سرديات
We Don’t Do God..
أي إننا لا نقحم أمور الدين في السياسة!
شركة شل العالمية، كانت ترسل خبيرا اعلاميا متمرسا، من وقت لآخر، لتدريبنا على كيفية التعامل مع أجهزة الاعلام الأجنبية، عند حدوث طواريء، قد تؤثر على انتاج النفط، مثل الأعاصير أو ثوران بئر نفط (ويقصد بالثوران انفجار داخل البئر) أوغيرها من الحوادث التي تشهدها صناعة النفط، فتثير تكهنات تلقي بظلالها على اسواق النفط العالمية..
أندرو أوليفر، كان آخر خبير إعلامي، دربني مع آخرين، عام ٢٠١١، قبل بضع سنوات من مغادرتي السلطنة عائدا إلى بلدي..
اندرو، صحافي متميز وقضى سنوات عديدة في صحف بريطانية عريقة، قبل ان يتقاعد وينضم لشركة شل، كخبير اعلامي متجول، يطوف على كل الوحدات العاملة، تحت منظومة شركة شل العالمية، في مختلف انحاء العالم، لتدريب اطقم الاعلاميين فيها..
كان تدريبُه يشتمل على سيناريوهات مختلفة، لحوادث يفترض حدوثُها في حقول النفط، او الآبار او في المنشئات النفطية الأخرى..الشركة التي كنت اعمل فيها، كانت تبدي اهتماما متزايدا بهذه الدورة التدريبية، لحرصها على ضرورة ضبط الاعلام في حالة الطواريء..ومرد هذا الحرص كان إلى أن التصريح المكتوب الذي كنا نعده مسبقا لأجهزة الاعلام في حالة الطواريء، كثيرا ما كان الصحافيون الاجانب يتجاوزونه بالاسهاب في تحريره/تأويله بصيغة تهز اسواق النفط، ما لم يكن التصريح واضحا لا لبس فيه ولا يترك مجالا للتأويل..فالمسؤول الاعلامي المناوب في الشركة مع فريق الطواريء، كان يستقبل محادثات هاتفية عديدة من صحافيين كثر من مختلف أنحاء العالم، كانوا لا يكتفون بالتصريح المكتوب الذي يقرأه عليهم مسؤول الاعلام في الشركة، بل كانوا يبحثون عن المزيد المثير..إلى جانب أن عدم رد المسؤول الاعلامي على الأسئلة الموجهة اليه، حتى لو كانت أسئلة مكررة أو ايحائية، كان يفتح الباب على مصراعيه للتخمين والتأويل كيفما شاءوا، وهو الأمر الذي كنا نخشاه ونعمل له الف حساب..وهنا كان يأتي دور الخبير الاعلامي في تدريبنا على كيفية التعامل مع هذه المواقف على أفضل وجه..
كثيرا ما كان الخبير الاعلامي *أندرو اوليفر* يشير أثناء محاضرته، الى شخص اسمه *أليستير كامبل* كاعلامي محترف، يجيد فن التحكم والسيطرة على تدفق الأخبار ..لم أسأله من يكون *أليستير كامبل،* إذ خلته أحد أساطين الاعلام في الغرب، ولا يهمني من يكونه تحديدا..وكان ذلك خطأً ارتكبته..ليتني كنت سألته!
بعد عودتي النهائية الى السودان، كنت ازور صديقا لي يعمل وراقا أمام البوابة الشمالية للجامع الكبير في الخرطوم..شاب ثلاثيني على خلق..باعني ذات يوم، كتابا ضخما بالانجليزية عنوانه يقول:
The Blair Years: The Alastair Campbel Diaries
أي: سنوات بلير: مذكرات ألستير كامبل..
يحكي الكتاب عن سنوات حكم توني بلير ١٩٩٤-٢٠٠٣ وما كان يجري خلف الكواليسى في اتخاذ القرارات المصيرية، ومنها الحرب على العراق.. ألف الكتاب رجل اسمه *أليستير كامبل*؛ هو نفس الرجل الذي كان يشير اليه المحاضر من وقت لآخر؛ أثناء حديثه، وتجاهلته انا ولم أعره اهتماما حينئذ -وكان ذلك خطأ فادحا ارتكبته..
أليستير كامبل كان أخطر رجل يعمل من خلف الكواليس في حكومة توني بلير..
كان هو مهندس الاعلام Spin doctor لرئيس الوزراء، اي انه كان الرجل الذي يشكل الرأي العام البربطاني ويهندسه كما تهواه الحكومة..
وظهر اسمه بشكل خاص في أعقاب انتحار أكبر خبير أسلحة بريطاني في العراق اسمه *ديفيد كيليDavid Kelly..
ديفيد عمل أيضا مفتشا في الأمم المتحدة في التسعينيات، وكانت الحكومة البريطانية تعتبره المصدر الأول لمعلوماتها، بشأن ما أتفق على تسميته، بأسلحة (الدمار الشامل) في العراق..
كشف هذا الخبير في تقريره عن اسلحة العراق ما يلي:
بعض الذخائر التكتيكية، التي بحوزة القوات العراقية، في جنوب العراق (البصرة) يمكن تجهيزها للضرب (المصالح البريطانية في المنطقة) في خلال ٤٥ دقيقة بعد صدور الأمر بذلك..
غير أن مهندس الاعلام لحكومة بلير -ألستير كامبل- رأى أن هذه الجزئية من التقرير، لن تدعم موقف الحكومة في اندفاعها الى الحرب ومساندتها لحكومة جورج بوش في حربها على العراق؛ لأنه لا يقدم أدلة قاطعة لوجود أسلحة دمار شامل ولا يتضمن بالتالي، ما يثير الرعب في الشعب البريطاني ويدفعه لتأييد الحكومة في سردية الحرب..
لذلك قام أليستير باعادة صياغة هذه الجزئية بما يضمن وقوف الشعب مع الحكومة في دوافع الحرب..فجاءت الصياغة بعد التعديل لتقرأ على النحو التالي:
*تسمح القوات العراقية لبعض أسلحة (الدمار الشامل) بأن تكون جاهزة خلال ٤٥ دقيقة من صدور الأمر باستخدامها..
بموجب هذا التعديل تعمد أليستير التعميم إذ تم تعديل عبارة ذخائر تكتيكية إلى اسلحة دمار شامل..وهي عبارة أشمل وأكثر إثارة للرعب..وحذف عبارة (في الميدان وجنوب العراق) ليعني ان أسلحة الدمار الشامل جاهزة للانطلاق في غضون ٤٥ دقيقة لضرب الاراضي البريطانية (لندن) في حين أن تقربر خبير الاسلحة يقول إن الأسلحة التكتيكية في ايدي القوات العراقية في الميدان (البصرة) يمكن تجهيزها لضرب المصالح البريطانية في المنطقة (الكويت) في خلال ٤٥ دقيقة من صدور الأمر بذلك ..ثم قام أليستير بوضع الجزئية المعدلة في صدر التقرير المعد لاجهزة الاعلام؛ لتكون لافتة للأنظار..
وكان ذلك كافيا لتشكيل الرأي العام البريطاني في موقفه من الحرب على العراق حين بلعت الصحف الطعم الذي رماه لها أليستير بخبث ودهاء ..
فكتبت صحيفة ذا صن
The Sun
على صدر صفحتها في اليوم التالي:
Britain 45 Minutes From Doom
أي نهاية بريطانيا تحين بعد ٤٥ دقيقة من الآن.
وكتبت الديلي ميرور تقول:
45 Minutes From Attack
أي يبدأ الهجوم بعد ٤٥ دقيقة..
في حين قالت هيئة الإذاعة البريطانية:
Strike In 45 Minutes
أي يبدأ الهجوم بعد ٤٥ دقيقة..
ونلاحظ أن التقرير الفني الذي أعده الخبير الأول في مجال الأسلحة ديفيد كيلي، قد أفرغه مهندس الاعلام لحكومة توني بلير، من محتواه تماما وعن قصد، لكي يثير الرعب وسط العامة ويدفع الشعب لتأييد سردية الحرب التي صاغها أليستير كامبل..
بعد الحرب التي دمرت العراق، عقد توني بلير، مؤتمرا صحفيا لشرح دوافع الحكومة لضرب العراق، بحجة الحرب على الارهاب، ووقوف الحكومة البريطانية الى جانب حكومة بوش في الحرب..
قرأنا في تلك الأيام أن الرئيس الأمريكي كان يلمح في حربه على الارهاب ويضع الصليب فوق الهلال ويكرر عبارة
God Bless America
وهي العبارة التي فسرها المراقبون بانها لا تخلو من نزعة دينية تشعل الحرب تحت غطاء ديني كما كانت الحروب الصليبية..
لذلك لم يتوان صحافي من صحيفة Religion Today
لحظة، في توجيه سؤالين جاءا في سياق الحرب الدينية، مما أربك توني بلير بشكل كبير..
وجه الصحافي
Paul O’ Donnell
سؤاله الاول قائلا:
Does the Prime Minister pray with President Bush before making decisions about the war?..
اي: *هل يشارك رئيس الوزراء الرئيس الامريكي في أدعيته/صلواته قبل اتخاذ قرارات الحرب*؟
ثم اردف سؤاله بسؤال آخر لا يخرج عن السياق ذاته:
Which passages of the Bible does the Prime Minister find most helpful when he’s making decisions about the war?
أي: أي مقطع من الانجيل يرى رئيس الوزراء انه أكثر فائدة عندما يتخذ قراراته بشأن الحرب؟
الصحافي بول أونيل جاء المؤتمر الصحفي ممثلا لصحيفة تسمى
Religion Today
أي: الدين اليوم..
وسؤالاه يحملان من المغازي ما يحملان، خاصة إن وضعا في سياق تلميحات بوش الصليبية..
المعروف عن توني بلير أنه رجل مسيحي ملتزم، ويؤدي صلواتِه في الكنيسة كل أسبوع..وكذلك كان يفعل الرئيس بوش!
كاد توني بلير أن يفقد توازنه في مؤتمره الصحفي حين وُجه له السؤالان، وبدأ يتلعثم باحثا عن مخرج من هذه الورطة..فانبرى صاحبنا *اليستير مهندس الاعلام في مكتب رئيس الوزراء، ليخرج رئيسًه من ورطته فقال:
We Don’t Do God..
أي *أننا لا نقحم أمور الدين في السياسة*..
فتنفس رئيس الوزراء الصعداء..
لو قيض لتوني بلير ان يجيب على السؤالين، لوجد نفسه أمام امرين لا ثالث لهما:
إما أن يجيب ب (نعم) فيفسرها المراقبون أن الحرب على العراق حرب دينية…وإما يجيب ب (لا) فيفسرها الشعب البريطاني (وجلهم مسيحيون) بأن توني بلير رجل ملحد..
نعود لخبير الأسلحة الذي حوّر مهندس الاعلام Spin doctor أليستير تقربرًه ليخدم حكومة بليير..
خبير اسلحة الدمار الشامل ديفيد كيلي، حين قرأ كيف تم تحوير تقريرِه، الذي أعده بمهنية عالية، لم يجد سبيلا سوى ان يسدلَ الستار على حياته، حتى لا يرى تداعيات التحوير الذي اصاب تقريره في مقتل، فانتحر..
وبعد انتحاره وجهت الصحف إصبع الاتهام في الانتحار إلى مهندس الاعلام أليستير كامبل…
