سرديات..وفي أنفسِكم أفلا تبصرون
أثبت الطب الحديث، آياتٍ مبهرةً في جسم الإنسان، مثل جهاز المناعة الذي يتعرف بدقة على الفيروسات ويدمرها، والذاكرة الدماغية التي تخزن مليارات البيانات، وعملية انقسام الخلايا وتجددها المنتظمة، والتناغم الدقيق بين نبضات القلب وضغط الدم في الجسم..
ياااه..!
ما أقسى الجهل حين يتمدد، ويوهم صاحبَه، أنه، إنما إليه الناس، بالبنان يشيرون، في بحثهم عن صاحب الحجة في الأمور، ، فيصدق المسكين؛ فيتسربله ذلك الزهو الذي ما أفضى بأهله إلا إلى بوار الجهل، السراب!
*حي بن يقظان* رواية فلسفية كتبها ابن طفيل الأندلسي، وحين ترجمت الى الانجليزية من اللاتينية، قرأها ثاني أكبر شاعر انجليزي؛ *الكسندر بوب*؛ فأثرت فيه، لدرجة أن بنى بعض ابيات احدى أشهر قصائده؛ على أصداء هذه الرواية العربية، ومغازيها..فكانت قصيدة *فذلكة عن الإنسان* An Essay On Man بذلك، من آليات الدفع القائم على العقل، في عصر التنوير الأوروبي..
فسّر القرطبي عبارة *حبل الوريد* بقوله إنه حبل العاتق؛ وهو ممتد من ناحية حلقه إلى عاتقه؛ وهما وريدان عن يمين وشمال، وهذا تمثيل للقرب: *أي نحن ( الله سبحانه وتعالى) أقرب إليه (الإنسان) من حبل وريده الذي هو منه..*
صديق بريطاني إسمه بول موليه Paul Mollet؛ عملنا معا لعدة سنوات في مؤسسة اعلامية في سلطنة عمان؛ حيث اعتنق الاسلام دينا..
انكب الرجل بكل قدرته الذهنية على استيعاب تعاليم الاسلام؛ وكثيرا ما كان يسألني عن أمور في ديني؛ فيشلُّ لساني عجزٌ بائنٌ عن الرد عليه؛ فنحمل همومَنا إلى صديق عماني مشترك؛ اسمه الشيخ خلفان العيسري؛ رحمه الله، كان حُجّة في تفسير القرآن باللغتين العربية والانجليزية..فنجد عنده ما يُبرِد الغليل..
شهدت ذات مرة نقاشا بينهما حول عبارة jugular vein (وهي حبل الوريد) والتي سأله عنها بول مستفسرا (لمَ حبل الوريد وليس غيره؟) ..فأجابه الشيخ عن سؤاله وكان مما قال “الوريد هو الأقرب للإنسان من حيث العلم (لان الوريد يخالط القلب وبالتالي يكون علم الرب اقرب للإنسان من علم قلبه) ومن حيث المسافة بمعنى (ان يكون الإنسان او لا يكون؛ اي المسافة بين حياة الإنسان وموته)..فهمت من نقاشهما القليل (وعليه شكرتهما سراً حتى لا أجرح كبريائي!) وغاب عني الكثير (فتواريت عنهما استخذاءً، باحثا عن موطيء قدم لي بين رجل حديث عهد بالاسلام؛ وشيخ يفور العلم من رأسه “دخاخين..دخاخين”)..
شيخ عماني ضرير، كان يواظب على صلاة التراويح في مسجد أسماء بنت ابي بكر، وهو أحد أجمل بيوت الله في العاصمة العمانية مسقط..إمام المسجد شيخ مصري اسمه محمد النادي، رجل حباه الله بعلم وافر عن الدين وأصوله..قبل صلاة العشاء بنحو عشر دقائق، كان يُجلِس هذا الشيخ العماني إلى جواره، ثم يختار آية واحدة من آي الذكر الحكيم، فيطلب من الشيخ أن يفسرَها للحضور، ومن محاسن الصدف أن كنتُ بينهم في تلك الأمسية الرمضانية المباركة..
وفي أنفسكم أفلا تبصرون كانت هي الآية التي استرسل في شرحها الشيخ العماني الضرير (كفيف البصر نافذ البصيرة) فأذهلنا بعلو كعبه في التفسير..
عجبتُ منك ومني،
يا منيةَ المتمنّي،
دنيتَني منك حتّى،
ظننتُ أنّك انّي،
وغبتُ في الوجد
حتىّ، أثنيتَني بك عني،
يانعمتي في حياتي،
وراحتي بعد دفني،
مالي بغيرك أنسٌ،
اذا كنتَ خوفي وامني،
عجبتُ منك ومني،
يا منيةَ المتمنّي،
أدنيتَني منك حتّى،
ظننتُ أنّك انّي
ظل المطربُ العراقي الشهير، كاظم الساهر في مهرجان فاس للإنشاد الروحي؛* يكرر المقطع الأخير من هذه الكلمات التي صاغها *الحلاّج*، حتى كان الحضورُ كلُّهم وقوفاً بانشداه، يستزيدونه..فأخذ يعيد المقطع المرة تلو الأخرى؛ والحضور يتمايلون كفعل صوفي منجذب، في لحظة النشوة الصوفية، يريد الارتقاء …
كان يتلو القرآنَ، بصوتٍ بالغ العذوبة..
مقرىءٌ عمانيُّ ضرير..
اسمه حسن الفارسي..تُوفي قبل بضعة أعوام..
كنت احرصُ على الحضور باكراً، إلى صلاة الجمعة، كل أسبوع، في *مسجد أسماء بنت أبي بكر*، في العاصمة العمانية، لأنصت إليه، بكل حواسي، فتحلّق بنا إلى فضاءاتٍ أخر، تلاوتُه العطرة..تلاوة هذا الشيخ للقرآن بصوته الصحِل، زادتني حرصاً على متابعة جلسات هذا الشيخ العالم، ومنها تفسيره للآيات قبيل التراويح خلال الشهر الفضيل في ذلك المسجد الباذخ الجمال..
وفي ليلةِ ذكرٍ وإنشادٍ ديني، دعاني اليها صديق عماني في داره ، كان الراحل حسن الفارسي، يجذب الحضور إليه بصوته النديّ، وهو يردد كلماتٍ عميقة الرمزية من إنشاد ديني مؤثر..
سألتُه عن قائلها..
قال لي هي من كلمات *فريد الله العطّار… لم أسمع به من قبل..
ولكني عرفتُ لاحقاً أنه من أشهر الشيعة المتصوفة، وله مؤلفاتٌ عدة..
ما كنتُ اعرفُ ان الشيعةَ يتصوّفون..
منطق الطير
The Conference of the Birds
كتابٌ من تأليف هذا المتصوف الشيعي..
والكتاب، ويعرف أيضاً بمقامات الطير، منظومةُ رمزيةٌ من ٤٥٠٠ بيتٍ، موضوعها هو بحث الطيور، عن الطائر الوهمي، المعروف باسم سيمورغ (العنقاء)..
تبدأ القصة بتوجيه الخطاب لمجموعة من الطيور، ينعقدُ بهم المجلسُ، فيقررون أنه، لا بدّ لهم، من أن يخضِعوا أنفسَهم لواحدٍ منهم، يكون قائداً لهم، في رحلة البحث عن ملكِهم الآمر الناهي أي (السيمورغ) ، حتى يوفّقوا في العثور عليه..فيقع الاختيار على الهدهد..لا يأتي اختيارُ الهدهد هنا جزافا! ..أليس هو أول (صحافي) ينقل الأخبار بدقة..؟ والشاهد قصته مع سيدنا سليمان..
الهدهد، كما جاء في محكم التنزيل، أتى معتذراً، للنبي سليمان، عن تغيبه عن مجلسه، قائلاً له:
” *أُحِطتُ بما لم تُحِط به*” وهذه المقدمة من قول الهدهد، يُطلِق عليها الصحافيون، *المقدمة القنبلة* eye catching intro حيث نراها تطغى على مسألة غيابه، عن مجلس سليمان، وتضمن اصغاء نبي الله له..
قررت جماعةُ الطيرِ البحثَ عن ملكِها سيمورغ (العنقاء) وهو طائر أسطوري، يقيم في جبل قاف، وهو ايضاً جبل اسطوري، بقيادة الهدهد..
الرحلة إلى جبل قاف طويلة، وعلى جماعة الطير ان تقطع سبعة اودية قبل بلوغ الجبل…تحمستْ الطيور في البداية، يتقدمها الهدهد، ولكن بعد ساعات من الطيران المتواصل، شعر البعض منها بالتعب والاجهاد، فآثروا عدم مواصلة الرحلة، وتعلّل بعضٌ آخر من المجموعة، بعدم جدوى البحث، فيما مات بعض منها أثناء الرحلة..
نجحت البقية؛ وعددها ثلاثون طائرا؛
في اكمال الرحلة، وعندما وصلت، وقد أخذ منها الاعياء مأخذَه، قررت ان تستريح قليلاً، عند مدخل المكان، الذي يفترض ان يكون مقر السيمورغ (العنقاء)..
طرق كبيرُهم البابَ، فجاءهم حاجزُ السيمورغ منتهراً الطارق، ثم امره بأن يعودَ بجماعته من حيث أتى..ولكن جماعة الطير أصرت على مقابلة الملك..وتحت الحاحهم المتزايد، وافق الحاجب على فتح الباب..ولدهشة الجماعة ما ان دخلت الى المكان، حتى فوجئتْ بعدم وجود أي شيء..فقط مرآةٌ، وفيها تنعكس صور الطيور الزائرة…تنهار الجماعة من هول المفاجأة، لكنها تدرك بعد برهة، ان ما كانت تبحث عنه إنما هو موجود في داخلها وليس خارجها..
المغزى من القصة التي حكاها *فريد الدين العطار* في كتابه، هو أن الإنسان، يبحث عن الله، معتقداً أنه موجود في مكان ما، او على هيئة ما..البحث عن الله هو بحث الانسان عن نفسه..
في شرحه للآية الكريمة ” *وفي أنفسكم أفلا تبصرون*” قال الراحل الشيخ *حسن الفارسي* حين طلب منه إمام المسجد الشيخ *محمد النادي* شرحاً للآية:
في ذواتكم أيها الناس آيات وعبر تدلكم بشكل جليّ، على وحدانيته سبحانه وتعالى؛ فقط لو تفكرتم في ما في أنفسكم من أسرار!
*فذلكة عن الإنسان*
*An Essay On Man*
قصيدة للشاعر الانجليزي الكسندر بوب ذكر فيما ذكر فيها:
*Know then thyself, presume not God to scan,*
*The proper study of mankind is man*..
ومعناها: أيها الإنسان دع عنك التنطع في الغيبيات واصدار الأحكام في الوجود وطرح أسئلة عن قدرة الخالق وتمعن في خلقك لترى الحقيقة في نفسك!
وهي ليست بعيدة عن الشرح الضافي الذي شنّف آذاننا به الشيخ الراحل *حسن الفارسي* ليلتئذ:
*وفي انفسكم أفلا تبصرون*!
وفي ذات السياق نجد اصداء هذا التساؤل الرباني في قول *الصوفي المعذب*:
يا طريرَ الشباب:
مَن صاغ هذا الحسنَ
في زهوه واستكباره؟
مَن اذاب الضياءَ فيه؟
مَن نغّم شجوَ الهوى على أوتاره؟
مَن رمى؟ مَن اصاب؟ مَن صوّر الفتنة،
مَن زرّها على ازراره؟
والفتور الذي بعينيك،
مَن موّه سحرَ الحياةِ في اقطاره؟
*التيجاني يوسف بشير* الصوفي المعذب؛ يشير بتكراره لاسم الإشارة (مَن) ويسوقنا إلى نفس التطواف في التأمل في الخالق من خلال النظر بعمق في الإجابة على:
مَن رمى؟
*مَن أصاب*؟
مَن صوّر؟..
كلها أسئلة تندرج في التساؤل الرباني:
وفي انفسكم أفلا تبصرون؟
قال تعالى:
” *ولقد خلقنا الانسانَ، ونعلم ما توسوس به نفسُه، ونحن اقرب اليه من حبل الوريد*”..
صدق الله العظيم..
لكَم تمنيتُ أن أزيلَ بعض جهلي في أمور ديني ولكن ما أن أعرف شيئاً مما لا أعرف؛ إلا وازداد جهلي، وتوسعت فجوتُه وصرتُ في حيرةٍ من أمري!..
