلى يوليو/تموز 2020، قبل أن يكتمل إنشاء النظام في ديسمبر/كانون الأول 2023. غير أن دخوله الخدمة الفعلية احتاج إلى اختبارات فنية وتدريب العاملين واستكمال إجراءات التنسيق مع الدول المجاورة والجهات الدولية المعنية بالطيران المدني.
وشمل المشروع إنشاء برج مراقبة جديد في مطار جوبا الدولي، إلى جانب تجهيزات للاتصالات والملاحة والرصد الجوي، بما يسمح للسلطات المحلية بإدارة حركة الطائرات وتنظيم مساراتها والفصل بينها وإصدار تصاريح الإقلاع والهبوط والعبور.
كما دربت جوبا نحو 24 موظفاً في الصين للعمل على المنظومة الجديدة، فيما تولت شركة «تشاينا هاربور إنجينيرينغ» تنفيذ المشروع.
ولا تقتصر أهمية الخطوة على الجانب الفني؛ إذ تمنح جنوب السودان سيطرة مباشرة على عائدات رسوم الملاحة والعبور التي تدفعها شركات الطيران لاستخدام أجوائها، بعدما كانت إدارة هذه الإيرادات تتم في إطار الترتيب الذي تولت بموجبه الخرطوم إدارة المجال الجوي العلوي.
وتكتسب هذه الإيرادات أهمية خاصة بالنسبة لاقتصاد جنوب السودان الذي يعتمد بصورة كبيرة على النفط ويسعى إلى تنويع مصادر دخله. كما تمنح السيطرة على المجال الجوي جوبا صلاحيات أوسع في تنظيم المسارات الجوية، وتعزيز معايير السلامة، وتطوير خدمات الطيران وربط البلاد بشبكات النقل الجوي الإقليمية.
وبحسب وزارة النقل في جنوب السودان، ستتولى السلطات المحلية إدارة مجال جوي يصل إلى ارتفاع نحو 6000 متر، مع توفير خدمات المراقبة على مدار الساعة ومعلومات الطيران والطقس والمساعدات الملاحية والتنسيق في حالات الطوارئ.
وتأتي هذه الخطوة في وقت لا تزال فيه صناعة الطيران في جنوب السودان تواجه تحديات كبيرة، إذ يعتمد البلد في رحلاته الخارجية على شركات إقليمية وأجنبية، إلى جانب عدد محدود من شركات الطيران المحلية.
وكانت الحكومة قد طرحت منذ سنوات مشروعاً لإنشاء ناقل وطني باسم «خطوط جنوب السودان الجوية»، وخصصت في موازنة 2019-2020 مبلغ 100 مليون جنيه من جنوب السودان لإعداد سياسة للقطاع وإجراء دراسة جدوى، لكن المشروع لم يتحول حتى الآن إلى شركة طيران عاملة.
وبذلك، يمثل انتقال إدارة المجال الجوي إلى جوبا استكمالاً لجانب مهم من سيادة الدولة التي بدأت مع استقلالها السياسي قبل 15 عاماً، ويضع أمامها في الوقت نفسه مسؤولية إدارة قطاع جوي يحتاج إلى مزيد من الاستثمار في البنية التحتية والكوادر والسلامة وربط البلاد بشبكة الطيران الإقليمية.
