الشعور بالاستياء أو الضغينة من تصرف الآخرين
آدم زكريا بكر بكتب…
وصلني عبر الواتساب مقالة قصيرة يقول فيها طبيب نفسي إنه ” حين تتسع زاوية الرؤية وتدرب عقلك على الإنصاف والتماس العذر، تضيق مساحة الاستياء، وتعيش حياة أكثر سلاماً وأقل صراعاً”.
تتمحور الفكرة الأساسية لهذه المقولة حول أن مشاعر الاستياء غالباً ما تتأثر ليس فقط بما حدث، بل بكيفية تفسيرنا لما حدث؛ فتغيير التفسير قد يؤدي إلى تغيير الاستجابة العاطفية. هذه المقولة لها ما يعضدها من الأسس النظرية النفسية والفلسفية ولعل أقواها النظرية المعرفية السلوكية. حيث ترتبط هذه الفكرة ارتباطاً وثيقاً “بالعلاج المعرفي السلوكي (CBT)” وبالنظرية المعرفية الأوسع نطاقاً المرتبطة بآرون بيك (وهو طبيب نفسي وعالم أمريكي يُعرف بلقب أبو العلاج المعرفي ومؤسس العلاج السلوكي المعرفي) والذي يقول إن أي ( حدث يؤدي إلى ← تفسير ← شعور ← سلوك). فعلى سبيل المثال:
* شخص ما لا يعاود الاتصال بك.
* التفسير (أ): “إنه لا يحترمني . إنه يتجاهلني عمداً.”
* التفسير (ب): “ربما يكون مشغول، أو مثقل بالأعباء، أو يواجه أمراً لا أعلم عنه شيئاً.”
الحدث الخارجي متطابق، لكن العواقب العاطفية قد تكون مختلفة تماماً. فالتفسير الأول( أ) قد يولد الغضب والشعور بالإهانة والاستياء. أما التفسير الثاني(ب) فيفسح المجال للصبر والفضول والحياد العاطفي. لذا، فإن توسيع منظورك يُعد في جوهره شكلاً من أشكال إعادة التقييم المعرفي.
كما أن مقولة الطبيب النفسي اعلاها توافق نظرية العزو التي تفسر مفهوم “حسن الظن” (أو منح الآخرين عذرهم) وهي نظرية ابتدرها فريتز هايدر وطورها لاحقاً هارولد كيلي. حيث يسعى الناس بطبيعتهم لتفسير أسباب تصرف الآخرين بالطريقة التي يتصرفون بها. ويمكننا أن نعزو سلوك شخص ما إلى:
أسباب داخلية فنقول “إنه شخص لا يراعي مشاعر الآخرين.”
أو إلى ظروف خارجية فنقول “ربما حدث له أمر ما”. فوفقا للنظرية، من الأخطاء النفسية الشائعة ما يُعرف بـ “خطأ العزو الأساسي”، إذ نميل إلى تفسير السلوك السلبي للآخرين بناءً على سمات شخصيتهم، بينما نفسر سلوكنا نحن بناءً على الظروف المحيطة. فعلى سبيل المثال: “لقد تأخر لأنه شخص غير مسؤول.” مقابل:
“لقد تأخرتُ لأن حركة المرور كانت سيئة للغاية.”
إن منح الشخص الآخر “حسن الظن” (أو افتراض حسن النية) يعمل جزئياً على مواجهة هذا الميل النفسي.
كما أن مقولة الطبيب النفسي آنفة الذكر توافق الفلسفة الرواقية( مدرسة الفيلسوف اليوناني زينون السيجومي) التي توصلت إلى فكرة مشابهة جداً سيما أفكار الفيلسوف إبيكتيتوس، حيث ترى هذه الفلسفة أننا لا نضطرب لمجرد وقوع الأحداث، بل بسبب أحكامنا عليها، وهذا يتشابه بشكل لافت للنظر مع علم النفس المعرفي الحديث. فإذا أهانك شخص ما، فإن الحدث بحد ذاته لا يحدد استجابتك العاطفية تلقائياً؛ بل إن حكمك على نية ذلك الشخص، وعلى معنى الإهانة ودلالتها، يساهم بشكل جوهري في تشكيل رد فعلك. لذا، تشجع الرواقية على طرح السؤال التالي:
“هل هناك تفسير معقول آخر لهذا الحدث؟” بدلاً من افتراض وجود نية عدائية على الفور.
من ناحيته، يضيف علم النفس الاجتماعي الحديث عنصراً مهماً آخر وهو القدرة على رؤية الأمور من منظور الآخر (أو تبني وجهة نظر الآخر)، فعندما تسأل نفسك: “ما الذي قد يمر به هذا الشخص ولا أعلم عنه شيئاً؟” فإنك تُدخل معلومات لم تكن متاحة في تفسيرك الأولي؛ وهذا من شأنه أن يقلل من “انحياز العزو العدائي أي الميل إلى تفسير السلوك الغامض على أنه عدائي ومقصود؛ فعلى سبيل المثال: شخص ما لم يلقِ عليك التحية. تفسير ضيق الأفق: “إنه يتجاهلني عمداً.” تفسير أوسع وأشمل: “ربما لم يرني.”
أو: “ربما هو منشغل بأمر هام.”
التفسير الثاني لا يجزم بأن الشخص لم يكن ينوي تجاهلك، بل يقر ببساطة بأنك لا تملك معلومات كافية للجزم بأنه فعل ذلك عن قصد. وهذا التمييز مهم من الناحية النفسية، ومهم في استمرار العلاقة والتواصل. ولكن لا ينبغي تفسير هذه الفكرة على أنها تعني السذاجة أو “تفترض دائماً أن الآخرين لديهم نوايا حسنة.”، فذلك قد يصبح أمراً غير صحي. فأحياناً، قد يتصرف الناس بقلة احترام، أو يمارسون التلاعب والاستغلال، أو يظهرون عدائية متعمدة. لذا، فإن التعامل مع الآخرين “بحسن الظن” (أو افتراض البراءة حتى تثبت الإدانة) يجب أن يعني: “لن أفترض تلقائياً وجود نية سيئة عندما تكون الأدلة غامضة.” ولا ينبغي أن يعني: “سأتجاهل الأدلة التي تشير إلى سلوك ضار ومتكرر.”
إذاً، النهج الأكثر صحة من الناحية النفسية هو حسن الظن في التفسير زائدا الواقعية في التعامل مع السلوك. وبذلك يمكنك أن تفكر كالتالي: “ربما لم يقصدوا إيذائي. ولكن بغض النظر عن نيتهم، فإن هذا السلوك غير مقبول، ولذا سأضع حداً فاصلاً (أو حدوداً واضحة).” وهذا يختلف تماماً عن الشعور بالاستياء أو الضغينة. فكلما اتسم تفسيرنا للأحداث الاجتماعية الغامضة بالشمولية والمرونة، قلّ احتمال عزو نوايا سيئة للآخرين بشكلٍ متسرّع؛ مما يساهم في تخفيف حدة الغضب والاستياء، ويُفسح المجال لتبنّي استجاباتٍ أكثرَ إيجابيةً وبنّاءة.
تحياتي
