
لم يخطئ الرسام… بل سبق زمانه: السودان يحول أسطورة “الطفل الباكي” الي حقيقة دامية
بروفيسور/سيف الدين عبد الرحمن يكتب..
هناك لوحة شهيرة تُعرف باسم “الطفل الباكي” أو لعنة الطفل” للرسام الايطالي جيوڤاني. اختلف الناس حول قصتها، و نسجوا حولها الأساطير، لكن ما بقي ثابتاً هو ذلك الوجه الصغير الذي تجمدت عليه الدموع، حتى بدا و كأنه يبكي نيابة عن ضمير العالم. و اليوم، لم تعد تلك اللوحة مجرد عمل فني بالنسبة لي؛ بل أصبحت مرآة لوجوه أطفال السودان.
لو أراد جيوڨاني اليوم أن يعيد رسم اللوحة، لما احتاج إلى عناء البحث في كتب التاريخ أو أرشيف الحروب القديمة. يكفي أن يقف عند أطلال منزل في أم درمان، أو في الفاشر، أو الأبيض، أو نيالا، أو الجنينة، أو قرية نائية في كردفان، ليرى آلاف الوجوه التي تحمل الملامح ذاتها. عيون صغيرة فقدت دهشتها، و ابتسامات اختطفها صوت الرصاص، و طفولة استبدلت ألعابها بأكياس القمامة و صفوف انتظار طعام التكايا.
إن الحرب في السودان لم تكتفِ بأن تجعل الأطفال يصرخون، بل تجاوزت ذلك إلى مشاهد يصعب على اللغة أن تحتويها. و من أكثرها إيلاماً الصورة المتداولة من قرية شرشار بشمال كردفان، و التي أظهرت يدي جنين خرجتا من رحم أمه بعد مقتلها في قصف جوي. سواء بقيت هذه الصورة في ذاكرة الأيام أو أصبحت شاهداً دائماً على هذه الحرب، فإنها تمثل رمزاً بالغ القسوة لحجم المأساة التي يعيشها المدنيون خاصة النساء و الأطفال.
إن دموع أطفال السودان ليست دموعاً عابرة. إنها سجل مفتوح لفشل السياسة حين تتحول إلى عمالة و إرتزاق، و فشل المجتمع الدولي حين يكتفي بإحصاء أشلاء الضحايا و ركام الأكواخ، و فشل العسكريون الذين جعلوا الوطن حلبة لصراعات السلطة بدلاً من أن يكون ملاذاً لأبنائه.
الطفل السوداني اليوم لا يبكي لأنه جائع فحسب، و لا لأنه حُرم من مدرسته أو منزله فقط، بل لأنه وجد نفسه في حرب لم يخترها، يدفع ثمنها من عمره و مستقبله. لقد صار يعرف أسماء الأسلحة قبل أسماء عائلتة، و يميّز بين أصوات القذائف أكثر مما يميّز بين أجراس المدارس و الكنائس.
ربما تنتهي الحرب العبثية بتوقيع إعلان مبادئ “بأن لا مبادئ”، لكن الحرب لا تنتهي في ذاكرة الأطفال بهذه السهولة. فالطفل الذي يرى والده يُقتل، أو أمه تُصاب، أو أخته تغتصب أو منزله يشفشف “يسرق”، يحمل تلك الصور معه سنوات طويلة، و قد تظل تطارده الي الأبد. و لهذا فإن أخطر ما تفعله الحرب ليس هدم المباني، و إنما تشويه فطرة الإنسان السليمة.
كل طفل سوداني يبكي اليوم هو اتهام أخلاقي لكل من يملك قرار إنهاء الحرب و يسعى في إستمرارها، و لكل من يستطيع إيقافها و يلوذ بالصمت. دمعة واحدة على خد طفل أبلغ من آلاف بيانات الإدانة، و الخطب السياسية الرنانة، و أصدق من كل هتافات النصر و الهزيمة.
ربما لم تكن للوحة قصة حقيقية كما يرويها الناس، لكن السودان اليوم يكتب قصة حقيقية لا تحتاج إلى خيال. قصة أطفال فقدوا بيوتهم، و أصدقاءهم، و مدارسهم، و آباءهم و أمهاتهم، و لم يفقدوا فقط حقهم في الحياة الآمنة، بل حقهم في أن يكونوا أطفالاً.
و حين تنتهي هذه الحرب، سيبقى السؤال الذي سيطرحه التاريخ على الجميع؛ من يعيد الضحكة إلى ذلك الطفل؟ ومن يمسح الدموع التي لم تستطع البنادق أن تراها، لكنها ستظل محفورة في ذاكرة وطن بأكمله.
إن الطفل الباكي لم يعد لوحة معلقة على جدار؛ لقد أصبح السودان نفسه، بوجهه الصغير، و عينيه الممتلئتين بالدموع، ينتظر أن ينتصر السلام قبل أن يجف آخر دمع على خد أطفاله.
*لا تحلموا بعالم سعيد
فخلف كل قيصر يموت
قيصر جديد
و بعد كل ثائر يفوت
أحزان بلا جدوى و دمعة سدى*
