أطفال بلا هوية.. اغتصاب الحرب يترك جيلاً خارج سجلات الدولة السودانية

الغد السوداني (وكالات)  – أفاد تقرير لـ«بي بي سي» بأن أطفالاً في السودان وُلدوا نتيجة حالات اغتصاب خلال الحرب الدائرة في البلاد، يواجهون خطر البقاء من دون شهادات ميلاد أوارقام وطنية ،  في مناطق النزاع، لا سيما إقليم دارفور.

وتكشف شهادات ناجيات وعاملين في مجال الحماية ومحامين، نقلها التقرير، عن أزمة تتجاوز آثار العنف الجنسي لتصل إلى حق الأطفال في الهوية والرعاية الصحية والتعليم، وسط مخاوف من نشوء جيل كامل من الأطفال الذين لا تملك الدولة سجلاً رسمياً بوجودهم.

وتحمل «أميرة»، وهي فتاة تبلغ 17 عاماً، طفلها بين ذراعيها، بينما تواجه منذ ولادته معركة جديدة لا تقل قسوة عن تلك التي مرت بها خلال الحرب.

تقول أميرة، وهو اسم مستعار، إنها لا تملك لطفلها شهادة ميلاد أو رقماً وطنياً، وإن حتى استخراج شهادة الولادة من المستشفى أصبح أمراً بالغ الصعوبة بسبب غياب البيانات المطلوبة.

كانت أميرة تقيم في أحد الأحياء الشرقية بمدينة الفاشر في دارفور، قبل أن تتغير حياتها خلال تجدد القتال في المدينة. وأثناء محاولتها الفرار مع أسرتها إلى منطقة أكثر أمناً، اختطفها ثلاثة مسلحين واحتجزوها لنحو شهرين.

وتروي للتقرير: «عصبوا عيني وأخذوني إلى منطقة تابت جنوب الفاشر. سُجنت في غرفة لمدة شهرين، وكان أحدهم يغتصبني يومياً، بالتناوب مع الآخرين».

وبعد أسابيع من الاحتجاز، اكتشفت أميرة أنها حامل. وفي وقت لاحق، أُلقي بها بالقرب من معسكر زمزم للنازحين، لتبدأ رحلة جديدة من النزوح والعلاج، قبل أن تنتقل إلى مدينة طويلة حيث وضعت طفلها بعد أشهر من الحمل والرعاية الطبية، ثم تمكنت من الالتقاء بأسرتها.

لكن انتهاء الحمل لم يكن نهاية معاناتها.

تقول أميرة إنها تواجه اليوم صعوبة في تطعيم طفلها أو تسجيله في الروضة والمدرسة، فضلاً عن عدم قدرتها على تحمل تكاليف العلاج والرعاية، في ظل ظروف اقتصادية قاسية وخوف مستمر من التعرض للعنف مجدداً.

وتضيف: «أخاف عليه من المستقبل لأنه غير مسجل أصلاً».

أطفال يولدون في ظروف الحرب

 

وبحسب التقرير، فإن قصة أميرة ليست حالة معزولة، إذ يحذر العاملون في مجال الحماية من تزايد أعداد الأطفال الذين يولدون في ظروف مرتبطة بالعنف والنزوح والحرب في السودان.

ويقول أبو بكر يوسف يعقوب، مدير برامج الحماية في مؤسسة «ندى الأزهار» لدرء الكوارث والتنمية المستدامة، إن النساء والفتيات، خصوصاً القاصرات، يتعرضن بدرجة أكبر للعنف الجنسي، ما يؤدي في بعض الحالات إلى حمل وولادة أطفال من دون معرفة هوية الأب.

ويشير إلى أن المشكلات تبدأ منذ لحظة الولادة، إذ تكون الأم في كثير من الأحيان وحيدة، وقد تكون هي نفسها طفلة بحاجة إلى الرعاية والحماية، الأمر الذي يزيد صعوبة رعاية المولود ومتابعة احتياجاته الصحية.

ويضيف أن ضعف تسجيل المواليد ينعكس مباشرة على حصول الأطفال على التطعيمات والخدمات الصحية، ثم يمتد أثره إلى مراحل لاحقة من حياتهم، من الالتحاق بالتعليم إلى السفر واستخراج الوثائق الرسمية.

وتكمن إحدى أعقد المشكلات، وفق يعقوب، في تسجيل الأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب عندما يكون الأب مجهول الهوية، إذ تتطلب إجراءات التسجيل بيانات ووثائق قد لا تكون متوافرة لدى الأم، خصوصاً في ظل النزوح وانهيار المؤسسات المدنية.

الوصمة تعرقل التوثيق

ولا تتوافر أرقام دقيقة حول أعداد الأطفال الذين وُلدوا نتيجة الاغتصاب خلال الحرب، في ظل صعوبة توثيق هذه الحالات، بحسب التقرير.

وتقول شذى نجم الدين، مديرة مؤسسة «ندى الأزهار»، إن الوصمة الاجتماعية والخوف من الإبلاغ يمثلان عقبة رئيسية أمام معرفة حجم الظاهرة.

وتوضح أن كثيراً من الناجيات لا يشعرن بالراحة في الإبلاغ عن الاعتداءات الجنسية، مشيرة إلى أن نسبة كبيرة من الأمهات في الحالات التي تتعامل معها المؤسسة هن فتيات دون 18 عاماً، ما يجعل الوصول إلى الإجراءات القانونية أكثر تعقيداً.

وبحسب نجم الدين، ترفض عائلات نحو 90 في المائة من الحالات التي توثقها المؤسسة السماح بالإبلاغ الرسمي عن الاعتداءات الجنسية التي تعرضت لها الفتيات وأدت إلى حمل.

وتحذر من أن عدم تسجيل هؤلاء الأطفال قد يخلق مشكلة تتجاوز الحالات الفردية، قائلة إن السودان قد يواجه «جيلاً كاملاً» من الأطفال الذين يعيشون تحت وطأة الوصمة والخوف، ويحرمون من الخدمات والحقوق الأساسية.

 

القانون يمنح الحق… والحرب تعطل التنفيذ

وعلى الرغم من هذه التحديات، ينص قانون الطفل السوداني لعام 2010 على حق الطفل في التسجيل والهوية، بما في ذلك الأطفال الذين يولدون خارج إطار الزواج أو من آباء غير معروفين، وفق ما يورده التقرير.

وتقول مجيدة إدريس، المحامية السودانية المتخصصة في قضايا الأطفال، إن القانون أوجد إطاراً لحماية حق الطفل في التسجيل والهوية، ويمكن تسجيل الطفل باسم الأم وفق الإجراءات القانونية المعمول بها.

وتوضح أن الإجراءات تبدأ، في حالات الاعتداء، بتقديم بلاغ من الأم، ثم تسجيل الواقعة لدى الجهات الاجتماعية المختصة، وإحالة البيانات إلى السجل المدني، بما يسمح بتسجيل الطفل ومنحه اسماً وشهادة ميلاد ورقماً وطنياً وفق القانون.

لكن الحرب دفعت بهذه الإجراءات إلى مساحة أخرى، خصوصاً في دارفور، حيث أدى النزاع إلى تعطيل مكاتب السجل المدني وانهيار كثير من الخدمات الحكومية، ما جعل الفجوة بين الحق القانوني وإمكانية الوصول إليه أكثر اتساعاً.

وتقول إدريس إن غياب الوثائق «لا يعني فقط غياب ورقة رسمية»، بل يمكن أن يؤدي إلى حرمان الطفل من التعليم والرعاية الصحية والاعتراف القانوني.

وتدعو المحامية إلى إعادة تفعيل مكاتب السجل المدني في المناطق التي يمكن الوصول إليها، وتكثيف الجهود الحقوقية والإنسانية لضمان تسجيل الأطفال وحصولهم على الوثائق التي تكفل لهم حقوقهم الأساسية.

 

جيل خارج دفاتر الدولة

 

تكشف قصة أميرة عن وجه آخر للحرب في السودان، لا يظهر فقط في ساحات القتال أو مخيمات النزوح، بل في حياة أطفال يولدون وسط العنف ثم يجدون أنفسهم في مواجهة أول اختبار للوجود القانوني.

فبالنسبة إلى هؤلاء الأطفال، لا يمثل غياب شهادة الميلاد أو الرقم الوطني مشكلة إدارية فحسب؛ بل قد يصبح بداية لمسار طويل من الحرمان، يبدأ من التطعيم والرعاية الصحية، ويمر بالتعليم، وينتهي بصعوبة الحصول على الوثائق والحقوق المدنية.

وبين شهادات الناجيات وتحذيرات العاملين في مجال الحماية والمحامين، تبرز مخاوف من أن تترك الحرب وراءها جيلاً من الأطفال الذين وُلدوا في قلب النزاع، لكنهم لا يجدون مكاناً في سجلات الدولة.

ويبقى السؤال: كم طفلاً في السودان يعيش اليوم خارج السجل المدني، وبالتالي خارج دائرة الحقوق؟